fbpx
المجتمع المدني
مقال شائع

مفهوم “التروما” و”الصدمة الجماعية” في اليمن: أبعادها وتأثيرها المستمر

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

ضاع المفهوم في الترجمة؟

كثيرة هي تلك المصطلحات المُعربة التي طرأت على اللغة العربية كأسماء “مترجمة” لأشياء لم يسبر أغوارها “عربيًا” فيما بعد؛ فقد وجل علماء اللغة العربية والباحثين فيها من الانفجار التكنولوجي وتبعات العولمة التي طالت العالم بأكمله ولم يسلم منها مكان. خاف أهل اللغة وقتها من أن تلتصق بها مفردات غريبة عنها تمامًا، وهم الذين يؤمنون بمدى قدرة اللغة العربية على استيعاب كافة تلك المصطلحات الأجنبية الجديدة بسبب تنوعها في الاشتقاقات والمفردات والأساليب كالمجاز مثلًا.

وبالرغم أن العلوم الإنسانية كاسمها تُعنى بالتجربة الإنسانية رغم حواجز اللغة والثقافات، فهناك الكثير من المصطلحات التي أصبح من الصعب تحديد ترجمتها بالعربية على وجه الخصوص؛ وربما سبب ذلك هو مجئ هذه المصطلحات من ثقافة وبيئة تختلفان تمام الاختلاف عن مكان انبثاقها.

إحدى هذه الكلمات هي كلمة “Trauma” التي عُربت ثم تُرجمت بطرق متعددة، حتى أن بعض علماء النفس العرب قرروا استخدام الكلمة كما هي دون تعريبها أي “تروما”! ففي قاموس المعاني وحده، هناك أكثر من ترجمة للكلمة، كـ”رضخ” أو “صدمة” من وجهة نظر نفسية، أو “تعرض للأذى” بحسب الأمم المتحدة، أو “تجربة مؤلمة” من منطلق عام. أيًا كانت الترجمة، تبدو “التروما” مختلفة من وجهة نظر عربية؛ فكيف يا ترى ستبدو من وجهة نظر يمنية؟

تاريخ مقتضب عن “التروما”

العمل الفني لأسماء فواز

ظهر مصطلح “التروما” أو “الصدمة” ولكن بمسميات مختلفة في بداية القرن التاسع عشر، حين لاحظ بعض الأطباء الذين يعالجون ضحايا حوادث سكك الحديد، أو الجنود في ساحات المعارك، أو ضحايا الاغتصاب في الصغر من النساء وغيرهم أعراضًا نفسية تتعدى الأعراض الجسدية المعتادة؛ فقاموا بإطلاق مسميات مختلفة على هذه الأعراض كمتلازمة “قلب الجندي”، و”الهيستيريا”، وغيرها من المسميات. ظل وجود هذا الرابط ما بين الأعراض النفسية والحوادث الجسدية من عدمه محل جدل بين الأطباء لوقت طويل؛ حيث أن الكثير منهم  لم يعترف بتأثير الصدمة على الجهاز النفسي، وقاموا بتفسير هذه الأعراض على أنها مجرد مضاعفات عضوية تحدث نتيجة هذه الحوادث والصدمات.

وقد قام العديد من الأطباء النفسيين وعلماء الأعصاب منذ ذلك الوقت بالبحث عن مدى تأثير “الصدمات” على النفسية البشرية،  حتى ظهور مصطلح “Post-Traumatic Stress Disorder”، أي ” اضطراب الكرب التالي للصدمة النفسية” أو “اضطراب الكرب التالي للرضح”، وضمه في عام 1980 من قِبل الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيية للنسخة الثالثة من “الدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات العقلية”. أصبح المصطلح بعد ذلك طبيًا يتداوله مجتمع الطب النفسي بشكل واسع، بل وله معايير خاصة؛ فليس كل مَنْ يمر بتجربة صادمة أو غير متوقعة سينتهي به المطاف إلى أن يحدث له هذا الاضطراب مثلًا.

ومن ثم في أوائل التسعينات، قامتْ مجموعة من الباحثين والناقدين من المجال الأدبي بشكل خاص ببحث التأثير الثقافي للصدمة. فقامت مثلًا  كاثي كاروث، أستاذة الأدب المقارن في جامعة كورنيل الأمريكية بنشر كتابها: “التجربة التي لا يُعترف بها: الصدمة، سردها وتاريخها” في 1996، حيث قامت بتعريف الصدمة على أنها:

“ردة فعل لحدث عنيف غير متوقع وصادم، أو لأحداث لا يمكن استيعابها بشكل كافٍ حين تحدث؛ وتعود لاحقًا على هيئة ومضات ارتجاعية، أو كوابيس، أو ظواهر متكررة أخرى”.

 

ورغم أن خلفية كاثي كانت أدبية، إلا أن كتابها ومشروعها كان نتيجة جهود خبراء من تخصصات عديدة، سواءً من مجال الطب النفسي، أو الأدب، أو علم الاجتماع وغير ذلك؛ وجمع العديد من المقالات والمقابلات مع خبراء من كل هذه المجالات. عملتْ كذلك الأكاديمية والناقدة الأدبية شوشانا فيلمان مع كاروث على إيجاد تداخل ما بين نظرية التحليل النفسي والأدب، وقامتا بإنتاج دراسات غزيرة في هذا المجال.

ومع ازدياد تنوع الدراسات والبحوث التي تناولت مدى تأثير الصدمة في الماضي على حياة الإنسان في حاضره ومستقبله، ظهرت مصطلحات أخرى تتناول الأمر بشكل أكثر تركيزًا. فمثلًا، ظهر مصطلح “Collective Trauma”، أي  “الصدمة الجماعية”؛ والذي يعني تلك الصدمة التي تحصل لمجموعة كبيرة من الناس نتيجة لأحداث مؤلمة وعنيفة كالحروبـ والمذابح، والأوبئة، والكوارث، الطبيعية، والهجمات، الإرهابية، وغيرها.

هذا النوع من “الصدمة الجماعية” معقد أكثر من غيره، حيث أنه يأتي على أوجه مختلفة، وقد يورثه جيلٌ إلى جيل آخر! تذكر الباحثة سوسن آباديان (والتي كان موضوع رسالتها في الدكتوراه عن “الصدمة الجماعية والعمل التنموي العالمي” من جامعة هارفرد الأمريكية) كجزء من بحثها الطويل عن طرق اختلاف أوجه الصدمة الجماعية وأنواعها؛ فتذكر أنه يمكن وصف بعض الصدمات الجماعية بأنها إما “ثقافية”، أو “تاريخية”، أو أنها تنتقل “عبر الأجيال”.

وربما ما يجعل الصدمة الجماعية أكثر تعقيدًا من الفردية هو اشتراك التجربة بين الجميع وعدم وجود عنصر خارج الحدث ليُعين أولئك العالقين في رمال الصدمة المتحركة.

العمل الفني لأسماء فواز

وضع الصحة النفسية في المجتمع اليمني

على رغم مرور الطب النفسي والصحة النفسية في اليمن بمراحل مختلفة، إلا أنه بقي على حاله في جوانب عديدة. حيث تدل المؤشرات والأرقام المنشورة في السنوات القليلة الماضية عن وضع الصحة النفسية في اليمن إلى حالة من التردي النفسي الجماعي والفردي نتيجة الأوضاع الاقتصادية والأمنية التي شهدت تدهورًا منذ اندلاع الحرب قبل ست سنوات. حسب دراسة أجرتها مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري ما بين 2014 و2017 عن تقدير انتشار الاضطرابات النفسية بين السكان المتضررين من الحرب في اليمن، فإن واحدًا من كل خمسة يمنيين يعاني من اضطرابات نفسية. يقدر بأن هذه النسبة أعلى بكثير الآن مع انتشار جائحة كوفيد-19 وتردي أساليب العيش التي كانت متردية أساسًا؛ حيث تقدر دراسة قام بها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بأن معدلات الانتحار في صنعاء وحدها زادت بنسبة 40.5% ما بين عام 2014 و2015، وأن 79% من الأطفال في اليمن يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة!

هذه المعدلات الكارثية تبرز فقط جزءًا هزيلًا من الصورة الكاملة للأزمة التي يعيشها اليمنيون جراء الحرب والنزاع المسلح؛

ولكننا إذا ما رجعنا بذاكرتنا إلى الوراء، فإننا سنجد أن وضع الصحة النفسية في اليمن لم يكن أحسن حالًا. فاليمني في السابق كان يخشى الذهاب إلى الطبيب النفسي خوفًا من نظرة المجتمع القاسية التي توصم المريض النفسي بالعُته والجنون. تذكر الأخصائية النفسية أنسام صبرة، التي تعمل حاليًا كمسؤولة إحالة في مؤسسة التنمية والإرشاد في صنعاء بأن المجتمع اليمني بطبيعته لم يكن يتقبل المعالجة النفسية ويشعر بالخجل تجاه الاستعانة بالطب النفسي عمومًا. تقول:

“كانت النظرة السائدة لمَنْ يستعين بطبيب نفسي بأنه مجنون، لكن النظرة تغيرت قليلًا، على الأقل في محافظة صنعاء. بدأ البعض ينفتح نحو فكرة الاستعانة بخدمات المركز النفسية، حتى أنهم لم يعودوا يخجلون من مرضهم النفسي كما كانوا في السابق. ولعل ما ساعد هذا هو تشجيع مَنْ ارتاد المركز لغيره بعد أن شعر بتحسن في حالته النفسية”.

تؤكد على هذا جزئيًا المعالجة والمستشارة النفسية سماح طلال، التي تعمل الآن كمعالجة نفسية في عيادتها الخاصة بعد أن عملت في العديد من المنظمات الدولية “كأطباء بلا حدود” و”هيئة إنقاذ الطفولة” في المجال النفسي. تقول:

 “ربما هناك قليل من التقبل للعلاج النفسي في أوساط النخبة المثقفة في البلاد، ولكن لا يزال الآخرون إما جاهلين عن حقيقة المرض النفسي، أو يشعرون بالخجل من الوصمة المجتمعية لمَنْ يرتاد العيادات طلبًا للدعم النفسي”.

ورغم أن الحرب بضغوطاتها وشظف العيش قد غيّرا من نظرة بعض اليمنيين نحو الاستعانة بالطب النفسي، فإن السواد الأعظم منهم يلجأ، منذ السابق في العديد من المحافظات، إلى المشعوذين والدجالين طلبًا للشفاء من اضطرابات نفسية عديدة، وذلك بسبب قلة الوعي بالأمراض النفسية وكيفية التفريق بينها وبين تلك العضوية، وتقبل المجتمع لوصم “مسحور” و”محسود” عوضًا عن “مريض نفسي” و”مجنون”.

من الأمور المؤلمة التي يمكن ملاحظتها كذلك هو أن استعانة النساء بالعلاج النفسي أكثر بكثير من الرجال، ففي نفس الدراسة التي قامت بها مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري، كانت نسبة الإناث اللآتي قمن بالاستعانة بخط المساعدة والاستشارات النفسية يقارب 81%، بينما بلغت نسبة الذكور 19% من نسبة تقارب 46% من هؤلاء الذين شاركوا بردودهم من أجل الدراسة.

يتردد الرجال في طلب المساعدة، وعادة ما يطلبها أهاليهم بالنيابة عنهم في الحالات النفسية الصعبة كما أكدت لي الأخصائية أنسام صبرة. ينتشر كذلك عادةً بين الرجال الاكتئاب النفسي المصحوب بأعراض فصامية حادة. أما النساء، فمعظمهن يعانين من اضطرابات القلق أو الاكتئاب المصحوب بأعراض قلقية في العادة كما أكدت لي المستشارة النفسية سماح طلال.

ولعل الأمر يرجع إلى طبيعة المجتمع اليمني الذي يستهجن تعبير الرجل عن مشاعره أو وضعه النفسي، عكس النساء اللاتي في بعض الأحيان يجدن مساحة -وإن كانت ضيقة جدًا- للتنفيس عن ما يشعرن به لصديقاتهن مثلًا. ورغم وجود هذه المساحة الضئيلة جدًا في حياة المرأة اليمنية، فهناك مخاوف أخرى تعاني منها المرأة كنظرة المجتمع نحوها، إنْ  هي لم تستطع “إدارة بيتها” جيدًا بسبب متاعبها النفسية، أو تضاؤل فرصها في الزواج، إنْ كانت تعاني من “أمراض نفسية” في وقت سابق، وغيرها من الأمور.

مصاعب تواجه قطاع الصحة

يواجه قطاع الصحة النفسية في اليمن مصاعب كثيرة أكثر من السابق، فمع الحرب الدائرة والنزاع المسلح، انبثقت مشكلات جديدة تشكل تحديًا كبيرًا في وجه مقدمي الرعاية والدعم النفسي، ومنها:

 ضعف وجود الكوادر العامل في المجال. أشارت مثلًا منظمة الصحة العالمية في عام 2016 على أن عدد الأطباء النفسيين في اليمن لا يتجاوز الـ 46 طبيبًا، وأن معظمهم في العاصمة صنعاء فقط دونًا عن المحافظات الأخرى، مما يعني طبيبًا واحدًا لكل 600000 شخص تقريبًا! كما تذكر مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري أن عدد المعالجين والأخصائيين اليمنيين حتى عام 2017 في اليمن بأكملها لا يتجاوز 130 معالج نفسي، والممرضين النفسيين لا يتجاوزون الـ 25 ممرضًا.

نقص حاد في المرافق الصحية -غير النفسية- العامة والخاصة. يبلغ عدد المنشئات الحكومية الصحية في اليمن 13 منشئة على مستوى الجمهورية، والباقي عبارة عن عيادات خاصة لا يتجاوز عددها الـ 35 عيادة، وتتركز معظمها في العاصمة صنعاء. فإذا كانت المرافق الصحية عمومًا بهذا الضعف، فلنا أن نتخيل ما يقارب انعدام وجود منشئات تُعنى بالصحة النفسية على مستوى الجمهورية بأكملها.

إهمال رسمي. ورغم أنه ليس هنالك عزوف عن مزاولة هذه المهنة الهامة في اليمن، فإن هناك عوائق تحول دون مزاولة العديد من المعالجين النفسيين لهذه المهنة. تقول المستشارة سماح في هذا الأمر:

“هناك العديد من الكوادر والكفاءات المستعدة للعمل في المجال، ولكن الجهة الموفرة لتخصص كهذا غير مهتمة أساسًا بهكذا خدمة أو تنمية مجتمعية، خاصة وأنه لا توجد قوانين تنظم حقوق مزاولة المهنة وتداخلاتها مع بقية الاختصاصات الطبية كباقي الدول الأخرى”.

قلة الدخل المادي لدى المرضى. يعاني معظم المرضى في صمت بسبب عدم قدرتهم على دفع ثمن العلاج النفسي، فدخل معظم اليمنيين يكاد يفي بالمعيشة في ظل هذه الأوضاع الصعبة. وعلى سبيل المثال، فرغم أن مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري تقدم كافة خدماتها مجانًا، إلا أنها لا تستطيع تقديم الخدمات لكل مَنْ يستعين بها. تقول الإخصائية أنسام بهذا الخصوص:

“زاد الاحتياج للدعم النفسي كثيرًا خاصة مع تردي الأوضاع في البلاد؛ فحتى الأدوية أحيانًا تكون في نقص شديد ولا نستطيع تقديمها للمستفيدين في بعض الأحيان”.

قلة وعي المجتمع بالأمراض والاضطرابات النفسية. وهذا يجعل المرضى يعانون ويتخبطون في رحلة علاجهم دون أن يجدوا حلًا لمعاناتهم.

العمل الفني لأسماء فواز

هل يتلاءم المصطلح الغربي مع المجتمع اليمني؟

من الانتقادات التي طالت نظرية “الصدمة” التي أثارتها كاثي كاروث أنها تدور حول الفلك الأوروبي دون اعتبار للثقافات الاخرى، وأنها تتحدث باستمرار عن حوادث الهولوكوست خلال الحرب العالمية الثانية دون الالتفات إلى حوادث صادمة مشابهة ومقاربة، أو مستمرة في طبيعتها. فمن ضمن الدراسات التي عُنيت بـ”إنهاء الاستعمار”، ظهرتْ أشهر دراسة بعنوان” “إنهاء الاستعمار في الدراسات عن نظرية الصدمة”، كتبها المؤرخ المختص بالهولوكوست ودراسات الذاكرة مايكل روثبرغ. انتقد روثبرغ في دراسته اعتماد نظرية الصدمة على الحدث أو الأحداث بفترة زمنية محددة، متجاهلة تلك الصدمات المستمرة بطبيعتها، كالنكبة الفلسطينية مثلًا. وانتقد روثبرغ كذلك ترسيخ فكرة “الضحية”، خاصة لدى هؤلاء الذين عانوا من الاحتلال أو الاستعمار، متجاهلة عقلية “الناجي” أو “المقاوم” الذي حاول التخلص من جلاده بشتى الطرق. كما انتقِدتْ كاروث على قولها بأن رواية الحدث من وجهة نظر الضحية لا يمكن الاعتماد عليها بسبب تشظي ذاكرة الشخص وعدم قدرته على التعبير عما عاصره وقت الصدمة.

كثير من تلك الانتقادات تبدو مهمة في جوهرها، فأزمة بلد كاليمن أكثر تعقيدًا من حدث عابر، حيث أن الأفراد يمرون بصدمات كثيرة ومتتالية لا يمكن حصرها في “حدث واحد”، خاصة وأن الحرب والنزاع المسلح لم ينتهيا بعد. وحتى وإن انتهى النزاع المسلح بشكل كامل في بعض المحافظات، فحالة عدم الاستقرار تولد صدمات مستمرة في طبيعتها!

من هنا يأتي ما يسوّغ تطبيق نظرية “الصدمة” على المجتمع اليمني الذي تدمر نسيجه المجتمعي بسبب الولاءات المختلفة، والذي يعيش معظمه في الوقت الحالي في ظروف أقل ما يقال عنها أنها كارثية؛ فكيف يستطيع التعافي من صدمته الجماعية التي لم تنتهِ بعد؟

ولكن ربما تبدأ رحلة التعافي بالتحدث عن الصدمة والحدث، فالقدرة على سرده -وإن كان على مراحل- نوع من التمكين؛ بل وفي حالة كحالة الصدمة الجماعية التي تمر بها المجتمعات إبان الحروب وغيرها، فإن توثيق ذاكرة مَنْ عاصروا الحدث فيه نوع من تصديق “حكايتهم” وإبرازها لمَنْ لم يعاصرها وينكرها. يشعر الفرد بأن جروحه وآلامه حقيقية، لأن إنكارها مؤلم أكثر من حدوثها في بعض الأحيان. وربما تكمن المشكلة في تعارض القصص والتاريخ المسموع لدى أفراد المجتمع الواحد، مما يزيد من الفجوة والهوة السحيقة بينهم. غير أن حل هذه المعضلة يبدو سهلًا حين يصبح جوهر كل تلك القصص هو الإنسان وحده متجردًا من انتماءاته وآرائه السياسية وغيرها، ويبقى الإنسان البريء الذي يعاني هو صاحب القصة في آخر المطاف.

رغم أن منتقدي كاروث كانوا يشجعون فكرة السرد التي ترسخ فكرة “المقاومة” أكثر من فكرة “الضحية”، بحيث أن الإنسان الذي يمر بصدمة يتأقلم مع محيطه حتى يستطيع مقاومة ما يحدث له؛ فإن هناك تيارا آخر يُعرّف مفهوم المقاومة من خلال المعطيات المتغيرة دائمًا. ويرى هذا الاتجاه أن الاعتياد والتعايش مع الصدمات لا يبرر أبدًا إلقاء اللوم على الضحية، إنْ هي لم تستطع انتشال نفسها من هول “الصدمة”؛ فالضحية ضحية في آخر الأمر وتحتاج إلى المساعدة إن أرادت ذلك.

رتق النسيج الاجتماعي

رغم وجود العديد من المبادرات التي حاولت المنظمات الدولية تقديمها إلى حد ما لليمن، فإن الحل يكمن دائمًا في الداخل قبل الخارج. فالنمط الغربي في أسلوب تناول بعض المنظمات للمشكلات التي يعاني منها اليمنيون، وتوجهها الواضح في قضايا ما دون أخرى، يجعلنا لا نرى أثرًا ملموسًا في سياق الصحة النفسية. علاوة على أن تواضع الجهود السابقة في مجال الدعم النفسي -حين لم يكن هناك احتياج له كما هي الحال في الوقت الراهن –  قد جعل الوعي بالصحة النفسية متدنيًا، فالتوعية لم تول اهتمامًا مناسبًا.

لذلك، ربما يكمن الحل في أيدي منظمات المجتمع المحلي والمدني، وفي الجهود المحلية التي قد تعزز الثقة بين الأفراد من أجل العمل على رتق النسيج الاجتماعي؛ فمن المهم إيجاد طريقة جماعية للتعافي بدلًا من الجهود الفردية المشتتة، خاصة وأنها أزمة جماعية في طبيعتها، ومستمرة منذ سنوات دون نهاية تلوح في الأفق.

باختصار، على اليمني البسيط أن يحكي حكايته، حكاية الإنسان البعيد عن كل هذه الصراعات المعقدة، حتى يراه الإنسان اليمني البسيط أيضًا في الضفة الأخرى من الحوار بمعاناته وآلامه المشابهة لما لديه، فيمضيان في رحلة التعافي معًا بعيدًا عن كل تلك التعقيدات الأخرى.


 

  • شكر خاص للصديقة د. زينب المنسي على تعريفي بعالم “نظرية الصدمة” الرحب. كما أود شكر مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري بقيادة الدكتورة بلقيس الجباري على ترحيبهم وتعاونهم معي، والمستشارة النفسية سماح طلال التي لم تمل من أسئلتي الكثيرة.
اظهر المزيد

كوثر عبد الواحد الشريفي

قاصة وكاتبة يمنية. حصلت كوثر على ماجستير من الجامعة الأمريكية بالقاهرة من قسم هندسة الالكترونيات والاتصالات وإدارة التكنولوجيا. تعمل في مجال البحث، والكتابة التقنية، وصناعة المحتوى. لها مجموعتان قصصيتان بعنوان (لوحة للسماء) دار عبادي للنشر، صنعاء٢٠٠٩، و(ميعاد) دار فضاءات، عمان الأردن،٢٠١٧

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى