fbpx
ثقافة
مقال شائع

منصات التراث الرقمية في اليمن: فرص وتحديات

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

على مدار العقدين الأخيرين، حولت الوسائط الرقمية الطريقة التي تسير بها كثيرٌ من المهن. ولا يمكن للمرء أن يفكر في صنعة واحدة غير مستفيدة من منصات الشبكات الاجتماعية وصفحات الويب وأدوات التواصل الرقمي، بغرض الارتقاء من كلا ناحيتي الجمهور والتأثير. وقد كانت الممارسات الإبداعية والثقافية من بين المهن المتأثرة بهذا الانفتاح التكنولوجي. ففي الماضي، كان ينبغي عليك لزيارة متحف أو للقيام بجولة في أحد المعارض، أن تقوم بالذهاب فعليًا إلى موقع العرض. وبالنسبة لليمن لا يوجد إلا عدد قليل من المتاحف والمعارض وساحات العروض، وهي ليست محصورة على المدن الرئيسية مثل، صنعاء وعدن وحضرموت. كما أن توزيع المراكز الثقافية العامة حيث تُحفظ وتُعرض المواد التراثية محدود، بل إن ندرتها تصاعدت أكثر منذ 2015. إذَا ما الذي سيحصل جراء إغلاق المتاحف بسبب الوباء العالمي؟ أو من أجل مساحة عرض غير عملية؟ أو بسبب المخاوف الأمنية؟

على مر السنوات، دعا المؤرخون والنشطاء في مجال الثقافة باستمرار إلى التدخل لحماية التراث اليمني الثقافي المادي وغير المادي. لكن المشكلة متأصلة في التجاهل والإهمال من طرف الجهات المسؤولة. علاوة على أن مركزية الأرشيفات المتروكة في المتاحف المهملة والمغلقة والأبنية الحكومية -التي لا أثر لمفاتيحها في أي مكان-، قد أزّمَت اتخاذ أي إجراء من قبل المنظمات غير الحكومية والمبادرات المستقلة. رغم ذلك وبغض النظر عن الأرشيفات الخاضعة لسيطرة الدولة، فإن تراث اليمن الثقافي متناثر هنا وهناك، في ذاكرة الكبار، وألبومات الصور العائلية، وفي رسائل يمنييّ الشتات ومذكرات الحرب. وللأرشيفات الرقمية القدرة على العمل كأدوات استكشافية للمجالات المتضررة من تراثنا الثقافي، من خلال القصص الفردية للتجارب الموروثة أو المعاشة. كما أن بإمكانها أن تمثل أداة توثيقية للأشياء المهددة بالضياع أو السرقة أو التدمير، فهي وسيلة تعمل على توثيق الأرشيف وإعادة تصويره بحيث يستمد معارفه من الناس، لا أن يكون عنهم فحسب.

تمثل المراكز الثقافية العامة مصدرًا مهمًا للروايات التاريخية والمجتمعية والثقافية لمجتمعاتنا السابقة، التي تنتمي إلى العامة والتي يجب أن تتاح بصفتها مصدرًا معلوماتيًا للجميع. إن مصاهرة التكنولوجيا والتراث الثقافي أسفرت عن مفهوم جديد أتاح للأرشيفات أن تكون أقرب منالًا وأسهل تنقلًا. وفقًا لميثاق الحفاظ على التراث الرقمي الذي أصدرته اليونيسكو UNESCO’s Charter for the Preservation of Digital Heritage,، فإن مصطلح التراث الرقمي يشير إلى تصورين جديدين: أحدهما متعلق بالمحتوى الناتج عن استخدام الأفراد للمنصات الرقمية لتدارس التجارب الشخصية ومجتمعاتهم؛ فهذا المقال مثلًا وهذه المنصة ستعتبرهما الأجيال القادمة من ضمن عناصر التراث الرقمي. أما ثاني هذين التصورين، فينظر  إلى المواد المعروضة في أنساق غير رقمية؛ أي تلك التي تتم رقمنتها فيما بعد لإتاحتها سواء في حالة الاتصال بالإنترنت أو من دونه. في هذا المقال، يشار بالتراث الرقمي إلى التعريف الأخير، الذي يركز على عملية تحويل التراث الثقافي التناظري إلى رقمي.

العمل الفني للينا العمودي

ماذا سنستفيد من نشر التراث رقميًا؟

لدى المبادرات المحلية والمؤسسات الخاصة في اليمن فرصةً للتعاون فيما بينها وإيجاد طرق مبتكرة لتوظيف الفضاء الرقمي لتسهيل إتاحة المواد التاريخية والحفاظ عليها. ولحسن الحظ، هناك اهتمام متصاعد بنزعة الحماية الثقافية في الوسط اليمني. وإمكانية وجود مشاريع ذات أساس رقمي بدأت بالظهور، خاصة فيما يتعلق بالتركيز على المحافظة على التراث التاريخي والأرشيف في مناطق الصراعات، حيث سيكون التوثيق غير المادي أمرًا ضروريًا.

تتوفر اليوم -أكثر من أي وقت مضى- فرصة مناسبة للمنصات الرقمية لتزدهر، وللمؤسسات التقليدية كي تبتكر وتتنوع وتتكيف. في اليمن، تسبب كل من الجمود والصراعات في تدمير السياحة والصناعة الثقافية. ولم يعد التراث اليمني معروفًا، بل تم نهبه وسرقته أثناء الصراعات المسلحة، والإضرار به بالغارات الجوية، وتدميره بالفياضانات الناتجة عن التغيرات المناخية. ورغم أهمية تشجيع السلطات والمجتمعات المحلية على اتخاذ خطوات من أجل استعادة التراث الثقافي المدمر، وحماية المعرض منه للخطر، فمن الضروري أيضًا أن نفكر في أوساط جديدة لتوثيق تراث الوطن والنهوض به.

تعد رقمنة التراث الثقافي إحدى الوسائل لإنشاء المنصات التي تتيح الوصول إلى المعلومات التي لا يسهل الوصول إليها عادة. فوجود مساحات رقمية متاحة للجميع، سوف يوفر للناس سبل وصول مناسبة إلى المواد المؤرشفة أينما كانوا بنقرة على شاشة واتصال بشبكة إنترنت. تتمثل إحدى المميزات في توسيع نطاق الوصول إلى يمنيي الشتات، كما سيصبح بمقدورهم إعادة الاتصال مع هذه المشاريع والمساهمة فيها. فبناء الجسور مع يمنيي الشتات من شأنه إثراء تراثنا؛ إذ يكشف عن منظورات مختلفة حول الهجرة والمجتمعات والأيديولوجيات السياسية في مواقع جغرافية مميزة إبان عصور تاريخية مهمة.

إن التراث لم يعد مفهومًا ثابتًا، فالفنانون المعاصرون الآن يُشركون التراث في أعمالهم؛ آملين أن يعيدوا تقديم التاريخ أو تصويره أو إعادة التفكير فيه. فإذا تطلعت للأعمال الفنية التي ينتجها الفنانون الصاعدون في اليمن، حتمًا ستلاحظ أن كثيرًا من الفنانين يستخدمون العناصر التقليدية والفُلكلور في أعمالهم الفنية. لذلك فالفنانون والباحثون هم من بين المستفيدين الأُوَل من إتاحة قاعدة بيانات وأرشيفات رقمية للتراث. لكن أهم ما يتعلق بمشاريع التراث الرقمي، ألا تكون محظورة بشرط الدفع “Paywall” أو تابعة للمؤسسات (مثل الجامعات والمراكز البحثية)، وأن تكون بدلًا من ذلك متاحة للجميع.

العمل الفني للينا العمودي

ما الذي علينا مراعاته بشأن التراث الرقمي؟

عند التفكير في رقمنة التراث في اليمن، فإننا نجد الكثير من التحديات التي علينا تجاوزها. فقد تقع بعض المصاعب في نهاية التنفيذ، وبعضها في نهاية التقديم؛ لا سيما أن مجال التراث الرقمي ما يزال في بداية استكشافه في اليمن. وعليه، فإعداد مختصين أكْفَاء في هذا المجال يعد أمرًا أساسيًا من أجل تشكيل فِرق مجهزة بالمهارات الكافية لتحويل التناظري إلى رقمي. فهذه العملية تتضمن بحثًا عميقًا، ومعرفة بأساليب وأدوات كل من الرقمنة والتوثيق والتصنيف، والجوانب القانونية وأمور النشر. لذلك فإن مبادرات الرقمنة تتطلب فرقًا مزودة بخبرات متعددة التخصصات في البحث، ومهارات تقنية في الإدارة، بالإضافة إلى توفر المعدات اللازمة. كما يعد التمثيل الجغرافي والتساوي في تمثيل الذكور والإناث من المسائل المهمة لتأسيس منصات تتجاوز القوالب النمطية والانقسامات بدلًا من تعزيزها. فتمثيل النوعين، الذكور والأناث، يعد مصدرًا للقلق بالنسبة إلى المنشورات ذات التوجه المرئي؛ إذ يمكن إقصاء عرض صور النساء اليمنيات عمدًا، خاصة عند العمل على الأرشيفات العائلية. وعلاوة على ذلك، فإن صعوبة السفر بين مختلف مدن اليمن (حتى قبل الوباء) قد جعلت الأمر معقدًا حين يتعلق بسفر فريق مركزي واحد من أجل جمع المواد لرقمنتها، ومن شأن ذلك أن يؤدي، بالتالي، إلى استبعاد عرض المحتوى الموجود خارج المدن المركزية.

لا يفترض في الأدوات الرقمية أن تكون بمثابة البديل عن المؤسسات والحكومة فيما يتعلق بمسؤولية حماية التراث الثقافي للوطن. فبينما يمكن أن تسفر جهود المبادرات المستقلة عن نتائج عظيمة؛ فإننا سنكون بحاجة إلى تعاون السلطات المحلية، وسماحها للمتخصصين بالاستفادة من مواد التراث الثقافي القابعة وراء أبواب مؤسسات الدولة ذات الصلة، مثل أرشيفات الراديو والتليفزيون، التي غطاها الغبار على مر السنين، والمعرضة للتلف.

العمل الفني للينا العمودي

مبادرات تعمل على إتاحة التراث الثقافي

لقد ظهرت مجموعات يمنية من المواد المرقمنة المنتقاة بعناية في قواعد بيانات بعض الجامعات العالمية في تصنيفات فرعية لتصنيفات أكبر معنيىة بالتراث الرقمي والأقسام المكتبية. وبالنسبة لبعض الجامعات الغربية، فإن المخطوطات اليمنية تمثل محط التركيز الرئيسي . فقد قامت جامعة لايدن Leiden University برقمنة نحو 150 عنصرًا، وأتاحتها باسم مشروع التقليد الزيدي للمخطوطات The Zaydi Manuscript Tradition في سبتمبر 2020. هذه العناصر عبارة عن مجموعة من المخطوطات التي يرجع تاريخها إلى ما بين القرنين السابع عشر والعشرين. وقد أطلقت جامعة برنستون مبادرة مشابهة بالتعاون مع شركاء من ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية باسم مبادرة رقمنة المخطوط اليمني The Yemeni Manuscript Digitization Initiative، حيث وُثِقت ثلاث مكتبات خاصة في صنعاء العاصمة وحُفظت رقميًا- وقد شملت 236 مخطوطًا بين 2010 و2013. هذه المشروعات تندرج ضمن الاهتمام الذي ينصب بصورة متخصصة على نصوص التاريخ الإسلامي والنصوص الدينية في شمال اليمن.

أما على الصعيد المحلي، فيركز أرشيف اليمن -وهو منصة مستقلة أُطلقت في 2017- على رقمنة ونشر الأعمال الأدبية التي كتبها مؤلفون يمنيون، أو الأعمال المنتَجة في اليمن. وتتضمن الكتب المنشورة على هذه المنصة موسوعاتٍ ودواوين شعرية وروايات ودراسات ثقافية وسير ذاتية. كما أطلق المشروع تطبيق أندرويد يدعم الوصول إلى محتويات الأرشيف عبر الجوال.

هناك مشروع آخر للتراث الرقمي قيد التنفيذ في اليمن يدعى جمكانه Jamakaneh، وهو مساحة للتراث الرقمي تسعى للاستفادة من الحلول التقنية لأرشفة وعرض العناصر التاريخية عبر منصة على الانترنت متاحة للجميع، بتشغيل مؤسسة بيسمنت الثقافية  Basement Cultural Foundation. مبدئيًا، سيركز المشروع على جمع المواد من الأرشيفات العائلية وتصنيفها. تأتي هذه المواد المرصودة في أنساق مختلفة، كرسائل وصور وملاحظات ورسوم ومخطوطات. تقيم العائلات المستهدفة في هذا المشروع في صنعاء؛ وقد قدمت هذه العائلات دعمًا كبيرًا كلما كان ذلك ممكنًا، كما يسعى الفريق إلى التوسع في مدن أخرى في قلب وجنوب اليمن. أما التسمية “جمكانه”، فهي جملة عربية آرية دخلت اليمن أثناء حكم الإمبراطورية التركية. وتترجم إلى مساحة جمع، وهي مضمنة كجزء من المنازل التقليدية في اليمن. ومؤخرًا، أطلقت مؤسسة رموز نماذج من مشروع رقمنة جريدة إلكترونية، تركز على الجرائد الثقافية منذ أربعينيات القرن العشرين. ستعقد المنظمة المناقشة العامة الأولى حول المشروع في ديسمبر 2020.

يبدو المستقبل محملًا بمزيدٍ من احتمالات قيام المشروعات الثقافية الرقمية في اليمن. بالإضافة إلى أن إسقاط الحواجز المادية يتيح لرواد الأعمال الثقافية في اليمن إنشاء الشراكات، والحصول على التمويل وتلقي التدريبات وتبادل الخبرات في مجالاتهم العملية. وبالرغم من أن توصيل المشاريع الرقمية إلى الجمهور في اليمن ما زالت مسألة صعبة؛ نظرًا لأن أغلب مستخدمي الإنترنت يعانون من ضعف شبكة الإنترنت أو غيابها، فضلًا عن فقر المرافق التكنولوجية الأساسية. ستظل تلك المنصات مصدرًا مرجعيًا قيّمًا لمختلف مجالات التراث الثقافي في اليمن، لتطوير أعمال فنية جديدة ومحتوى أكاديمي وإبداعي يحيا ويستمر في الذاكرة اليمنية بصفة هذا التراث كنزًا تاريخيًا ورأسمال رمزي.

عينات من مشروع جمكانه:

1- غلاف مجلة الحكمة اليمانية، مجلة تعود للعصر الإمامي. تم تأسيسها في بداية العشرينات من القرن الماضي، كوريثة للمجلة العثمانية اليمنية “صنعاء”. هذه العينة من المجلة يصل عمرها لتسعين عاماً. كما يلاحظ أن هناك بعض الرسومات التخطيطية على الأغلفة وقد تكون مؤشراً على قصور في الكتابة.

تم مشاركة الصورة معنا عبر هلا السعدي
تم مشاركة الصورة معنا عبر هلا السعدي

2- (الأمام) رسالة بين اثنين إخوة، تصف الروتين والحياة، وكيف سيطر هتلر على باريس في الحرب العالمية الثانية عبر تجنبه “خط ماجينو”. واستناداً على هذا الحدث يعود تاريخ الرسالة إلى العام 1940. (الخلف) أبيات شعرية لشعراء متعددين، استخدمت خلفية الرسالة للرسوم التخطيطية.

تم مشاركة الصورة معنا عبر هلا السعدي
تم مشاركة الصورة معنا عبر هلا السعدي

3- دفتر عائد للاستعمار البريطاني، تم نقله لليمن الإمامي ليستخدم من قبل الطلاب، يوجد فيه رسوم طفولية مختلفة، بالإضافة لدروس في النحو العربي. يُقدر أنه يعود للثلاثينات.

تم مشاركة الصورة معنا عبر هلا السعدي
تم مشاركة الصورة معنا عبر هلا السعدي
تم مشاركة الصورة معنا عبر هلا السعدي
تم مشاركة الصورة معنا عبر هلا السعدي

 

 

اظهر المزيد

هلا السعدي

طالبة دراسات عليا في مجال الصحافة والإعلام والعولمة. لديها معرفة تخصصية في مجال الإدارة التكنولوجية، إلى جانب  أعمالها في حقل المشاريع الثقافية والفنية. يتركز اهتمامها على كل من الأفكار والأشخاص العاملين على الدمج بين الأدوات الرقمية ومنصات الوسائط المتعددة لإنتاج محتوى مميز، ومشاركة المعلومات، وتعزيز التشارك بين الثقافات. في 2019، عملت هلا في دار النمر للفنون والثقافة، حيث تقدم خبراتها بخصوص المشهد الثقافي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن بيئة عمل تحوي جملة من المتخصصين في المجموعات والمعالجة والإعلام والتوعية. وتعمل السعدي مع مؤسسة بيسمنت الثقافية على الشراكات العالمية والمشاريع التوعوية، كما تهتم بمشروع التراث الرقمي لجاماكانه. عاشت هلا السعدي سابقًا في اليمن ولبنان والولايات المتحدة الأمريكية، والآن تعيش في الدنمارك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى