ثقافة
مقال شائع

مدرسة اليمن الطبية المفقودة قبل الإسلام – الجزء الأول

حينما تتحدث كتب التراث العربي عن المدارس الطبية قبل الإسلام، نجدها تذكر بشيء من التفصيل مدرسة جنديسابور في فارس ومدرسة الشام، متجاهلة أي ذكر لتعليم طبي في اليمن، رغم أن اليمن حازت قدراً معتبراً من التحضر، لم يتوقف حتى بعد الاحتلال الساساني. فالمناخ العام في اليمن كان مهيأ لظهور علوم طبيعية، بحضارتها الضاربة في القدم، ذات اللغة والكتابة والتجارة والزراعة والمِعمار، حاضنة اليهود والمسيحيين لقرون عدة، والصِلات بالحضارة اليونانية والفارسية، غير الصِلات التجارية الأقدم بكل العالم، فمن الصعب تصوّر خلوّها من أي تراث علمي أو فلسفي أو ديني. لكن الواقع أنه لم يصلنا من اليمن أي مخطوط إطلاقاً، رغم عدد الأختام اليمنية المكتشفة، التي من البديهي استخدامها على نوعٍ ما من الورق، فأين ذهب كل هذا التراث المفترض؟! نحن نفترض في هذا التحقيق وجود علوم يمنية مفقودة، بالطريقة التي افترضها ابن خلدون (1332-1406م) حين تساءل قائلاً:

«أين علوم الفرس الّتي أمر عُمَر بمحوها عند الفتح وأين علوم الكلدانيّين والسّريانيّين وأهل بابل وما ظهر عليهم من آثارها ونتائجها وأين علوم القبط ومن قبلهم»

ونضيف إلى تساؤلات ابن خلدون: وأين علوم اليمن؟ إذ إن مستوى الطب -على سبيل المثال- في اليمن لم يكن بأقل من مستواه في الحيرة أو الإسكندرية أو دمشق، لكن القطيعة العربية مع التراث قبل الإسلامي، وحلول عربية قريش في اليمن، محل عربية حِمير، وانتقال التركيز الحضاري من جنوب الجزيرة إلى وسطها، أدى إلى طمس معالم ذلك التراث، مثلما حدث مع تراث النبط (سريان وادي الرافدين) في العراق. ولعل قرب اليمن الجغرافي من مركز ظهور الإسلام، بالإضافة إلى الحروب المبكرة بين المسلمين واليمنيين (المعروفة بحروب الردة) عوامل ساهمت أيضاً في طمس هذا التراث العلمي. وعلى الرغم من ذلك لم تخلُ المصادر التي بين أيدينا من إشارات وهمسات تلمِّح بوجود شيء من هذه العلوم، وسنحاول هنا رصد هذه الإشارات ومحاولة ربطها ببعضها، لعلنا نصل إلى صورة أوضح للحالة المعرفية للجزيرة العربية قبل الإسلام عموماً، ولليمن على وجه الخصوص. لكن قبل الحديث عن طب اليمن، لابد من الإشارة إلى قضية لافتة ومثيرة بشأن ذكر طب اليمن في المراجع الإسلامية، وهو الإسقاط لذكرها من مخطوطات الكتب التي وصلتنا.

عمل فني لعبير الحضرمي

حذف اليمن من المخطوطات

يجد المتتبع للمخطوطات الإسلامية التي تتحدث عن بدايات الطب العربي إسقاطاً مريباً لليمن من بعض هذه المخطوطات. ربما يعود ذلك إلى كون عامّة المؤرخين -وخاصة مؤرخي الطب- هم العباسيون الذين غمطوا من قبلهم حقهم، سواء من الأمويين الذين يتعمد العباسيون تشويههم سياسياً ويحرضون الناس عليهم مستغلين حقيقة قتلهم الحسين (626-680م)  وضرب الكعبة بالمنجنيق([i]) في العام 693م أو من قبيل التوجه الثقافي العام في ذلك العصر المتحرز من بعض ما يتصل بالجاهلية. هذا بالإضافة إلى النزعات الشعوبية التي كان اليمنيون طرفاً فيها، وطالهم فيها ما طالهم، من ذمٍّ وإنكارٍ للفضل الحضاري. يذكر الجاحظ (776-869م) أن إبراهيم بن مخرمة الكِندي اليمني تفاخر على خالد بن صفوان العراقي (ت. 752م) ، في مجلس الخليفة المهدي (745-785)، فقال المهدي لابن صفوان: وما لك لا تقول؟! يعني لا ترد عليه؟ قال: «وما أقول لقوم ليس فيهم إلا دابغ جِلد، وناسج بُرد، وسائس قِرد، وراكب عُرد، غرّقتهم فارة، وملكتهم امرأة، ودلّ عليهم هدهد«([ii])، ومثل هذا الهجاء كثير في تراث تلك الفترة.

  • الحالة الأولى لإسقاط اليمن من المخطوطات نجدها من خلال كتاب للمؤرخ القفطي الشيباني المتوفى في منتصف القرن السادس، حيث ينقل عن إسحاق بن حنين(830-911) بشأن بداية ظهور الطب في العالم:

«اُختُلِفَ في أول من استنبط الطب وفي أول الأطباء قال إسحاق بن حنين في تاريخه قال قوم ان أهل مصر استخرجوا الطب … وبعض يقول المستخرج لها السحرة وقيل أهل بابل وقيل أهل فارس وقيل الهند وقيل اليمن وقيل الصقالبة..»([iii])

 لكنما عندما نرجع إلى كتاب إسحاق بن حنين، المتوفى قبل القفطي بأكثر من قرنين، فإننا نجد العبارة من دون اليمن! فهل أسقط النُسّاخ اليمن سهواً، أم سقطت

عمل فني لعبير الحضرمي

بفعل فاعل؟ ولماذا؟ وهذه ليست الحالة الوحيدة لطمس اليمن من سرد تاريخي علمي، حسب ما رصدت على الأقل.

  • الحالة الثانية للطمس متعلقة بكتاب (طبقات الأطباء) لابن جلجل الذي كتبه في عام 377 للهجرة، وذكر فيه أن طبيب العرب ابن كلدة الثقفي (ت. 635) تعلم الطب في اليمن:

»كان قد تعلم الطب بناحية فارس واليمن، وتمرّن هنالك، وعرف الدواء، وكان يضرب بالعود، وتعلم ذلك أيضاً بفارس واليمن«([iv])

 وقد نقل ابن أبي أصيبعة هذه الفقرة إلى كتابه (عيون الأنباء) الذي كتبه حوالي عام 640 للهجرة، وهو ينقل فيه كثيراً عن كتاب ابن جلجل المذكور آنفاً، لكن العجيب أننا لا نجد “اليمن” في العبارة المنقولة، فهي ساقطة في الشق الأول من العبارة المتعلق بالطب، فأصبحت العبارة كالتالي: »وتعلّم الطب بناحية فارس وتمرن هناك وعرف الداء والدواء وكان يضرب بالعود تعلم ذلك أيضا بفارس واليمن«([v]) وقد لاحظ محقق كتاب ابن جلجل هذا الإسقاط لليمن من العبارة المنقولة إلى كتاب أبن أبي أصيبعة ونبّه إليه في الهامش.

وكتاب ابن أبي أصيبعة هذا له ثماني مخطوطات حول العالم، اثنتين منها ليس فيهما ذكر لليمن من كل العبارة أصلاً* فنجدها في مخطوطة لايبزج بألمانيا كالتالي: »تعلم الطب بناحية فارس وتمرن هناك – وبقى أيام رسول الله …«

وتحدث محقق الكتاب عن العبث المقصود الذي قام به النسّاخ في هذا الكتاب، فقد ضُرِب على اسم الناسخ بالحبر الأسود لإخفائه تماماً، وكلمة (بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين) كُتبت بخط كبير مخالف لباقي النسخة، وبالتدقيق تم ملاحظة كتابة أخرى تحت البسملة، وهي (باسم الإله والابن والروح القدس إله واحد آمين). ومن ذلك تبينّا أن الناسخ كان من النصارى، كما حذف الناسخ شهادة أن محمداً عبده ورسوله وكتب بدلاً منها (وأشهد أن موسى عبده ورسوله) كما حذف الناسخ ذِكر المؤلف لباقي الصلاة على النبي وعلى آله وأصحابه وأزواجه. ([vi])

الأطباء العِباديون

العِباديون أو العِباد هم جماعة سكنوا رقعة الحيرة (جنوب وسط العراق) فابتنوا بها، فهم حضر مستقرون، وكانوا مسيحيين. هناك أقوال في أصل كلمة “العِباد” والقول الذي يرجّحه الأب جورج قنَواتي (1905-1994) أنه قيل لهم العباد لأنهم كانوا يعبدون الله، وقد شملت التسمية قبائل مختلفة جمعت بينها وحدة الدين والسكن، بحيث صار مدلول الكلمة يقتصر على نصارى الحيرة دون غيرهم من نصارى العرب. ([vii])

كان العباديون أكثر أهل الحيرّة ثقافة، حذقوا الصناعات والعلوم واللغات وخاصة العربية والفارسية، وكانوا يتقنون في الغالب لغة بني إرم بحكم تنصرهم واعتبار النصارى لها لغة مقدسة؛ لأنها لغة الدين، لذلك كان لهم وجه ومقام في الحيرة، ولهذا السبب اختار الفرس تراجِمَتَهم ومن كان يتولى المراسلة بينهم وبين العرب من هؤلاء. لقد كان معظم نصارى الحيرة على مذهب النساطرة، وهو مذهب شجّعه الفرس في بلادهم نكايةً بالروم. ومدرسة جنديسابور من فارس، كانت مدرسة طبية أسسها سابور الأول (215-270م) الساساني ليوطّن بها الأسرى من معركته مع الامبراطور البيزنطي (فاليران) سنة 285م. وكان بين الأسرى أطباء نساطرة هاربين من اضطهاد الكنيسة البيزنطية فسمح لهم بالممارسة فيها، كما أسس لهم سابور الثاني (309-379) مشفىً يضم مشاهيرهم، وألحق به في عهد كسرى انوشروان (501-579م) مدرسة للطب([viii]) كان التدريس فيها على الأسلوب اليوناني حسب كلام القفطي* فانتقلت إليهم الأفكار الفلسفية اليونانية بلا شك تأثروا بها ونقلوها معهم إلى العرب. فقد كان الطب أحد فروع الفلسفة ودراسته تعني دراسة الفلسفة. وكانت الحيرة من المراكز المهمة في حركة التبشير بالنصرانية بين العرب. ومن الحيرة ذهب قسم من المبشرين إلى اليمن والأجزاء الأخرى من جزيرة العرب لنشر النسطورية والمذاهب النصرانية الأخرى.

كان أحد ملوك الحيرة هو “امرؤ القيس” (ت.328م) الذي يصفه نقش النمارة* حاكماً على “كل العرب”، ويخص هذا النقش من القبائل أسد ونزار ومذحج ونجران ومعد([ix])

ونلاحظ أن بعض أطباء الجاهلية الذين وصلتنا أسماؤهم، ينتمون إلى هذه القبائل، فالحارث بن كعب من مذحج، والشمردل من نجران، وزُهير من قضاعة التي تُنسب أحياناً إلى معد، وضماد وسطيح أزديان، والعباديون قبيلة أزدية.([x]) وهذه القبائل بالذات هي التي تنصرت، فمن أول قبائل العرب اعتناقاً للنصرانية مذحج وبعض قضاعة وبعض بني تميم([xi])

العمل الفني بواسطة عبير الحضرمي

يذكر ابن حبيب البغدادي (ت.859م) في شرحه لديوان جرير، رجلان من قبيلة تَغلُب من “بني الطبيب” (ولا وجود لجماعة بهذا الاسم، وربما يقصد بني الضُّبَيْب) يقال لهما “الآسيان” وأحدهم اسمه الأحمر.([xii]) والآسي عند العرب يعني الطبيب، وأهل تغلب كانوا نصارى. تذكر المصادر وجود “أطباء” مسيحيين من الأعاجم في جزيرة العرب جاءوا للتبشير واستخدموا معارفهم الطبية في ذلك، وقد شفوا جماعة من سادات القبائل، وأثّر شفاؤهم عليهم فاعتنقوا النصرانية.([xiii]) كما تذكر مصادر مسيحية أن أول دخول للدين المسيحي إلى اليمن، كان في القرن الرابع، على يد المبشّر ثيوفيلوس الهندي  Theophilus Indus([xiv]) (ت. 364)وقد كان مشهوراً بقدرته على العلاج حيث تم استدعاؤه لعلاج زوجة قنسطانطيوس الثاني الامبراطورة “يوسيبيا”.

وربما كان من هؤلاء المبشرين الذين استغلوا معرفتهم الطبية “الغلام المؤمن”([xv]) الذي ارتبط ذكره في تفاسير القرآن بسورة البروج، السورة التي تحكي محرقة المؤمنين النصارى في نجران قبل الإسلام. فيذكر ابن هشام أن هذا الغلام النصراني كان يرغّب الناس إلى دينه في مقابل منحهم الشفاء، فاستجاب له الناس» حتى لم يبقى في نجران أحد به ضُر«([xvi])، مما أغضب الملك اليهودي منه، إلى آخر القصة. وإن صح هذا الافتراض، تكون في قصة الغلام إشارة إلى هجر الطب في اليمن، إلى درجة سمحت له بإبهار الناس وتغيير دينهم بمجرد شفائهم. ونفهم من هذه الرواية -إن صحت تفاصيلها وصدق استنباطنا-أن إنعاش المعرفة الطبية في اليمن مرة أخرى كان سببه النصارى الوافدين بما جاءوا به من معرفة طبية. لكن أين ذهب هذا الطب؟ وأين كُتبه؟ أين المعارف الفلسفية المرتبطة به؟ لم يصلنا شيءٌ ذا قيمة، ومع ذلك استطاع الباحثون المعاصرون في كتب التراث الإسلامي استخلاص بعض هذه المعارف من الأشعار والقصص المتناثرة هنا وهناك.

 

 

.محمد عطبوش، باحث يمني شاب، مهتم بالفكر الإسلامي

 

 

 

 


([i]) خالد الحديدي، لابد من صنعاء، ص47

([ii]) الجاحظ، الحيوان، 6/ 393

([iii]) عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ص12

([iv]) ابن جلجل، طبقات الأطباء، ص54

([v]) ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ص161

* ذكر المحقق أنها ساقطة في مخطوطتَي دار الكتب (182) و (1341) من صل 8 مخطوطات لهذا الكتاب حول العالم.

([vi]) ملاحظات المحقق الدكتور عامر النجار على كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء”، (دار المعارف، الجزء الأول، ط1، 1996) ص105

([vii])الأب جورج قنوتي، المسيحية والحضارة العربية، ص57

([viii]) التعليم الطبي في الإسلام، د. عبداللطيف البدري، (مجلة المجمع العلمي العراقي، العدد1، 1 فبراير 2001) ص65

* يقول القفطي عن هذه المدرسة أنهم: يفضلون علاجهم وطريقتهم على اليونانيين والهند (إخبار العلماء، ص106)

* يُعرف بنقش امرؤ القيس هو ما يُعتقد أنه مرحلة سابقة للعربية الفصحى، ويرجع تأريخه إلى عام 328م وكان قد كتب بالخط النَّبطي المتأخر. عثرت عليه البعثة الفرنسية في مطلع القرن العشرين في قرية النمارة شرقي جبل العرب بسورية.

([ix]) جواد علي، المفصل، 5/ 171، 172

([x]) إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان، ص31

([xi] )جواد علي، المفصل، 12/ 166

([xii]) ديوان جرير بشرح محمد بن حبيب، (القاهرة: دار المعارف، ط3) 1/ 154 ؛ لويس شيخو، النصرانية وآدابها، ص 225

([xiii]) جواد علي، المفصل، 12/185 ؛ 16/46 ؛ 5/171

([xiv]) جواد علي، المفصل، 4/ 178، 219؛ 12/ 188

([xv]) تزعم مصادر سريانية نسطورية أن تاجرا من أهل نجران اسمه “حنان” أو “حيان”، قام في أيام “يزدجرد الأول “399-420 للميلاد” بسفرة تجارية إلى القسطنطينية، ثم ذهب منها إلى الحيرة، وفيها اعتنق النصرانية. فلما عاد نجران، بشر فيها بالنصرانية حتى تمكن من نشرها بين حمير. (جواد علي، المفصل، 12/190)

([xvi]) سيرة ابن هشام، 1/ 35

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق