ثقافة
مقال شائع

إفصاح أو حياة عارية على العالم الأزرق

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

   يمثل قول الانسان وتعبيراته ركيزة أساسية لاهتمام مجالات معرفية عديدة في العلوم الإنسانية. وتشدًد العلوم الإنسانية اهتمامها بدراسة أوقات الفراغ والمشاعر والتعبيرات والسلوكيات المصاحبة لهذه الأوقات والتي قد لا يتعمد الأفراد تدوينها. لكن الفيسبوك يوفر مدونة مفتوحة. مدونة لحالة عطالة تحظى برصد وتوثيق على شكل يوميات دقيقة ومحور الرصد هو ذات الفرد أولاً وليس ملاحظته على الغير.

لا حاجة لنا إلى التأكيد على أهمية شبكات التواصل الاجتماعية في حياة الأفراد في اليمن. وسبق لنا أن كتبنا أن حياة اليمنيين صارت مصبوبة في هذه الشبكات خصوصاً الفيسبوك[1] لأسباب عديدة منها فنية متعلقة بسرعة النت أو طبيعته التفاعلية أو الظرفية السياسية والاجتماعية التي رافقت استخدام الفيسبوك منذ 2011 على الأقل. وتقدم لنا سوزان غرينفيلد في كتابها “تغيير العقل[2]” بيانا شاملاً عن التغيرات التي تطرأ على الدماغ وعلى كيمياء الجسد عند استخدام الشبكات الاجتماعية ومنها الفيسبوك على التحديد.

وبما أن الفيسبوك يسمح بكتابة نصوص أطول من غيره من الشبكات وهي نصوص يمكن جداً أن تكون متاحة للعامة، فإننا سنركز على النص الفيسبوكي.

سنعمل على ملامسة هذا النص من حيث أسلوبيته. وهي ملامسة سريعة بقدر ما تتيح هذه الورقة ولغرض إثارة هذه النقطة بما يخدم الهدف الأخير لها وهو البحث في التعبير الحر للفرد الذي أتاحه الفيسبوك وتبعات ذلك التعبير على الحياة الاجتماعية. وبما أن الفرد هو محور الفحص هنا فإن الكتابة التي تعنينا هي الكتابة الذاتية وليست تلك المتعلقة بالشأن العام أو التي لها طابع رسالي أو نضالي إزاء قضايا سياسية أو حقوقية.

نعتمد في كتابتنا هنا على مجموعة حسابات فيسبوكية حظيت منا بمتابعة لفترة طويلة وهي ملفتة للانتباه من حيث أنها تقدم أشخاصاً جدداً على المشهد وتتميز بكمية كبيرة من الشفافية وتمتلك الكلمة أكثر من الصورة للتعبير. لذا كانت وراء فضول هذه المساهمة.

العمل الفني لمها العمري

طبيعة النص الفيسبوكي

تهتم الدراسات الأدبية بالنص المكتوب على شبكات التواصل الاجتماعي من حيث بنيته وطرائقه التعبيرية ومواضيعه وتفاعله مع محيطه. وبطبيعة الشبكات الاجتماعية، فثمة تدفق لمواضيع كثيرة ذات صبغة إخبارية وتعليقات لحظية تقرّب المسافة بين المصدِر للنص والمتلقي له. وعليه فأن الكتابة على الفيسبوك هي الأخرى لحظية ومستعجلة وتفاعلية مع أحداث يومية متعددة ومتسارعة[3].

فتح الفيسبوك للجميع أفقاً للكتابة ومنصة متجاوزة لقيود النشر واحتكار المساحات الورقية. لذا نحن أمام مجتمع كاتب. حيث بوسع كل فرد أن ينشئ صفحة ويملك جمهوراً متابعاً يجزل عليه التعليقات والردود المادحة والمشجّعة دون الوقوف على حرج النقد الموضوعي. نتيجة لذلك، ازدهرت كتابة الخاطرة.

ونحن حين نقول الكتابة الفسيبوكية نقصد تلك الكتابة التي تنقل لنا تجربة، مشاعر، أحاسيس، استبطان وتصورات ورؤى نفسية. وتندرج نسبياً ضمن معايير العمل الأدبي القائم على آليات الكتابة الأدبية ووظيفتها؛ السرد والوصف والتناسق الجمالي.

كما أن الكتابة الفيسبوكية التي تصلنا هي بالمجمل كتابة وصفية إخبارية، تحكي وتنقل وتقترب إلى التقريرية أكثر من اشتمالها على المجازات والتعابير والصيغ البلاغية التي تنتمي إلى ترف اللغة وخصب الخيال. بمعنى أنها إنشاء سلس لا يحتكم بالضرورة الى أدبية رفيعة لكنها يومية وواقعية ومحلية على وجه التحديد. في نهاية المطاف، أغدقت النصوص الفيسبوكية على المتلقي سيلاً من التقارير والحوارات وأفلتت من تعقيدات اللغة وقربت المسافة بين المحكي والمكتوب أسلوبياً.

  ومن الملحوظ أيضا أن النص هذا هو على صنفين: صنف مفرط في العامية منفلت من أحكام وقواعد الكتابة ونحوها. وصنف ممتثل لقواعد النحو ولكنه متحذلق يكشفه نزوعه إلى تغريب الجملة العربية في بنائها وأسلوبها، مع محدودية الأفعال وتكرارها وغياب كبير للمثنى. مع غزارة في استخدام الإيموجي للتعبير عن الحالة الشعورية المصاحبة للحظة الكتابة تكميلاً لنقص الإيحاء الجسدي في المحادثة المباشرة. وهذا يعني تكثيف التفاعلية بين الكاتب ومتلقيه بصورة قصدية اعتمادا على الرموز/الايموجي. وهي حالة ثرية في التحليل للتفاعل السابق للتلقي والنابع من تخيل الكاتب الصرّف للمتلقي.

 لذا تنشأ نصوص خارج التأمل، فيها بوح أكثر من التساؤل الفلسفي وفيها حنين وتذمر وشكوى. نصوص تعطي انطباعاً بأنها ترجمة حرفية من لغات أخرى غير العربية.

الإفصاح الذاتي بين ثنائية الخيانة والتعبير الحر

وجد الفيسبوك ليحث الفرد على التعبير. فأول سؤال أتوماتيكي يضعه عليك الفيسبوك هو “بماذا تفكر؟” ويأتي السؤال بحبر باهت (“عبّر عن نفسك” بالفرنسية). في كل الأحوال يضع الفيسبوك الفرد/ذاته/أناه في المقدمة وهذا يحث على التعبير بصيغه الأنا. وعند الكتابة يتضخم الحرف ويصير بلون أوضح وأكثر إغراءً في تجسّده كإجابة على سؤال عام. هذه دعوة للإفصاح الذاتي الذي يخلق شعوراً بالمشاركة والهوية ويوفر إحساساً بالرضا والمتعة توازي تلك المتأتية من الطعام والجنس والرقص[4].

قدر الكتابة التأملية أن تأتي من القراءة. لكننا بصدد كتابة تقريرية. يكفي للفرد أن يعيش لحظة ما وينقلها بحرفيتها. ولهذا فإن الكثير من النصوص المنقولة على الفيس بوك هي تفاصيل يومية. يهمين عليها الحدث العائلي، موقع الفرد المتكلم من عائلته، ومن أصدقائه، وتجاربه اليومية مع الأكل والشرب والملابس والأغاني والأعراس والحياة والموت…

ها نحن أمام نشرات يومية ظريفة نسبياً لوقائع مجالس القات، جلسات “الحشوش” وعذابات طرب الأعراس، محادثات الحافلات المتوسطة وسرديات “الدبّابّات[5]“، هامش اللغة في الفصل الجامعي…

في الغالب كانت وقائع حبيسة أطر محدودة ضمن مجموعة إنتاجها، قد تكون العائلة، أو زملاء العمل أو الدراسة، أو “الشلة” بكل ما تحمله هذه الكلمة من حميمية وحصرية وانغلاق. لكن هذه الوقائع ظهرت الآن على العامة وغدت نصاً أُنتج ليصبح متداولاً بحمولاته الظريفة أو الفضائحية، السخرية المتبادلة أو التي تسير باتجاه واحد فقط ضد أحد أركان المجموعة.

ترد ملحوظة للكاتب هاني الصلوي في كتابه “الحداثة اللامتناهية الشبكية[6]” حول الحرية واللامحدودية الشبكية في الانترنت بالنسبة للكاتب. عندما يجلس الفرد إلى حاسوبه أو يمسك بتلفونه ليكتب يشعر أنه متخفف “من المسؤولية العرفية”. وهذا يعزز الكتابة الحرة غير المقيدة بضوابط اجتماعية من ناحية والمنفلتة من مقص الرقيب في حال النشر ورقياً. وتغدو الكتابة المسترسلة في تفاصيل الحياة اليومية شكلاً من التداعيّ الحر والتمرد لكنها أيضاً تقاس بخيانتها لعرف المجموعة وكسرها لقداسة مكان إنتاج الوقائع حيث كان يفترض أن يسود قانون: “ما يحدث هنا يبقى هنا” أو “المجالس أمانات”.

في المجتمع اليمني، للبيت حرمته المطلقة، وتظل أحداث البيت سراً من الأسرار التي ينبغي أن تغلّف بإجراءات حماية شديدة قد يخترقها طفل ساذج وبريء يوزع حكايات البيت على الجيران وقوداً للنميمة. ومن الظريف أن “البيت” كتعبير يمني لا يقتصر على المكان لكن يعني الزوجة أو العائلة بقسمها النسائي. وهذا يعظّم من حساسية “البيت” وأسراره في مجتمع يرى الأم أو الزوجة منفذاً للهشاشة.

العمل الفني لمها العمري

تدمير العلاقات العائلية والصداقات

لكن الفيسبوك بصدد كسر هذه المعادلة. فتغدو حسابات بعض أفراد الأسرة ذلك الطفل الذي يحرج العائلة بذكر اسم الأم أو عيوب التربية كالصرامة التي في غير محلها أو الأم القاسية -وفي هذا تنافٍ مع السردية العتيقة حول الحنان الفطري في الأم – أو التي لا تجيد الطبخ.

أفصح بعض من لديهم حسابات عن مضايقات تلقوها لأنهم فتحوا دفتر يوميات العائلة على العامة وصار اسم الأم “مكشوفاً” رغم أنها صارت جدة مثلاً. وهناك خصومات نشأت لأن أحدهم قرر أن ينشر صورة إحدى أفراد العائلة فيما اعترض إخوته أو أقاربه لأنه كسر الناموس العتيق.

لكن الوضع الأكثر حرجاً هو نشر الاعتلالات الزوجية على حسابات الفيسبوك. الحساب على الفيسبوك هو نافذة للصراخ في حال الغضب أو الألم. ينقل الناس أخبار زيجات وقعت نتيجة تعارف على الفيسبوك. لكن قليلة هي الأخبار التي تروي حالات طلاق نتيجة لهذه الشبكة. وهي واردة على كل حال وهناك بلدان لديها إحصائية أوضح سواءً كانت عربية أم غير عربية.

لا يقتصر الأمر على العائلة فقط؛ ثمة امتداد لتبعات هذه المكاشفة على الصداقات التي تمزقت لا بفعل مواقف ايديولوجية في بلد متوتر سلفاً لكنها نتيجة لمواقف بسيطة أساسها كشف “المستور” على الملأ.

أنا كما لا تعلمون

كثيرة هي الآراء التي تذهب إلى القول إن وسائل التواصل الاجتماعي تعزز نزوعاً نرجسياً لدى المستخدمين. فهي تعظم من فردانية المستخدم وتجعله محور اهتمام افتراضي يطالبه بالجديد. إحساس افتراضي بالنجومية يدفع الفرد الى تقديم تفاصيل حياته على هذا العالم الأزرق بكل تناقضاتها وعيوبها. فيمتدح الكسل والفشل وخذلان الأصدقاء. نحن أمام مرحلة إعادة تشكيل للمنظومة القيمية. يقدم الناس أنفسهم على نحو جريء قاصدين الإدهاش وكأنهم يقولون للأخرين “أنا كما لا تعلمون”.

تكاد لا توجد لديهم خطوط حمراء. فهم يعرضون على العامة وقائع البيت العاري. ويشركون الجميع في رغباتهم وامتعاضاهم وخياراتهم. يتفاعلون تحت وطأة استفتاء حياتي يحاكي ميكانزيم اعلامي تحت مسمى تلفزيون الواقع.

تطورت شفرات تعبير جديدة ركيزتها التهكم وتتكثف في وسوم (هاشتاغ) تتذيل المنشورات في العادة وقد تكون استحضار لأقوال ومأثورات شعبية بلهجات عديدة. كما نمت صيغ متعددة للشتائم غير الموجهة.

موقع المرأة من الكتابة الفيسبوكية

ينبغي علينا أن نفرد مساحة لموقع المرأة من هذا الجديد على الفيسبوك. إجمالاً، حضور المرأة اليمنية محدود على صفحات الفيسبوك قياساً بأسماء الرجال في الحسابات. لكن بعض النساء ناضلن من أجل تعزيز حضورهن الافتراضي بأسماء حقيقية وأحياناً وصور حقيقية. والبعض منهن أخذن وقتاً حتى يكشفن عن هويتهن بعد أن تأسست لهن جماهيرية عقلانية تحظى بالاحترام والملاطفة. تنضح حساباتهن بحنين طفولي ومبسط. البعض منهن انتقل للعيش في الخارج وصار ملفت حنينهن لجلسات القات أو للأطعمة اليمنية. وهذه الأخيرة مفارقة لطيفة أن تكون من يفترض بها الحافظ لوصفة الطبخ المحلي هي المشتهية له.

لكن حسابات النساء الفيسبوكية لا تخلو من صراع اجتماعي حول الدور الذي تسعي إليه المرأة في المجتمع وبقدر انفتاحهن إلا انهن قادرات على اتخاذ مواقف دفاعية شرسة لا تخلو من عنف لفظي كرد على إساءات معيبة يتعرضن لها.

بالمجمل، الحسابات التي بأسماء فتيات يمنيات فيها طرافة أصيلة وأقل استثقالاً “غلاسة” ورسمية. لكن الإفصاح عن تفاصيل الحياة الذاتية محدود وقد يقتصر على تفاصيل الماضي التي لا تحاسب عليها. كما دخل القات كثيمة جديدة في التعبير لديهن. والمجاهرة به هي أيضا نوع من التحدي الاجتماعي أو محاولة استحواذ على الحرم الذكوري. الشرائح العمرية والوضع الاجتماعي لمثل هكذا حسابات جدير بدراسة أكثر تأنياً.

كما تأسست مجموعات خاصة بالاعترافات فيها سردية مفعمة بالمفارقات لمواقف ماضوية حميمية في كثير من الأحيان.

خلاصة

ينغمس المفسبكون اليمنيون في الجرأة تحت ثمالة القول وصولاً إلى حدود الانكشاف وهو سلوك بوهيمي تعززه الظروف المعيشية الحالية في اليمن وانسداد آفاق الفلاح الاقتصادي والسياسي وتحقيق المكانة في بلاد يطحنها الاحتراب والتضييق على المجال العام وإغلاق منافذ الأمل ماديا ومعنوياً. فتغدو السخرية هي الملاذ الأخير.

جعل الفيسبوك من كل مستخدم كاتباً كامناً وألغى حدود التلقي والإرسال. وهذا قد يعود بالنفع على الناس لأن الكتابة ستدفعهم إلى تحسين تعبيراتهم والاجتهاد فيها. لكنه عزز من مدونة المحكي على حساب اللغة الرفيعة وعلى حساب الصيغ الكتابية كما انه ينضح بنصوص ليس من اليسير تأطيرها في جنس معين.

 

 

 

مصطفى ناجي باحث ودبلوماسي يمني سابق مقيم في فرنسا

 

 

 


[1] فسبكة الحياة ورقمنة الموت في اليمن، سبتمبر 2019- مجلة المدنية https://almadaniyamag.com/ar/2019/09/26/life-on-facebook-yemen/

[2] سوزان غرينفيلد، “تغيير العقل، كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على ادمغتنا”، ترجمة إيهاب عبد الرحيم علي، سلسلة عالم المعرفة، العدد 445، المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، الكويت، فبراير 2017.

[3]  انظر في “وسائل التواصل ترسم خريطة جديدة للكتابة الأدبية، تحقيق لـ مؤمن أحمد، صحيفة البيان، 18 ديسمبر 2018.

[4]  سوزان غرينفيلد، “مرجع سابق، ص، 130.

[5]  حافلة صغيرة الحجم تسمى في اليمن دبّاب (ج دبابات) اشتقاقا من الفعل دبّ يدبَ.

[6]  هاني جازم الصلوي، “الحداثة اللامتناهية الشبكية”، مؤسسة أروقة، القاهرة، ط 1، 2015.

 

*جميع الحقوق محفوظة لمجلة المدنية*

اظهر المزيد
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق