المجتمع المدني

أثر النظام الأبوي على المعونات الإنسانية في اليمن

الصورة بإذن من بدر يوسف

في ظل غياب الدولة وعدم قدرتها على توفير الخدمات لمواطنيها بسبب النزاع الحالي، تقوم المنظمات الإنسانية المحلية والدولية بدور ريادي في الاستجابة لإحتياجات المواطنين. وعلى الرغم من أهميتها، وبغض النظر عن طبيعة عملها، إلا أن هذه المنظمات تتأثر بسلطة النظام الأبوي الذي ما زال مهيمناً على البنية الاجتماعية في اليمن، مما يؤثر على النساء كعاملات وكمستفيدات.

تتبع المنظمات الإنسانية سياسات واضحة ومبادئ توجيهية تؤكد على  العدالة و المساواة في النوع الاجتماعي والإنصاف بين الجنسين فيما يتعلق بموظفيها وأنشطتها على الأرض. وبالرغم من ذلك، تتولى النساء وظائف متدنية في السلم الوظيفي في هذه المنظمات. فالكثير من النساء اليمنيات يعملن كمساعدات أو يشغلن مناصب بسيطة  او عمل جزئي مثل جمع البيانات أو كعاملات نظافة. أما الرجال فيغشلون مناصب أعلى  كمسؤولين إداريين أو مدراء، مما يسمح لهم باتخاذ القرارات وقيادة المشاريع.

النظام الأبوي يعيق النساء من الوصول إلى مراكز أعلى؛ لأن كلا من الرجال والنساء يؤمنون – سواء بوعي أو بلاوعي – بأن النساء غير قادرات على الأداء خارج الدور التقليدي المخصص لهن، بما في ذلك تولي المناصب القيادية والتغلب على تحديات العمل داخل المنظمات.

 أدى تجذر هذه القيم وعدم وجود ثقافة المساواة في المجتمع منذ ما قبل الحرب إلى تشكيل طبيعة النهج  المتبع بخصوص المعونات الإنسانية وفقا لمعايير النظام الأبوي. أصبحت المعايير التي اعتمدتها المنظمات هي ذاتها المعايير التي دفعت المرأة  في المجتمع اليمني إلى الصمت وعدم المطالبة بحقوقها، حيث تربت  على الخضوع والتسليم من أجل الحصول على رضا المجتمع والأسرة. ذلك بالإضافة إلى التصورات المسبقة لدى الرجال والتي ترى أن العديد من الأعمال غير مناسبة للمرأة.

الصورة بإذن من بدر يوسف

 يحدد المجتمع اليمني طبيعة الأدوار الاجتماعية للمرأة والرجل بشكل صارم. ووفقا لذلك تحصر أدوار المرأة في الفضاء الخاص. في كل أرجاء البلد يفرض على المرأة لبس الثوب الأسود، والعيش تحت ظل نظام أبوي يعزل النساء والرجال عن بعضهم البعض. وفي بعض المناطق في اليمن، لا تملك المرأة حقوق الميراث أو حق الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية. علاوة على أنه لا يمكنها اتخاذ قرارات حول مستقبلها. و يعتبر أي انحراف عن هذه المعايير والقيم وصمة عار لها ولأسرتها.

إن الخوف من العار والأعراف الاجتماعية الجائرة يطارد المرأة بشكل يومي؛ مما يؤدي في النهاية إلى انخفاض مشاركتها في الحياة العامة. إن نيل الحقوق الإنسانية الأساسية مثل التعليم، وتوفر فرصة العمل، والوصول إلى الخدمات الصحية يعتبر ترف بالنسبة للمرأة، فقط بسبب جنسها. تعامل المرأة في اليمن كمواطنة من الدرجة الثانية وكأن وجودها وغرضها الوحيد في الحياة يقتصر على الزواج  والإنجاب والقيام بالتزامات التربية والعمل المنزلي.

علاوة على ذلك، يضع النظام الأبوي المرأة تحت وصاية الرجل، سواء كان الزوج أو الأخ أو الابن، وأي محاولة لكسر هذه القيود سيكون من شأنه إخراج المرأة من دائرة القبول الاجتماعي. على سبيل المثال، تفرض العديد من الأسر على المرأة الحصول على إذن من أخيها أو والدها أو ابنها إذا أرادت السفر للعمل. إلى جانب ذلك، في بعض الحالات ترفض السلطات سفر النساء دون محرم (الوصي الذكر) حتى عند ارتباط السفر بالعمل، وهو الأمر الذي يدفع المنظمات لحصر عمل المرأة في الوظائف البسيطة المشار إليها أعلاه.

تضع هذه المعايير الاجتماعية الصارمة النساء في موضع ضعف فقط لأنهن نساء. وزادت الحرب في اليمن من استضعاف المرأة من حيث إمكانية الحصول على الموارد، بالإضافة إلى فرص المشاركة السياسية والمساواة في مكان العمل. كما يضع الصراع الحالي عبئًا كبيرًا على النساء كمعيلات وحيدات ومسؤولات عن تلبية احتياجات أسرهن.

في إطار منظمات المعونة الإنسانية، غالباً ما يغفل الموظفون الذكور، المسؤولون عن توزيع المعونات، عن احتياجات النساء. فليس لديهم الإدراك المطلوب، بالمقارنة بالموظفات اللواتي يمكنهن فهم هذه الاحتياجات بشكل أفضل. ومع ذلك، يظل الرجال في مواقع صنع القرار في هذه المنظمات وليس النساء.

يتم اختيار المستفيدين على أساس ضعفهم. نظرا لذلك تُعامل المرأة على أنها متلقية للمساعدات، عاجزة وغير فاعلة أو مساهمة في تنفيذ الأنشطة الإنسانية في مجتمعها. وعلى الرغم من تعهد المنظمات الإنسانية بتمكين المرأة، إلا أن هذه المواقف التي ألمحنا إليها هنا تعزز من عدم المساواة القائمة بين الجنسين داخل المجتمع.

تُعرِّف المنظمات النساء على أنهن من الفئات المستضعفة، إلا أن المعونة لا تصل إليهن بشكل مباشر في كثير من الأحيان. غالبا ما تتشكل حشود الرجال حول نقاط توزيع المساعدة في المناطق المستهدفة مما يعرقل من إمكانية وصول النساء ويثير التساؤل عما إذا كانت المساعدات الإنسانية تقدم حقيقة الأمر إلى أكثر الفئات تضررا ( أي النساء في هذا السياق). كثيراً ما تتجاهل المنظمات الوضع في نقاط التوزيع؛ مما يجعلها عاملا تابعا للنظام الأبوي اليمني. إن المنظمات الإنسانية، من خلال هذه المواقف،  تعمل بوعي أو دون وعي على تعزز  المعايير الاجتماعية القائمة؛ وبذلك تعزز هيمنة الذكور على النساء.

الصورة بإذن من بدر يوسف

يعتبر اختيار الأنشطة المدرة للدخل للنساء مثالا آخر لدور المنظمات في دعم النظام الأبوي. في برامج التمويل الصغير، تُعطى النساء عادة أنشطة تقليدية مثل الخياطة أو الحرف اليدوية لاستدرار الدخل. وتقع هذه الخيارات ضمن إطار النظام الأبوي الذي يحد من خيارات المرأة وفرص كسب الرزق، بينما يهيمن الرجال على مجالات أخرى، مثل الصيانة والميكانيكا والإلكترونيات، وهي مجالات غير متاحة على الإطلاق للنساء. هل من الصعب تخيل أن المرأة قادرة على إصلاح الأجهزة الإلكترونية التي تستخدمها في الأعمال المنزلية؟ لا يزال المجتمع غير مقتنع بقدرات المرأة على المشاركة في أنشطة كسب العيش غير التقليدية لأسباب عديدة. من جهتها، تؤمن المنظمات الإنسانية بالمساواة بين النساء والرجال، ولكن لا يزال التغيير من نهجها وتطبيق هذه المساواة صعبا في وسط مجتمع يقاوم التغيير.

يجب على المنظمات الإنسانية إتخاذ مواقف شجاعة  لتحدي معايير النظام الأبوي والوقوف إلى جانب المرأة. ويتعين على المنظمات أن تكف عن التظاهر بتأييد المساواة في النوع الاجتماعي، والبدء في دعم النضال من أجل حقوق المرأة في اليمن بشكل فعلي، ومساعدة النساء اليمنيات في المطالبة بحقوقهن. على المنظمات المحلية والدولية أن تضع المزيد من النساء في مواقع صنع القرار، والالتزام بتمكين المرأة، ودعمها للوصول إلى الخدمات، مثل التعليم والصحة لتحسين مستوى معيشتها. إن تحقيق المساواة ليس هدفا سهلا، وهناك حاجة ماسة إلى ممارسة الإنصاف والمساواة في النوع الاجتماعي للتأثير على وضع المرأة بشكل إيجابي.

تتمتع المنظمات الإنسانية، خاصة المنظمات الدولية، بالقدرة على دعم التغيير الاجتماعي في اليمن من حيث المساواة  بين قطبي النوع الاجتماعي والقضاء على معايير النظام الأبوي. على الرغم من المقاومة في المجتمع، يتعين على المنظمات اغتنام الفرصة لإحداث فرق حقيقي ودعم النضال من أجل نيل المرأة حقوقها.

 

ألما هاشم، نسوية يمنية، تعمل في مجال المساعدات الإنسانية الدولية في اليمن. شاركت في العديد من الحملات التي تنادي بحقوق المرأة والمشاركة السياسية للمرأة في اليمن.  قامت بالمشاركة في العديد من التدريبات والمؤتمرات الدولية المختصة بالمرأة. وكانت عضوا نشطا في “البيسمنت” منتدى التبادل المعرفي وشريكة مؤسسة فيها. 

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق