قصة قصيرة

دودة قــــــز

العمل الفني بواسطة جمانة الشامي

بعد مساء حافل بالغبار الصاخب والأكياس البلاستيكية ومخلفات المارة وقفت على الرصيف متكئا على مكنستي والتعب يسحق مفاصلي قلت: يكفي….
أجل يكفي. يبدو أن الساعة متأخرة جدا، والشارع في ما يشبه النعاس؛ أحتاج إلى كأس شاي أرتب أنفاسي به، وأسندت ظهري إلى حائط شاهق في السماء، فمنذ قليل كنت أبدو أنيقا ونظيفا إلى حد ما؛ على الأقل تغزلت بي زوجتي وهي لم تفعل ذلك معي منذ زمن؛ فعندما غادرتها قالت: »شكلك حلو«..
شعرت بوهج يمتد بي إلى عينيها الدافئتين، ولبرهة تخيلت نفسي أنيقًا، قبل أن تشتعل في ذهني حالة ملابسي الآن وهي منهكةٌ بالأوساخ..
حينها فكرت بتقبيلها قبلة طويلة؛ لأشعرها بمدى نشوتي بتغزلها، وربما طمعتُ بتكرار كلامها. حقيقة لا أدري. تأملتُ عينيها مليًا، وأحدس أنها توقعت مني قبلةً كالتي رغبتُ فيها. هممت وتوقفت فجأة.
وكفقاعةٍ نبتت في ذهني، تخيلت أحدهم يتلصص علينا من نوافذ البنايات العالية.
ربما لم أرغب في أن أظهر أمام زوجتي كرجل عاطفي جدًا، فأكون سهل المنال لمتطلباتها التي لا تنتهي؛ فمجرد كلمة أنبتت قبلة. اكتفيت بابتسامة مقتضبة..
وباحتفاء ألقيت نظرة على بدلتي البرتقالية الجديدة، رغم أنني أعرف أنها ستلازمني لفترة نصف عام على أقل تقدير، ولن أحصل على غيرها قبل أقل من ذلك الوقت، حينها ستكون قد تحولت إلى كومة خيوط متشابكة يتكتل فيها وسخ العالم.
*
على امتداد الشارع تجلد جسدي النظرات المشمئزة، دائرة للغبار المتطاير تحيط بي، وقريبا مني يغير المارة اتجاهاتهم، يتحاشون الاقتراب، يغطون وجوههم ثم يهربون بعيدا، وأنا منهمك مع مكنستي أسرِّح وجه الشارع بإتقان، أحدق في الوجوه العابرة، وأسكب مزيداً من عرقي لتهذيب الغبار..
*
يتكوم الشارع أمامي كلما كَشَطَتْ مكنستي ردحًا من المخلفات: أكياس بلاستيكية/ أعقاب سجائر مسحوقة /لفافات ورق/ جرائد مهترئة /مضغات أعلاف قات متناثرة / ضجيج أبواق السيارات /شخير دراجات نارية/ نظرات بلهاء تعلقت بحشد غبار يبتهج حولي / قهقهات وكلمات نابية لشباب يزدحمون حول أنفسهم / كركرات فتيات لم أفقه كنهها / روائح شبقة أشعلت الإسفلت لنساء يتدربك فيهن الكلام/ خطوات كسلى لمراهقين ومراهقات تتراخى على الوقت/صخب تموج في المكان/…

العمل الفني بواسطة جمانة الشامي

يرمقني صوت عابر يعرض خدماته من بعيد بتلويحة من يديه ثم يتشظى في الزحام، تأملت السلة وهي تزدحم بالقاذورات، رفعت رأسي وأحسست بالعرق يجرف ظهري وصدري، ويكاد أنفي يشتعل من رائحة تعبي، كان الوقت مناسبا لأفكر في برهة أقضيها مع كأس شاي أرتب فيها انفاسي.
هدأ الشارع الآن سأركن السلة جانبا، هجست لنفسي، وبنبضة وقت رددت في ذهني: “سأركن” كلمة يستخدمها الآخرون؛ رجال الاعمال، المثقفون، الكتاب في الصحف، بانتفاخ عدة ما يكتبون أو يتكلمون :-:ركنت السيارة/ ركنت الكتاب/ ركنت أفكاري جانبا..
هاهاهاها، لا بأس سأستخدمها على طريقتي وأركن سلتي جانبا.
ولمرة صفقت أنفض التعب الذي تعلق بكفي، وجلست محتفلا بكأسي، وقطرات المطر بدأت في التسارع، بَدَتْ هي الأخرى تحتفل بأناقة الشارع.
أحدق تارة في حبة الهال التي تطفو بهدوء على سطح الشاي، وأخرى في الشارع الذي بدا لي مزهزا بأناقته، تحت الأنوار البرتقالية، وقطرات المياه تكسبه لمعانا مغريا.
خلسة استرقت نظرة إلى ملابسي؛ أتفقد أناقتي، وانسحبت إلى كأسي بهدوء ارتشفه، أو أبادله القبل، وأتأمل أناقتي التي يتوهج بها وجه الشارع.
*

العمل الفني بواسطة جمانة الشامي

رياح باردة بدأت تهب، قطرات الماء تتقافز بمرح وخفة على وجه الاسفلت، وقطرات تحدث طشاتها في كأسي، مصابيح الإنارة تتأمل خيالها في الماء، خطوات متسارعة لأناس يسيل من أعينهم النعاس، صوت خافت لأغنية مألوفة ينبت من وراء باب أحد الدكاكين القريبة، مطيت سمعي أكثر؛ كنت واثقا أنه صوت راديو خشبي قديم، يترنح: “وكلما تبسمت أخفي من شجون الهوى أسمع دموع القلب يتناطفين”*، توحدت مع الصوت، وبدأت احس بحرارة الأغنية تنتقل إلي، تتكسر عليها زخات الرياح.
بدوت أشبه ما أكون بين أوتار العود حينا؛ وآخر قبل سنوات من الآن؛ على بعد ساعات من هذه الغابات الاسمنتية، أمد يدي إلى النجوم بكل هدوء.. وأغني.
*
لسعت شفتي برودة كأسي؛ فاستيقظت على زحار سيارة شرخت صمت المكان ومزقت أناقته، وللحظة رأيت السماء تمطر أشياء مألوفة لي، قبل أن تبعثر المخلفات ثانية، وترتفع في السماء ثم تهوي وتحط قريبا مني لتحدث طشة سخية ملء عيني، وصفعات تنهال على سمعي: أصداء ارتطامات متفرقة لمخلفات إضافية تهطل من الشرفات العالية وتتشتت على الاسفلت، صوت متجهم خلفته السيارة المسعورة:- يا دودة.. يا حشرة..
*
فركت عيني وألقيت ذهولي خلف الصوت، وعدت مبعثرا أتأمل حرير أناقتي الذي كسوته الشارع حالكًا بالزبالة، زحفت كدودة إلى الرصيف، وأسندت ظهري إلى جدار متبجح في السماء وعلى تعبي يتكئ شارع طويل كدسته النفايات.

——

* من أغنية للفنان ايوب طارش وكلمات الفضول

الصورة بإذن من الكاتب

هشام محمد: كاتب وباحث يمني.  حصل على شهادته الجامعية في مجال الكيمياء. له اهتمامات بحثية في مجال السياسات العامة.  ابتدأ هشام النشر في الصحف شاعرا، و قد نشر عددا من نصوصه الأدبية ( شعر وقصة) و الفكرية في صحف ومجلات متعددة. وله مشاركات في ندوات فكرية وسياسية.  هشام عضو في اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين. وحصل على جائزة رئيس الجمهورية للقصة للعام 2008عن مجموعة استعارة لونية. صدرت له مجموعتان قصصيتان هما: (نصف امرأة مؤقتا 2012 دار ميريت – القاهرة) و (استعارة لونية – الأمانة العامة لجائزة رئيس الجمهورية 2015 (وله مجموعة قصصية جديدة تحت الطبع.

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق