fbpx
المجتمع المدني
مقال شائع

نافذة ضوء: مبادرة عطاء للبيئة والرفق بالحيوان

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

العمل الفني لرندا عدنان

مؤخراً باتت مواقع التواصل الاجتماعي، في اليمن، تضج بمنشورات تصف حالات تعذيب وقتل تطال الحيوانات بصورةٍ تدلّ على أن الأمر ليس مجرد حالاتٍ فردية شاذة؛ بل يتعدى ذلك إلى كونه ظاهرة يتسع نطاقها يوماً بعد يوم. هذه المنشورات أبرزت ازدياداً ملحوظاً في حوادث دهس القطط والكلاب الضالة دون أن يتوقف سائقو السيارات والشاحنات لإنقاذ ما بقي به رمق حياة من تلك الحيوانات التي قتلتها مركباتهم؛ بل تتناوب السيارات خاصة في الخطوط السريعة على المضي فوق الأجساد الضئيلة حتى تصبح أشبه بسجاجيد من الفرو الذي أفرغ من الروح وأصبح بلا حول و لا قوة. لقد أصبح من الملاحظ، أيضاً، أن هناك حالات اعتداء جنسي تتعرض لها الحيوانات من قبل بعض المواطنين وسط صمت مجتمعي مخزٍ؛ فطبقا لبيطريين، فإن هناك نسبة من المعتدين على الحيوانات معرضون للاصابة بداء الزهري والذي ينتقل بطرق عديدة بين حاملي المرض والأشخاص الأصحاء. في خضم كل هذا العنف، قمنا باستعمال منصات التواصل الاجتماعي لإنشاء “مبادرة عطاء للبيئة والرفق بالحيوان” في العاصمة اليمنية صنعاء والتي بدأت في مطلع العام الماضي 2020 بـ15 متطوعاً من محبي الحيوانات.

العمل الفني لرندا عدنان

تأسيس المبادرة والتفاعل الرسمي والمجتمعي

في البداية في مطلع ٢٠٢٠ قمنا تدريجيا بمحاولات لتوفير العلاج للحيوانات المصابة حسب إمكانياتنا المتواضعة، لكن مع زيادة الحالات بشكل كبير توجب علينا القيام بخطوة تساعدنا على توسيع نشاطاتنا لتغطية أعداد أكبر من الحيوانات التي تحتاج دعمنا. وهكذا قمنا بإشهار المبادرة على فيسبوك والتي أصبحت أول مبادرة شبابية في العاصمة صنعاء تهتم برعاية وإنقاذ الحيوانات وهو ما ساعدنا في استقطاب أعضاء كُثُر يؤمنون بحقوق الحيوان وهو الأمر الذي تحث عليه تعاليم ديننا الإسلامي والمبادئ الإنسانية لمن يؤمنون بالرفق بالحيوان.  وكان من ضمن من قمنا باستقطابهم الطبيب بيطري د/مجدي العامري وافق على التطوع لتشخيص الحالات والقيام بعلاجها مما ساعدنا تدريجياً في علاج نزلات البرد والمجارحة وتجبير الكسور وتركيب الصفائح المعدنية، وإجراء العمليات الجراحية كون معظم الحالات التي وجدناها كانت بحاجة لسلسلة من العمليات الجراحية خاصة تلك التي أصيبت بإطلاق الرصاص. ساعدنا كذلك في عمليات تعسر الولادة وتقديم العلاج الطبيعي لحالات مصابة بإعاقات مختلفة. وفي إطار التأسيس للمبادرة ورغبتنا في تغطية أكبر عدد ممكن من الحالات، تقدمنا بطلب تسجيل المبادرة رسمياً  في أبريل ٢٠٢٠  لدى السلطات المختصة ولقينا ترحيبا من السلطة المحلية في أمانة العاصمة –صنعاء للبدء بأعمال الانقاذ بشكل رسمي ولم يتبق سوى المرحلة الأخيرة من إجراءات التسجيل لتكون “عطاء” أول مبادرة مسجلة رسمياً للعمل في مجال إنقاذ الحيوانات في الجمهورية اليمنية. إلا أننا، حتى بعد إتمام الإجراءات ، مازلنا نفتقر إلى التعاون والتنسيق المنظم مع الجهات الرسمية أو مبادرات مماثلة ومنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية التي قد يكون لها اهتمام بقضيتنا، وهو ما نأمل أن يتحقق فور تسجيل المبادرة بشكل رسمي في الفترة المقبلة خاصة وأن لدينا خططا مستقبلية تهدف إلى توسيع رقعة عملنا لتشمل عدة مدن وبناء فريق عمل  في كل مدينة وربط الأعضاء مع بعضهم البعض ومع أكبر عدد ممكن من الأطباء البيطريين.

على الصعيد المجتمعي، للأسف، ما زلنا نفتقر إلى التفاعل المرجو. وبالرغم من ذلك، فإن إيمان البعض بالرفق بالحيوان سهل علينا مواصلة أعمال الانقاذ دون توقف، فهناك من بادر وفتح بيته من أجل إيواء حيوان قد انتهى به المطاف ببتر أحد أطرافه، وهناك من بادر باستلام حالات حرجة جدا وتوفير مكان لعلاجها لحين شفائها بشكل كامل، وساهم البعض بمبالغ رمزية من أجل توفير الاحتياجات اللازمة لاستمرار حالات الإنقاذ. وكان لأعضاء المبادرة الدور الأكبر في دعم المبادرة سواء على الصعيد المادي أو المعنوي؛ فقد تبرع الأعضاء قدر استطاعتهم لتغطية تكاليف الأدوية والتطبيب سواء بمبالغ شهرية أو بمساهمة مستمرة. كما يخصص الأعضاء الكثير من وقتهم للتنسيق مع الأطباء، والنزول الميداني، والتوثيق المستمر، ومتابعة مراحل العلاج، وتوفير المواد الغذائية، والإيواء منذ لحظة الإنقاذ حتى فترة التعافي. وعلاوة على ذلك، فإن الأعضاء يضطلعون بمجهود كبير فيما يتعلق بالتوعية المجتمعية؛  كل ضمن محيط سكنه وعلاقاته الاجتماعية، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي أثبت جدواه وانعكس على تعامل أفراد المجتمع مع الحيوانات الضالة على مستوى الأحياء السكنية.

العمل الفني لرندا عدنان

دور وسائل التواصل الاجتماعي

كانت بدايتنا مع التأسيس وجمع أعضاء المبادرة عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” ،خاصة أنه يجمع عدداً كبيراً من الناشطات والناشطين في القضايا المختلفة.  وقد سهل علينا فيسبوك سهل، أيضا، العثور على حالات الحيوانات الضالة المصابة؛ و ذلك من خلال منشورات الأفراد المهتمين الذين يقومون بالنشر عن حالات إصابات الحيوانات الضالة، والنداء المطالب بإنقاذها. ومع الوقت تعرف هؤلاء على المبادرة وبدأوا بالتواصل معنا وفور تلقينا البلاغات عبر الانترنت نقوم بالاستجابة والتنسيق الإسعاف وتقديم العلاج للحالات المعلن عنها. ومن جانب آخر، ساعدنا فيسبوك كثيراً في نشر تفاصيل إصابات الحالات التي تصادفنا في نزولنا الميداني أو المبلَّغ عنها، وهو الأمر الذي نتج عنه استجابة وتعاون  بعض الأفراد الذين يتطوعون معنا ومساعدة الفريق في النزول الميداني وفي تكلفة العلاج والإيواء.

من الملاحظ أن عدد المنشورات التي تتناول هذه القضية في تزايد سواء على صفحة المبادرة أو على الحسابات الشخصية. لكن، رغم الصدى الذي تحدثه هذه المنشورات من وقت لآخر، فإن حجم التفاعل لايزال متواضعاً مقارنة بما نطمح إليه خاصة وأن التعليقات على المنشورات محصورة بنسبة بسيطة لا تتعدى ٥٠ تعليقاً كحد اقصى. غير أن ما يحيي الأمل لدينا هو أن عدد متابعي صفحة المبادرة بدأ يتزايد مؤخراً، رغم أن عمر الصفحة لا يزال قصيراً كونها أنشئت مع إشهار المبادرة في ٢٠٢٠. أغلب متابعي عطاء هم من الفئة العمرية ١٧- ٥٠عاما  ممن يشاطروننا حب الحيوانات والرفق بها. ولدى صفحة المبادرة حاليا ما يقارب ٢٠٠٠متابع، وقد تعدت مشاركات الصفحة وأنشطتها ووصول المنشورات بدرجات متفاوتة بين  ١٠٠٠إلى ٢٠٠٠٠ مشاركة. وغالباً ما تنشر الحالة على هيئة ملخص لما تعانيه الحالات  تحت وسم المبادرة الرئيسي #عطاء للبيئة والرفق بالحيوان تليها وسوم أخرى مثل #أمم_أمثالكم  #قيم_دينية #قيم_انسانية #هنا_اليمن #رفق #رحمة #إحسان .

العمل الفني لرندا عدنان

معوِّقات عمليات إنقاذ الحيوانات

رغم تعاون بعض الأطباء معنا، إلا أننا مع الأسف الشديد لا زلنا نعاني من شحة في عدد الأطباء البيطريين الراغبين في التطوع مع مبادرتنا. هذا الأمر راجع لعدة عوامل، أحدها هو شحة الإمكانيات التقنية حتى في فترة ما قبل الحرب. فحتى الآن لم نجد عيادة بيطرية متكاملة ومجهزة بأدوات الجراحة وأجهزة الأشعة والفحوصات المخبرية اللازمة خاصة للحالات التي يصعب تشخيصها وعلاجها. العامل الآخر هو أن عدد الأطباء البيطرين قليل، والكثير منهم محرومون من فرص المعرفة والتدريب خاصة وأن المتوفر من فرص التطوير المهني مقتصرة على علاج المواشي. إلا أن أهم أبرز العوامل وأشدها تعقيداً هو العامل المادي كون أغلب الأطباء يعتذرون عن الخروج إلى موقع الحالة أو يطلبون مبالغ خيالية بالنسبة لقدرتنا المحدودة. الوضع الاقتصادي الصعب والمتدهور  في البلاد بسبب ٦ سنوات من الحرب وارتفاع قيمة العملة الصعبة مقابل الريال اليمني بشكل مستمر هو من أسباب تراجع الأطباء البيطرين عن تقديم المساعدة خاصة بعد توقف الكثيرين منهم عن استلام مرتباتهم الحكومية كباقي موظفي القطاع الحكومي في أغلب المحافظات. وينعكس هذا الوضع، أيضاً، على أسعار الأدوية، فكلما ارتفع سعر العملة الصعبة ارتفع سعر الأدوية؛ مما يحمل المبادرة أعباء أكبر في توفير العلاج. هذا؛ فضلا عن أن بعض الأدوية معدومة بسبب العقبات العديدة التي تسببت فيها الحرب لاسيما حركة الاستيراد والتصدير في اليمن. وعلاوة على كل هذه المصاعب، فإن ارتفاع كلفة المشتقات النفطية وانعدامها يسهم في ارتفاع قيمة المواصلات العامة والخاصة؛ مما يجعل مهمة النزول الميداني والوصول إلى الحالات ونقلها للعلاج مهمة غاية في الصعوبة.

إن انعدام أبسط مقومات الحياة في اليمن يساهم إلى حد كبير في تقلص التجاوب المجتمعي مع عملنا واعتباره رفاهية لا تستحق أن تؤخذ على محمل الجد. هذا؛ رغم أن التوازن الكوني قد جعل للحيوانات مكانا موازياَ لذلك الذي للبشر. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا التوازي بعبارة تجعل المخلوقات تقف في مرتبة واحدة بخصوص الحق الكريم في الوجود، ونقصد قوله تعالى “أمم أمثالكم”، ويأتي في هذا السياق، أيضا، وصايا نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بالرفق بالحيوان. وفي الحقيقة يمكن تفهم عدم القدرة على المساعدة، غير أن ما لا يمكن أن يجد المرء له عذرا هو الأذى المتعمد الذي يعمد البعض إلى إلحاقه بالحيوان بطريقة سادية واضحة، ويدخل في ذلك، مثلا، عدم مبالاة الأهل بسلوك الأطفال العنيف تجاه الحيوانات كتعذيب صغار الكلاب والقطط بحجة التسلية، ومن ذلك أيضا إقدام بعض البالغين على قتل الحيوانات المصابة بحجة أنها قد تنشر الأوبئة إذا ما كانت تعاني من طفح جلدي، رغم أن علاجها سهل ولا يتطلب الكثير. هذا العنف لا يقل وطأة عن المعوقات الاقتصادية التي تواجهنا والتي ذكرنا بعضها سالفاً.  ومما يؤسف له تلك السخرية واللامبالاة التي نواجه بهما من طرف بعض الأهالي عندما نطرق أبوابهم في نزولنا الميداني كي نلفت نظرهم إلى  بعض السلوكيات الخطيرة التي يقترفها أبناؤهم تجاه الحيوانات. ومن المظاهر ذات الدلالات المخيفة ذلك التلذذ المرضي الذي يصاحب تعذيب الحيوانات لدى بعض الفتيان. يرى بعض هؤلاء الأهالي أن ما نسعى إليه يعد ضرباً من السخافة والترف وأن في توجهنا هذا الحقوقي نحو الحيوان استخفافا بمعاناة الناس في اليمن طيلة عقد من الزمان.  وينسى هؤلاء المنتقدون أن مظاهر العنف المختلفة يرتبط بعضها ببعض؛ خاصة أن دراسات عديدة أجرتها جامعات ومراكز بحثية أفضت إلى أن أغلب من يقومون بأذية وتعذيب وقتل الحيوانات يحملون بوادر عنف سيطال مَنْ حولهم مِن البشر في المستقبل.

العمل الفني لرندا عدنان

نافذة ضوء

لدينا حالياً ملجأ متواضع للحيوانات المصابة التي تستدعي المتابعة على مدار الساعة ونأمل أن نجد دعماً يساعدنا في توفير مساحة أكبر تستوعب حالات أكبر. نأمل كذلك في زيادة المتطوعين وتدريبهم، وضم كادر طبي أكبر، والتنسيق لفرص تمنحهم تدريباً مهنياً أوسع. وبالرغم من كل ما تمر به بلادنا من صعوبات ومعوقات تواجهنا كمبادرة شبابية، سنستمر وسنمضي في تحقيق حلمنا وانقاذ الحيوانات من القتل والتعذيب. حتى لحظة كتابة هذا المقال، بلغ عدد الحالات المبلغ عنها قرابة ٦٠ حالة نجحنا في إنقاذ ٥٠ منها. أما العشر الباقية فقد فقدنا موقعها، ولم نستطع علاجها لعدم توفر الامكانيات. ونتمنى أن نكوّن علاقات مع جهات داخلية ودولية من أجل المساعدة في رعاية وإنقاذ عدد أكبر من الحيوانات والتوسع في باقي المحافظات.

من ضمن الحالات التي مازالت حية في مخيلتي حالة كلبة تعرضت لحادث سير أصاب إحدى عينيها وأخرجها من محجرها. وبعد إجراء عملية دقيقة لعينها استعادت الكلبة بصرها بشكل تام. أما الحالة الأخرى التي لا تفارقني فهي تلك الخيول التي أصيبت بإصابات بالغة جراء قصف الطيران للكلية الحربية بصنعاء في مطلع شهر ديسمبر الماضي، وبمساعدة كادر طبي يؤمن برسالتنا، تمكنا، مع الوقت،  من معالجة أكبر عدد ممكن منها. لقد جرى ذلك، رغم استمرار تحليق الطيران فوق الموقع لأيام.  تجارب كهذه هي بمثابة نافذة ضوء تدفعنا للاستمرار والأمل.

اظهر المزيد

زهرة بن حيد

ناشطة في المجال البيئي منذ ٢٠١٢، وتعمل أيضا، مصوِّرة فعاليات عامة ومناسبات خاصة. زهرة حالياً تحارب مرض السرطان بشجاعة وأمل ولم يمنعها المرض من التطوع وتقديم الدعم النفسي لمرضى السرطان الآخرين من حولها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى