النوع الاجتماعي والمجتمع المدني

المبادرات الشبابية الطوعية في تعز: صور من المقاومة المدنية ضد الخراب

شكّل غياب الدولة ومؤسساتها الخدمية في تعز، خلال السنوات الأخيرة، فجوةً كبيرة في حياة الناس في الوقت الذي هم فيه في أمس الحاجة لدور الدولة التنموي والخدمي والأمني.   ونظراً  لحجم الألم والمعاناة اللذين خلفهما هذا الغياب، فقد ظهرت عدد من المبادرات الشبابية التي شكلت طفرة غير متوقعة لامسها قاطنو تعز، رغم الظروف الاستثنائية التي يقاسونها. و أصبحت هذه المبادرات نموذجاً لجهد تكافلي مجتمعي يعكس وعي شابات و شباب هذه المبادرات تجاه مجتمعهم ومدينتهم التي تعبث بها الحرب من كل اتجاه.

ظهرت عشرات المبادرات الشبابية المتنوعة بإمكانيات محدودة، مقدمة نفسها كبديل اضطراري للمؤسسات الحكومية. تتضمن المبادرات تنظيف و تزيين و إنارة  الشوارع، بالإضافة إلى إحياء العملية التعليمية، و إقامة العديد من فعاليات الدعم النفسي والأنشطة الترفيهية للأطفال، و برامج التوعية الصحية والوقائية والثقافية والبيئية. ولتلك المبادرات جهود في توزيع المساعدات الغذائية والإغاثية. يقوم الشباب والشابات بكل ذلك بحماس وحيوية وتنظيم تلاقي رضى المجتمع المحلي وتقديره.

الصورة بإذن من اسامة سويد

عملت المبادرات الشبابية على إظهار تعز بوجهها الحقيقي، وكسرت حصارًا مفروضًا على المدينة منذ أغسطس٢٠١٥م بفعل الحرب الدائرة بين المليشيات الحوثية القادمة من الشمال و الموالين للحكومة. تصدرت المبادرات المشهد منذ الأسابيع الأولى في إيصال الدواء والغذاء للمتضررين  وحتى أنابيب الأكسجين إلى المستشفيات. استخدم أعضاء المبادرات وسائل بدائية وتقليدية من أجل مد المدينة بما يعينها على الاستمرار في الحياة، حيث استعانوا بالجمال والحمير، ومنهم من قطع مسافات شاسعة وشاقة، متسلقًا الجبال، من أجل إنقاذ حياة جريح، أو أسرة شردتها الحرب، فباتت دون مأكل أو مأوى، فهرع لإنقاذها بما أمكن.

تحكي مها عون، ٢٥ عامًا، تجربتها التطوعية في إطار المبادرات الشبابية، باعتزاز وفخر، خلال مسيرة حافلة بالعطاء النوعي والمتنوع منذ ٩ سنوات مرت فيها تعز بكل أنواع التحديات:

” قمنا بتشجير جزر الشوارع، وتنظيف الحدائق والأرصفة العامة عبر حملات نظافة دورية، وذلك في إطار ” مبادرة دروب الأمل” قبل الحرب. و حين اندلعت المعارك، تحولت أنشطة المبادرة كمثيلاتها إلى الإغاثة و غيرها من الأولويات التي فرضها الواقع الكارثي الذي فرض على المدينة”.

احتضنت نحو مائة مبادرة شبابية ما يزيد عن ألف شاب وشابة، يتقدون حماسًا وحيوية، ركّزوا على معالجة ما تفرضه الحرب من معاناة، فأصبحوا بمثابة البديل المدني الشعبي الطوعي للمؤسسات المشلولة. ظلوا يعملون وفق حساسية لاحتياجات محيطهم؛ وهو ما كان محل إشادة وتفاعل مجتمعي كبيرين. تكتل جميعنا تعز، وتكتل المبادرات النسائية، ورابطة والمبادرات الشبابية، والتكتل الوطني للتنمية، والمجلس التنموي الخيري، كلها مبادرات مثلت فضاءات جامعة لتوحيد جهود المبادرات الشبابية في تعز. و بسبب تزايد عدد تلك المبادرات برزت المخاوف من تشتت في الأدوار التي يجب أن تقوم بها، خاصة وأن أقصى عدد لعضوية المبادرة الواحدة وصل حد العشرين، أما الأدنى فكان في حد السبعة أعضاء كمتوسط.

الصورة بإذن من اسامة سويد

شابات و شباب

تختلف طبيعة التمثيل للنساء والرجال من مبادرة إلى أخرى؛ فبعض المبادرات قوام أعضائها من الذكور بينما البعض الآخر من النساء،  وهناك مبادرات تضم عضوية مختلطة من الرجال و النساء بل  تحرص على القيام بأنشطة تطرح و تراعي القضايا الخاصة بالنوع الاجتماعي. بشكل عام تشكل المرأة٤٠% من قوام المبادرات الشبابية، في مدينة تعز، بحسب إحصائيات مدتنا بها شبكة إقليم الجند للمبادرات الشبابية. و الملفت أن العضوات و الأعضاء هم من فئة الشباب بين ١٨ إلى ٣٠ سنة. و رغم أن الصغار منهم ما زالوا حديثي التخرج من الثانوية العامة، فإنهم يرون في العمل الطوعي في صيغة المبادرات خياراً من شأنه أن يخرج مدينتهم من  الحرب المفروضة عليها من قبل المليشيات.

يرى مالك الكامل، رئيس شبكة إقليم الجند للمبادرات الشبابية، أن الحصول على التمويل، وغياب الدعم اللوجستي والتشجيع المعنوي، هي أبرز التحديات التي تواجهها المبادرات الشبابية. و يرى أن تعز بيئة مشجعة للعمل الشبابي، إلا أنها تحتاج إلى تكامل وتعاون واسع بين المبادرات والسلطة المحلية، و وفق رؤية تضع الاستدامة بعين الاعتبار بحيث يتجاوز العمل الإغاثة الآنية و يشمل جهوداً تنموية  تنعش المدينة و تحسن معيشة قاطينها.

الصورة بإذن من اسامة سويد

قصص ناجحة

إحدى القصص التي يمكن أن نرويها عن المبادرات في تعز حدثت في منطقة جبلية على ارتفاع 1400 متر عن سطح البحر، وبالتحديد في جبل طالوق. هناك تشكلت مبادرة شبابية هدفت إلى إدخال مساعدات غذائية ودوائية إلى مدينة تعز المحاصرة منذ أغسطس 2015. ومن أهم منجزاتها إدخال أنابيب الأكسجين التي عانت مستشفيات المدينة من قرب نفاذها خلال تلك الفترة.

الصورة بإذن من اسامة سويد

اتجهت المبادرة بالتحديد نحو الاحتياجات الثلاث المهمة وهي: الأمن الغذائي، والماء، والدواء. إبراهيم الجبري، مؤسس المبادرة، تحدّث بنشوة الإنجاز عن فريق كان يبحث عن تسمية له أواخر 2014، حين أطلق وسم “مطلبي” على مواقع التواصل الاجتماعي للتوعية بمخرجات الحوار الوطني. مع بدء الحرب حاول إبراهيم مع أصدقائه اطلاق دعوات السلام و الحث على تغليب مصلحة الوطن بالعودة إلى مخرجات الحوار؛ باعتبارها وثيقة حل جامع، لكن الحرب كانت قد حسمت الموقف، وسادت الفوضى البلاد. تحول فريق إبراهيم  إلى مبادرة قافلة التحدي في تعز و التي ينضوي تحتها 65 شابًا وشابة همهم خدمي و إغاثي.

عملت  المبادرة بجهود ومساندة خيرية على ترميم قسم العظام بمستشفى الثورة، وسيّرت11 طنًا من الأدوية لعدد من المستشفيات والمراكز الصحية فيما عُرف بالقوافل الطبية. وبشكل دوري حظي المرضى المُزمنون برعاية تضمنّها مشروع “نرعاك” المخصص لهذه الشريحة، و ضم المشروع كذلك الجرحى المدنيين الذين استفاد منهم أكثر من مائتي جريح من العلاج الذي يقدمه المشروع. ولم يكن ذوو الإعاقة بعيدين عن اهتمام القافلة؛ إذ وفرت لعدد منهم الرعاية الممكنة والكراسي الخاصة بهم. اتسع نشاط المبادرة ليشمل مراكز الإيواء، والأسر النازحة من مناطق الاشتباك، سواء كانت من صنعاء أو عدن أو تعز أو غيرها.

الصورة بإذن من اسامة سويد

كان للمبادرة قصب السبق في تشكيل تكتل المبادرات الشبابية “جميعنا تعز” بمعية ستين مبادرة أخرى. انخرط الجميع في جهود تطبيع الحياة، وفتح نوافذ لعالم السلام من وسط مدينة تحيط بها الحرب من كل الجهات.  وفوق عملها الإغاثي والإنساني نظمت المبادرة معارض وفعاليات ثقافية تدعو للسلام وتنبذ الحرب والخراب.

في 17 من يوليو 2017 تعرّض إبراهيم الجبري لمحاولة اغتيال وهو في طريقه لتنفيذ أحد المشاريع. شكّل هذا الحادث نقطة تحوّل سلبية لدى أعضاء المبادرة الذين أصبح الخوف يحفهم. و كون قافلة التحدي لامست احتياجات الناس، وكانت دائمًا إلى جانبهم، وهذا ما دعا المجتمع للوقوف معها، ومساندتها في أحلك الظروف، وهو الأمر الذي شجع الفريق على الاستمرار رغم الخوف والمخاطر.

اليوم تطورت المبادرة لتصبح مؤسسة غير ربحية تحمل نفس الأهداف التي بدأت بها مسيرتها الإنسانية دون أي توجه أيديولوجي أو حزبي.

تتسع رقعة الاهتمامات التي تفرضها مستجدات الحال في تعز، ومعها تتواصل مسيرة التحدّي لقافلة التحدّي، مصحوبة بروح الشباب الذي لا يكل ولا يمل، صانعًا الأمل رغم الألم، وفاتحًا للنور ثغرة على وجه الجدار، رغم الحصار و الدمار.

الصورة بإذن من الكاتب

 

محمد علي محروس: صحفي يمني، مهتم بالصحافة الإنسانية وصحافة السلام، عضو الشبكة اليمنية للصحافة الاستقصائية “يمان”

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق