ثقافة

عبد الله هادي سُبيْت..

رقةُ الفنان وعبقريةُ الشاعر

الشاعر والملحن والفنان عبدالله هادي سُبيْت (1918ـ 2007) رائد من رواد الكلمة واللحن في اليمن. ولد في حوطة لحج وفيها تفتقتْ موهبته في بيئة تزخر بالفن والطرب والجمال الرباني الأَخاذ، حيث بساتين الحُسَيْني وعبير الفل والورد وشذى الأزهار. وانعكس كل هذا الجمال في إبداعه الزاخر شعرا ولحنا.

في سن مبكرة ابتدأ الشاعر عبدالله هادي سبيت تجربته الشعرية، حيث كان والده يصطحبه إلى مجالس الأدب التي كانتْ تُجْرى فيها مساجلات شعرية.  وكان الفتى يصغي بقلبه لكل ما يدور حوله، ولم يكن يكتفي بالإصغاء بل إن إحساسه كان يدفه إلى مجاراة الشعراء في تلك المجالس.

بدأ بكتابة الشعر الحُمَيْنِي (الشعبي)، وأجاد بعد ذلك الشعر الفصيح. عمل مدرسا في المدرسة المحسنية في لحج وعين وكيلا للمعارف اللحجية سنة 1948م . وخلال مشواره الإبداعي رفد الساحة الأدبية بمجموعة دواوين شعرية: (الدموع الضاحكة 1963، مع الفجر 1963، الصامتون 1964، الفلاح والأرض 1963، أناشيد الحياة 1964، رجوع إلى الله 1974) .

العمل الفني بواسطة لونا الوادعي

الكثير منا يعرفه شاعرا ولا يعرفه مغنيا وملحنا، بل، للأسف، إن بعض نصوصه الغنائية التي اشتهرتْ بأصوات كبار الفنانين تنسب، إلى شعراء وملحنين آخرين.

عشرات الأغاني اللحجية التي أبدعها كلماتٍ وألحانا الشاعر والفنان عبدالله هادي سبيت تجاوزت شهرتها الحدود الجغرافية لليمن لتصل إلى المتلقي العربي إما بأصوات يمنية أو عربية، فقد ترنم بأغانيه و ألحانه عدد كبير من الفنانين والمطربين، ومنهم (فضل محمد اللحجي ت. 1967، محمد صالح حمدون ت.2003، محمد مرشد ناجي ت. 2013، محمد سعد عبدالله ت.2002، فيصل علوي ت. 2010، اسكندر ثابت ت. 1996، أيوب طارش، طلال مداح ت. 2000، أحمد فتحي..). كل هذه الأسماء الغنائية الكبيرة اغترفت من الفنون اللحجية الثرية.  وكان لعبدالله هادي سبيت الفضل الكبير ـ بعد الأمير الشاعر أحمد فضل القمندان ت. 1943 ـ في إرساء دعائم الغناء اللحجي. وبفضل تلك الأصوات التي انسجمتْ كثيرا مع خصوصية هذا اللون الغنائي كالفنان فضل محمد اللحجي، ومحمد صالح حمدون، وسعودي أحمد صالح، وفيصل علوي، وأحمد يوسف الزبيدي ت. 1990.

في ألحان وقصائد الشاعر عبدالله هادي سبيت مسحة حزن وألم ومعاناة. وكل من يسمع قصائده يدرك أن هذا الإنسان كان يحمل بين جوانحه لوعة المشتاق، ومعاناة الفلاح الكادح، وروحه تنبض بالجمال والحب. وما إن تستمع لإحدى قصائده المغناة حتى تذوب شجنا وهياما.

 التقتْ في إبداعه رقة الفنان وعبقرية الشاعر ليبدع قصائد غنائية بديعية ساحرة، وألحانا رقيقة آسرة. وأنت تستمع أغنية (سألت العين) التي لحنها الفنان الشاعر عبدالله هادي سبيت ستدرك منذ الوهلة معنى الإبداع ومعنى الفن والطرب، ستدرك أن من أبدع هذا اللحن فنان ملهم ينتزع من روحه الفياضة ألحانا تغدو نشيدا خالدا في ذاكرة الوجود ووجدانه، وفي قلب كل عاشق.

أغنية سألت العين تتجدد وتولد في أعماقنا وأسماعنا كل يوم ، وتستمد حيويتها وخلودها من لحنها البديع ، وكلماتها العذبة البسيطة  لا سيما عندما نسمعها بصوت الفنان الراحل محمد صالح حمدون ، فهو أفضل من أدى هذه الأغنية.  وتناقلتها بعده أصوات كبار الفنانين سواء بتسجيلات رسمية أو جلسات خاصة.  فقد ترنم بهذه الرائعة فنانون كثر في الجزيرة والخليج ومنهم طلال مداح، وأبوبكر سالم، وأحمد فتحي، وأيوب طارش. حققت هذه الأغنية شهرة كبيرة في الساحة المحلية والعربية. وكانت هذه الرائعة الغنائية من ألحان الفنان الشاعر عبدالله هادي سبيت، ومن كلمات الشاعر الأمير محسن صالح مهدي ت. 1977.   تقول هذه القصيدة المغناة في مطلعها:

سـألت العيـن: حبيبي فيـن * أجــاب الدمـع راح منـك

حـبـيـبـــك ما ســـأل عـنـك * وخــــلّا القلــب في نارين

ومن أشهر ما لحن الفنان والشاعر عبدالله هادي سبيت ( يا باهي الجبين ، سرى الليل وانائم[i] ، لا وين أنا لا وين ، والله ما فرقته ، تذكرته مع النسمة ، القمر كم با يذكرني  ، نجيم الصباح[ii] ، ليه يا بوي ، أحبك والدموع تشهد ، با نجناه .. ). وبعض هذه الأغاني من كلماته وبعضها من كلمات آخرين.

كل غنائياته تتسم بإيقاعاتها الراقصة، ذات الخصوصية اللحجية، وكل أشعاره تنبض بالجمال والحب، بالغزل والرقة:

سألتني عن هوايا              فتناثرتُ شظايا

أفلا تدرين عني              لوعة هدتْ قوايا

أنا يا حواء قلبٌ               ذائبٌ بين الحنايا

فسلي عني دموعي          فهي مذياع أسايا

العمل الفني بواسطة لونا الوادعي

ومثلما أبدع الشاعر عبدالله هادي سبيت في كتابة الشعر الغنائي الحميني أو ما يسمى بالملحون، وتلحينه، أبدع كثيرا في كتابة القصيدة الفصيحة، وتزخر دواوينه الشعرية بالكثير من القصائد الفصيحة التي تنم عن تمكن شاعرنا من اللغة العربية الفصيحة.

ومن أشعاره الفصيحة مخمِسا رائعة شوقي (يا جارة الوادي) :

قد كدتُ أنسى الوجدَ حتى زارني        طيفٌ أعاد تلهفي فأعادني

يا ليته لما دعوتُ أجابني             ” يا جارة الوادي طربتُ وعادني

 ما يشبه الأحلام من ذكراكِ “

 وارتجَ طيفكِ بين دمعٍ قد جرى     حتى خشيتُ عليه أن يصل الثرى

فحبسته في مقلتي فتحجرا         ” مثلتُ في الذكرى هواكِ وفي الكرى

 والذكريات صدى السنين الحاكي”

وفي محراب الوطن يحضر الشعر، ويبدع الشاعر والفنان عبدالله هادي سبيت قصائد ثورية تستنهض همم الشعب وحماسه، وتدعوه إلى الخروج في وجه المستعمر البريطاني:

اسقِ هذا الورد دوما بالدماء         واروِ هذا الزهر من ذوبِ الوفاء

واغز هذا الأفق دوما بالضياء        تأتك الأيام حتما بالجلاء

وتزداد قداسة ومكانة الوطن في شعره، فهو الاجلال والكبرياء، وعنوان الكرامة والتسامي:

وما أوطاننا إلا تراث      من الاجلال والشم العنيدِ

لنا فيها المكارم والتسامي     وللأعداء غائرة اللحودِ

وفي سبيل الوطن يستعذب شاعرنا التعذيب، والمعاناة:

وجعلتُ من وطني حبيبا حبه       يملي الشقاء فيكتب التخليدا

ما إن شقيت به وذبت صبابة    إلا طلبت من الشقاء مزيدا

المتتبع لتجربة الشاعر عبدالله هادي سبيت الشعرية، سيجدها تجربة غنية ومتنوعة بين: (الشعر الغنائي، الشعر الوطني، الشعر الصوفي). قرابة ستة دواوين شعرية حصيلة ما ترك هذا الشاعر الفنان إلى جانب عشرات الألحان لأغاني خالدة تحتل مساحة واسعة في أفراحنا وأتراحنا.

[i] هذه الأغنية الشهيرة التي غناها عدد من الفنانين  هي من الشعر الساحلي بمحافظة أبين، وهي من كلمات السلطان عبدالقادر بن أحمد الفضلي، أحد سلاطين أبين، تولى السلطنة الفضلية من سنة 1924 إلى سنة 1927. وقد قيلت في مساجلة له مع الشاعر أحمد مبارك.

[ii] هذه القصيدة من كلمات الشاعر والمؤرخ الأمير  أحمد فضل العبدلي المعروف بالقمندان المتوفى سنة 1943م.

 

الصورة بإذن من الكاتب

 

 

محمد سلطان اليوسفي من مواليد 1992م . شاعر و كاتب مهتم بالأدب والفن اليمني . درس الإعلام في جامعة صنعاء وهو عضو في  اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين  وفي نادي القصة اليمني.  أسس اليوسفي مع  أصدقاء له ‘منتدى الحداثة والتنوير الثقافي‘. نشر له (صمتُ الأضواء، سلطنة عمان 2019)، و(بلاد النوافذ المحطمة، ديوان شعر مشترك مع مجموعة من الشعراء الشباب، وترجم إلى الألمانية والإنجليزية 2019). و عمل اليوسفي على إعداد وتحرير كتاب (أغنيات الشمس وأبجديات الوطن.. قراءات في إبداع  عبدالله عبدالوهاب الفضول ـ  سلطان الصريمي ـ أيوب طارش ـ عبدالباسط عبسي ). وله تحت الطبع ( أعلام في الأدب والفن). ينشر محمد سلطان مقالاته الثقافية والفكرية في عدد من الصحف.

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق