النوع الاجتماعي والمجتمع المدني

خيارات لا تحتمل.. النساء بين عنف الأزواج وتبعات الطلاق

 يظل الطلاق إحدى أوراق ضغط المجتمعات الذكورية على النساء. ففي حال عدم رغبة النساء في الاستمرار بحياة زوجية تتسبب لهن بالمعاناة لسبب أو لآخر،  تهدد العواقب المجتمعية للطلاق فرصهن في حياة كريمة حين يفكرن بالإقدام على هكذا خطوة التي من المفترض أن تكون حقا يكفله لهن القانون دون أثمان باهظة تخيرهن بين الصحة النفسية والجسدية والاندماج مع مجتمع يجردهن من حقوقهن الأساسية . وعليه حتى وإن كن يعانين  في حياتهن الزوجية، تبقى العديد من  النساء أسيرات السكوت والصبر على أذى زوج الحياة وعُنفه تفادياً لتبعات لقب “المطلقة” في المجتمع اليمني. وتتعرض الكثير من النساء للعنف اللفظي و النفسي  والجسدي من قبل أزواجهن ولكن لا خيار لهن سواء البقاء في زواج عنيف لخوفهن مما سيترتب  على ذلك من المعاناة و من ضيق الخيارات بعد الطلاق .

هذا الخوف يشمل خشية النساء من فقدان حقوق حضانة الأطفال و النفقات الأساسية خاصة في ظل القوانين المجحفة بحق المرأة التي لا تنصفها في حال رغبتها في الحصول الطلاق. إضافة إلى ذلك تخشى النساء من العبء النفسي و الاجتماعي إزاء الوصمة التي يلحقها المجتمع بالنساء المطلقات و الخوف من الوحدة لتقلص فرص الارتباط في زيجة ثانية تضمن لهن الحياة بكرامة و هذا يرجع للنظرة الدونية للمطلقات.  كما تتردد كثير من النساء  في المطالبة بالطلاق والبقاء في زيجات هدامة بسبب عدم وجود مكان يلجأن إليه نتيجة عدم استقلالهن و تمكنهن الاقتصادي.

العمل الفني لآيات العوامي

تخشى زينب،  الأربعينية، من الطلاق رغم معاملة زوجها القاسية لها وتقصيره معها منذ بداية  زواجهما قبل عشرين عاماً. ولم تثمر هذه السنوات في تعديل سلوكه تجاهها. تقول زينب: ” تزوجت في سن مبكرة  وعشت مع والدة زوجي حياة عادية خالية من الاستقرار الأسري والزوجي وبعد أن توفت تحملت مسؤولية المنزل وصبرت على حالة زوجي المادية. لكن زوجي سيئ الخلق معي. فهو دائماُ عصبي ويجرحني بألفاظه البذيئة. رغم ذلك، تحملت كل ما يفعله لأني ليس لي مكان ألجأ اليه إذا فكرت في الطلاق منه؛ فأسرتي تعيش في قرية بعيدة عن المدينة ووضعها المادي متدن جداً. من هنا، حاولت أن أتعايش مع هذه الحياة التي لا تطاق لأجل أن أحافظ على أولادي وبيتي حيث لا خيار لي  غير ذلك .”وتضيف بنبرة حزن : “لو كان لي منزل خاص بي فلن أتراجع أبداً في اتخاذ قرار الانفصال من زوجي؛ فأولادي وبناتي لم يعودوا أطفالا لأخاف عليهم و سأعيش بقية حياتي بهدوء، ولكن لا حيلة لي إلا إكمال مسيرتي  في الصبر حتى يحكم الله في أمرنا .”

ليست زينب وحدها من تعاني من تعنيف زوجها.  فـصفاء، و هو اسم مستعار كاسم زينب و باقي النساء التي حاورناهن، هي امرأة في أواخر العشرينات ، تعاني هي الأخرى من أشكال العنف المختلفة بما فيها العنف الجسدي والضرب المبرح. بصوت متحشرج ممزوج بالقهر تقول صفاء : ” لم يتعرض أحد للذل مثلي ” . صفاء تتعرض للضرب  والشتم من قبل زوجها أمام إبنتها الوحيدة البالغة من العمر٧ سنوات  وتخاف أن ينعكس  ذلك على نفسية ابنتها التي بدأت تلحظ عليها تصرفات غير طبيعية مثل الانطواء والصراخ والعصبية .

وعن سبب بقائها في هذه الزيجة، تقول : “تزوجت قبل 8  سنوات حتى أهرب من جحيم اسرتي فأنا الفتاة الوحيدة بين 4 ذكور ، توفت والدتي وتحملت مسؤولية المنزل ثم تزوج والدي واشتدت معاناتي وحرماني من أبسط الحقوق، فوافقت على الزواج بسرعة، ولكن تحولت حياتي الى جحيم أكبر بسبب معاملة زوجي وعنفه”، وتضيف : “عندما أفكر بالعودة إلى منزل أبي أتذكر بأن حياتي ستصبح أسوأ مما أنا عليه الان؛ لذلك أنا أتحمل العنف والضرب ولا أفكر بالطلاق لأن كلمة ” مطلقة ” ترعبني حقاً، خاصة أني تركت التعليم ولا أستطيع أن أعيل نفسي وابنتي الوحيدة لذلك أفضّل البقاء في منزل الزوجية رغم مرارته.”

أما سمر التي عانت من تجربة طلاقها من زوجها الأول فهي ترفض الآن فكرة الطلاق رغم معاناتها من عنف زوجها الثاني  تقول سمر : “تزوجت وأنا في سن صغيرة جداً كان عمري حينها 15 عام كان زواجي  رغماً عني فوالدي يعتقد أن الفتاة بعد هذا السن تعتبر ” بايرة ” عانس، ولهذا كان أبي  يزوجنا أنا وأخواتي في سن مبكرة جداً و يجبرنا على ترك التعليم .” تضيف سمر بنبرة حزن :  “عشت مع زوجي الأول 4 سنوات تحملت فيها مسؤولية زواج وبيت قبل الأوان، لم أستطع أن  اتأقلم مع ذلك الوضع إطلاقاً لأني كنت أحلم بإكمال تعليمي وزادت حدة المشاكل بيننا ووصل الأمر إلى الطلاق، بعدها عشت ثلاث سنوات أحمل لقب مطلقة ما تسبب لي في معاناة كبيرة فنظرة المجتمع للمرأة المطلقة  ظالمة  وتعتبر في نظر الآخرين وحتى الأهل أنها إنسانة فاشلة، والبعض ينظر إليها على أنها فريسة سهلة خصوصاً إذا خرجت للدراسة أو العمل وهذا ما حدث معي ، ورغم ذلك أكملت تعليمي وحصلت على دبلوم بعد الثانوية بصعوبة، ثم تزوجت بأستاذ جامعي و قبلت بأن أكون زوجة ثانية، فقد ظننت أنني سأعيش حياة يملؤها الاستقرار وسيعوضني الله عما عانيته في زواجي السابق ، لكني تفاجأت بواقع محزن زاد من معاناتي .  فزوجي الذي اعتقدت أنه سيكون متفهم ويقدس الحياة الزوجية اتضح لي أنه  شديد العصبية  وشكاك لدرجة أن أغلب الـأحيان بعد خروجه يغلق الباب ولا يسمح لي بالخروج إلا برفقة والدته أو أخته.” تختم سمر قصتها بمرارة وقهر : “أفكر بالطلاق لأعيش حريتي دون قيد ولكن عندما أتذكر ما مررت به في فترة طلاقي من زوجي الأول ونظرة المجتمع والأهل ومعايرتهم  أنهي من راسي فكرة الطلاق؛ فالمجتمع يقتل ويشارك في ظلم المرأة حتى تصبح هي نفسها تنظر للمرأة المطلقة  نظرة  دونية  “.

العمل الفني لآيات العوامي

تفرض كثير من الأسر اليمنية على بناتهن البقاء لدى أزواجهن رغم قسوة معاملتهم  وخصوصاً في المناطق الريفية أو القبلية، حيث يعتبر طلاق المرأة عند تلك الأسر عيباً ووصمة عار في حق الأسرة. أمنية، المقيمة في إحدى القرى الريفية، أجبرها والدها وجميع أفراد أسرتها على العودة لزوجها بعد أن لجأت لمنزل والدها طالبة الطلاق بسبب سوء معاملة زوجها. أمنية كانت قد تزوجت بقناعة تامة  دون إجبار إلا أن معاملة زوجها لها تغيرت تماماً بعد ستة أشهر من الزواج وأصبح يعاملها بقسوة جعلتها تنفر منه خاصة في العلاقة الحميمة. تقول أمنية: “كان يرغمني أن أنام معه عدة مرات وعندما كنت أرفض كان يعنفني ويغتصبني ، ولم أستطع إخبار أحد عن كل ما يحصل معي ولكن بعد أن زادت معاناتي أخبرت والدتي برغبتي في الطلاق بسبب معاملته القاسية غير أن أهلي برروا عنفه بأنني لم أستطع تغييره للأفضل، وقال لي أبي ” ما فيش معانا بنات تطلق ”  فعدت إلى منزل زوجي لتستمر معاناتي، وحالياً أعيش بهدوء بعد أن سافر إلى إحدى دول الخليج وأتمنى أن لا يعود .”

تصمت بعض من  النساء صمتا طويلا على ذلك العنف الذي يجدنه من شركاء حياتهن ويفضلن الانزواء خلف مهامهن اليومية حتى يجدن فيها مخرجا من مواجهة واقعهن المرير أمام شركاء و مجتمع عنيفين. وبحسب المستشارة الأسرية ألطاف الأهدل  ـ رئيسة قسم الخدمة الاجتماعية  في مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل بتعز- فإن صمت النساء عن العنف الزوجي الذي يطالهن يكون بسبب الخوف من عدم القدرة على الاستقلال المادي وهنا تبرز مشكلة أخرى وهي حرمان الفتيات من التعليم قبل الزواج وحتى بعده.

وتضيف الأهدل أن الخوف من نظرة المجتمع التي تستصغر المرأة المطلقة وتستهين بها وتبقيها تحت مجهر العادات والتقاليد سبب رئيسي في استسلام المرأة لعنف الرجل.

كما أن المرأة تخشى العودة إلى دائرة العزوبية والوحدة والفراغ العاطفي فتجد نفسها مضطرة لاحتمال هذا العنف أياً كان نوعه، كما تخشى المرأة أيضا نظرة الضعف والاستصغار التي سينظر لأبنائها بها. هذا؛ إضافة إلى أن الكثيرات من الفتيات يجدن في الزواج هروباً من عنف وسطوة الذكور في أسرهن، غير أنهن، وياللمفارقة، يجدن أنفسهن أمام صدمة الزوج العنيف الذي يكرر كل ما يفعله أمثاله في أسرتها. عندئذ تختار عنف رجل واحد عوضا عن العودة مكسورة الجناح لعنف عدة رجال يكيلون عليها شتى صنوف العنف بلا رحمة.

و للقوانين المجحفة دور كبير آخر يحول بين النساء و حق الطلاق.  فابتسام، مثلا، قررت  التراجع عن قرار الطلاق بعد أن وصلت إلى المحكمة  واستمرت بالعيش مع زوجها قسرا بسبب خذلان القضاء لها.  تقول ابتسام : “تعرضت للضرب والإهانة من قبل زوجي أمام أبنائي الأربعة ما دفعني بالتقدم بدعوى قضائية أطلب فيها الطلاق من زوجي، ولكني تفاجأت من المحامي أن القاضي سيحكم إن أرد لزوجي المؤخر في حال ان تم الطلاق و تفاجأت أكثر أنه سيتم إقرار نفقة لأولادي مبلغ 5000 آلاف ريال فقط للطفل الواحد بحسب القانون. فوقف هذا عائق أمام قراري وتأكدت أني سأعيش معاناة أكبر بعد طلاقي فكيف سأنفق على أولادي من هذا المبلغ الزهيد، وأنا لا أملك شيئا “.

العمل الفني لآيات العوامي

 وبحسب المحامية رغدة المقطري ـ عضوة نقابة المحامين بتعز-  فإن النساء يضطررن للعيش مع رجال عنيفين بسبب العادات والتقاليد التي تدعم الرجال وتزدري على المرأة المطلقة. علاوة على أسباب أخرى من ضمنها عدم وجود القوانين التي تحمي المرأة وتحفظ حقها وحق أطفالها. وتضيف المقطري أن بعض مواد القانون تنص على إجراءات لصالح المرأة  إلا أن هذه المواد غير مفعلة في الواقع. ولو طبقت الضوابط القانونية  التي تجرم تعنيف  الرجال للنساء والأطفال لاختلف تعاطي المجتمع مع النساء”.

في مجتمع لا ينصف النساء ولا يعترف بحقوقهن كزوجات أو مطلقات تبقى القيود المجتمعية  والقانونية عائقا أمام النساء في اختيار مصيرهن بحرية. و إذا هن خضن معركة الطلاق مع الفرد وهو الزوج،  فعندئذ ستبدأ معركة الحصول على الحقوق بعد الطلاق التي إن تجازونها، فإنهن لن يتجاوزن بسهولة المعركة أمام المجتمع وصوره النمطية السلبية عن المطلقة.

رانيا عبدالله : صحافية يمنية ومعدة برامج تلفزيونية واذاعية تعمل سكرتيرة تحرير مجلة الأسرة والتنمية منذ 2006.

 

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق