fbpx
النساء والنوع الاجتماعي
مقال شائع

المرأة مختلفاً: ما الذي تحمله كتب التراث العربي من صور سلبية عن المرأة؟ (3-3)

المرأة في الأدب العربي

لم تخرج صورة المرأة في الأدب والشعر عن تلك الصورة الشوهاء التي رسمها الرجل في التراث الديني، ولا عجب في ذلك، فإن واضع كل هذا هو الرجل.

يقول الثعالبي: “العرب تكني عن المرأة بالنعجة، والشاة، والقلوص([1])، والسرحة([2])، والحرث، والفراش والعتبة، والقارورة، والقوصرة([3])، والنعل، والغل، والقيد، والظُلة([4])، والجارة، وبكلها جاءت الأخبار ونطقت الأشعار.

وأما النعل، فمنها قول عمر رضي الله عنه: المرأة نعل يلبسها الرجل إذا شاء، لا إذا شاءت([5]).

وأما الغل، فمنه قول بعض الحكماء من العرب، وهو يذكر النساء: ومنهن الودود والولود القعود، ومنهن غل يضعه الله في عنق من يشاء، ويفكه عمن يشاء.

وأما القيد، فمنه قول أبي الحسن الجوهري الجرجاني من قصيدة في الصاحب يذكر استعداده للسير إلى حضرته، ويكنى عن طلاق امرأته:

جوادي قدامي وذيلي مشمر       وقلبي من شوق يجيءُ ويذهبُ

وقد كنت معقولاً بأهلي مقيداً       وها أنا من ذاك العقال مسيبُ([6]).

وهنا لنا أن نتساءل ونقول: أما كان في تسمية المرأة لباساً كما سماها القرآن وسمى شريكها الرجل حين قال: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) غنية عن تسميتها بالنعل؛ وإنما سميت المرأة بالنعل في العصور الجاهلية؛ لأن النعل يُوطأ ويداس، وهذا ما أريد للمرأة أن تكونه؛ وهي بهذه الكناية تكون مقموعة ممتهنة وفي أحط منزلة.

يذكر ابن ابي الحديد أن أحد الأسباب التي أضرمت نار الخلاف والتباعد بين علي وعائشة رضوان الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما شاور علياً في شأن عائشة بسبب قضية الإفك، فأشار عليه بطلاقها تنزيها لعرضه عن أقوال الشناة والمنافقين، وقال له: إنْ هي إلا شسع نعلك.([7])

لقد آن الأوان في إعادة النظر في كل هذه التسميات الموجودة في لغتنا والتي لم تعد الفطرة السليمة تقبلها، ولا الواقع بما حفل به من تطور ورقي في كافة مناحي الحياة عاد يستسيغها. بل نحن بأمس الحاجة لمراجعة كل عادتنا وتقاليدنا وكل منظوماتنا السياسية والدينية والاجتماعية والأخلاقية، وإنه لمن المؤسف أن العالم المتمدن قد رقى خطابه وأساليب التعبير لديه، وهو يعمل بشكل دائم ومستمر على مراجعة كل حياته حتى معاجمه اللغوية قد تجد فيها لفظة قديمة (تاريخية)، ثم يوضع أمامها عبارة تدل أنه من غير المناسب ولا المستحسن التحدث بها، أو أنها لفظة جارحة وغير مقبولة([8]).

ويقول الثعالبي أيضاً في كتابه (التمثيل والمحاضرة) متحدثاً عن الأمثال التي تقال عن النساء نختار منها الآتي:

كل ذات ذيلٍ تختال، ليس لمخضوب البنان يمينُ، (…) لا تحمدنّ أمةً عام شرائها، ولا عروساً عام هِدائها([9])(…)، النساء بالنساء أشبه من الماء بالماء، والغراب بالغراب، والذباب بالذباب([10])، النساء حبائل الشيطان. القبح حارس المرأة (…)، أجعهن فلا يمرحن، وأعرهن فلا يبرحن (…)، اعص هواك والنساء، وأطع ما شئت (…)، ما في الرّجال على النّساء أمينُ (…)، التزوج فرح شهرٍ، وغم دهرٍ، ودق ظهرٍ، ووزن مهرٍ.

العمل الفني لوليد الورد

رُبّ ذئبٍ أخذوهُ … وتمادوا في عقابهْ

ثم قالوا: زوجوهُ … وذروهُ في عذابهْ

أسماء بنت أبي بكر: النكاح رقّ، فانظر عند من تضع رقك(…). المأمون: النساء شرٌ كلهن، وشر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن([11]).

إن هذه الأمثال والمحاضرات التي دونها الثعالبي تعطي صورة قاتمة وبائسة عن المرأة فهي المخلوق المختلف الذي لا يفي بالعهد، وهي مثال الشر، وغير مأمونة الصحبة، وهي مصدر الغم، حتى إن الحاجة إليهن، وهي من محاسنهن التي يتمتعن بها، انقلبت إلى صفة شريرة ومذمومة، وهذا ما يبعث على الحيرة والتعجب.

وعدم الوفاء بالعهد صفة وصمت بها المرأة في المأثور العربي حتى صارت صفة لازمة لها، قال زهير بن أبي سلمى:

ولا أدري وسوف إخالُ أدري    أقومٌ آل حصنٍ أم نساءُ

قال الأعلم الشنتمري في شرحه لهذا البيت: “إنما يريد إذا كانوا رجالاً، فسيوفون بعهدهم، ويبقون على أعراضهم، وإن كانوا نساءً، فمن شيم النساء الغدر وقلة الوفاء”([12]).

هذه هي النظرة التي دان بها الرجل وعاش عليها دهره كله، وهي تجعل من الرجال-كل الرجال- أوفياء، وتجعل من النساء – كل النساء- مثال الغدر وقلة الوفاء.

المرأة عند البحتري

قال البحتري يعزي محمد بن حميد بن عبد الحميد الطوسي عن ابنته والتي هي للهجاء أقرب منها للتعزية والرثاء:

أتُبَكِّي من لا ينازلُ بالسي              ف مشيحاً ولا يهز اللواءَ

والفتى من رأى القبور لما طا           ف به من بناته أكفاءَ

قد ولدن الأعداء([13]) قِدْماً وورث         نَ التلاد الأقاصي البعداءَ

لم يئد كثرهن قيس تميم                 عيلة بل حميةً وإباءَ

وتغشى مهلهل الذل فيهن              وقد أعطى الأديم حباءَ

وشقيق بن فاتك حذر العا             ر عليهن فارق الدهناءَ

وعلي غيرهن أُحزن يعقو                ب وقد جاءه بنوه عشاءَ

وشعيب من أجلهن رأى الوح          دةَ ضُعفاً فاستأجر الأنبياءَ

واستنزل الشيطان آدم في الجنة         لما أغرى به حواءَ

وتلفت إلى القبائل فانظر            أمهاتٍ ينسبن أم آباءَ

ولعمري ما العجز عندي إلا         أن تبيت الرجال تبكي النساء([14])

بقراءة هذ الأبيات نرى أن القوة والفروسية عند البحتري والعربي بشكل عام هي الفضيلة التي تميز الرجل عن المرأة، لذا لا يجوز البكاء أو الحزن عليها؛ لأنها ليست لها صفات الرجل، كما نشاهد في هذه الأبيات كيف جعلت المرأة مصدراً للشرور؛ فهي تلد الأعادي، والمال الذي ترثه يصير إلى الأعداء، وما الأعداء إلا أولادها، ولا أدري كيف تنمو العلاقات الاجتماعية بشكل سليم إذا نظر لها بهذه النظرة المشينة؟!

وفي حين إننا نجد في بعض مناطق اليمن عبارة تقول: إن الخال والد، سنجد في بعضها الآخر المثل القائل: “قتل البزي – ابن الأخت- قبل يكبر”، وإنما يراد قتل البزي، وهو صغير قبل أن يكبر؛ لمطالبته بميراث أمه، ولذلك لا زال في كثير من مناطق اليمن لا يورثون النساء، ويتم أكل حقوقهن التي كتبها الله لهن.

أما قصة إنزال آدم من الجنة ونسبة ذلك إلى حواء، فنجد له صدى في التوراة، وفيها أن المرأة أصل الخطيئة وسببها.

المرأة عند المعري

عاش المعري متشائماً مسيئاً الظن بكل شيء، ولم تكن المرأة استثناء من ذلك،

قال رحمه الله:

علموهن الغزل والنسج والرد           ن وخلوا كتابةً وقراءهْ

فصلاة الفتاة بالحمد والإخ    لاص تجزي عن يونس وبراءهْ([15])

وقال أيضاً:

ولا تحمد حسانك إن توافت     بأيد للسطور مقوِّماتِ

فحمل مغازل النسوان أولى     بهنّ من اليراع مقلَّمات

سهام إن عرفن كتاب لسنٍ      رجعن بما يسوءُ مسمماتِ

ويتركن الرشيد بغير لبٍ        أتين لهديه متعلماتِ

ولا يُدنين من رجل ضريرٍ      يلقنهن آياً محكماتِ

سوى من كان مرتعشاً يداه       ولِمته من المتثغماتِ([16])

يلدن أعادياً ويكن عاراً        إذا أمسين في المتهضماتِ

وقال:

إذا بلغ الوليد لديك عشراً   فلا يدخل على الحرم الوليدُ

فإن خالفتني وأضعت نصحي   فأنت وإن رزقت حجىً بليدُ

ألا إن النساء حبال غي    بهن يُضيع الشرف التليدُ([17])

العمل الفني لوليد الورد

وهكذا يصور المعري النساء بأنهن مصدر للعار، وأنهن أسباب للغي- الضلال-، وأنه لا ينبغي تعليمهن، ويجب حجرهن عن الكتابة، حتى القرآن عليهن ألا يتوسعن في قراءته، وإنما يكفيهن من ذلك سورة الفاتحة والإخلاص، كما أنه لا يجدر الثقة بهن.

المرأة عند ابن شهاب

     لم يتغزل شاعر يمني بالمرأة وأبدع كما فعل ابن شهاب. وابن شهاب علامة مجيد في كثير من الفنون العقلية والنقلية، وهو إلى جانب ذلك شاعر كبير له أجمل القصائد التي تغنى بها الفنانون كمحمد جمعة خان وأبو بكر سالم بلفقيه، وله قصيدة رائعة يرثي زوجته التي توفيت وهو مسافر في الهند بعيداً عنها سكب فيها عاطفةً حرى، ونفساً مشوقة، ومع ذلك ظل ابن شهاب يتوجس من المرأة كغيره من أهل عصره، وله أبيات في ديوانه تشرح ذلك وتفصله، منها قوله:

من أحسن الظن بمحجوبةٍ       من غير أن يسبر أحوالها

تكسوه ثوب العار مهما أتت    ساحبةً في الخزي أذيالها

فاجعل على الأنثى من الحزم أبــ ــواباً ومن عزمك أقفالها

نفائس النوام مسروقة          إن نمت لا تأمن أمثالها([18])

وقوله:

إذا أقسمت أنثى وجادت بدمعةٍ   وأبدت حناناً من فمٍ يقطر العسلْ

فإياك تصديق الكذوب فإنها      تحاول نفث السم في ذلك العملْ

فلا تأمن الأنثى وإن خلت عندها   وفاء وإخلاصاً به يضرب المثلْ

ولا تستشرها في الأمور فعقلها       منوط بذاك العضو إن جار أو عدلْ

أيوجد أنثى لا يكنُّ فؤادها       عظائم من مكر وكيد ومن حيلْ؟!

ومن ظن أن لاسُمَّ في ناب حيةٍ   فذلك مصفوع القفا سفلة السفلْ

نعم يغلب الدين الطبيعة إن يكن   متيناً وخوف الله في القلب لم يزل([19])

وهكذا يمضي ابن شهاب كما مضى غيره من أهل الثقافة العربية في إساءة الظن بالمرأة؛ فهي مصدر للعار، ولا ينبغي تصديقها، وإن حلفت؛ فهي الكذوب المحتالة، وأنه لا ينبغي مشاورتها، فإن رأيها تبع لغريزتها الجنسية؛ حتى إن عدلت في أحكامها فإنها لا تقوم بذلك إلا وفق رغبتها الجنسية! وهي أيضاً صاحبة مكر ودهاء وكيد وحيل، وأنها حية رقطاء لا يصدر منها إلا الأذى والشرور، ويحكم على من لم يصدق ما قاله بأنه يستحق أن يضرب على قفاه، ويعده أسفل من السفلة أنفسهم، لكنه يعود فيستثني ذوات الدين اللواتي يغلب دينهن أصل الطبيعة الشريرة المتأثلة فيهن بحسب رؤيته.

 وقد أنصف ابن شهاب المرأة بعد ذلك وتظلم عنها، فقال على لسانها:

واهاً لما يلقى البنا            ت من امتهانٍ واقتراحْ

يتحكم الرجل المشـ           ـوّه في الصبيات الملاحْ

ويسلط الفظ الغليـ             ـظ على المهفهة الرداحْ

سيان قدراً عنده                رسن البهيمة والوشاحْ

فكأنها ملك اليميـ           ـــن يسوقها سوق اللقاحْ

ويسومها شططاً وير        غمها على طلب السماحْ

فتجيب عربدة السفيـ         ـه بالاعتذار والامتداحْ

والخوف يخنقها ويمـ         ـنعها التبرم والصياحْ

ترجو السلامة حيث لم      تنبس بآهٍ أو بآحْ

حتامَ يصبرن النسا        ء على الهوان والاطراحْ

وعلامَ هن ما يميط       قذى بصائرهم شحاحْ

أَولسنَ زينة هذه الد        نيا وأطيب ما يراحْ

هن الرياض بها شميم الـ    ورد يسطع والأقاحْ

يشفى السقيم بقربهـ   ـــن إذا الشذى منهن فاحْ

أبغيرهن العيش يص   فو والهموم بمن تُزاحْ؟!

أف لشخص حقهن    لديه مهضوم مطاح ([20])

المرأة في الأمثال اليمنية (إب أنموذجاً)

انتهينا تقريباً من سياحتنا في بعض ساحات الموروث العربي والتي رصدنا فيها بقدر الإمكان وضع المرأة كمخلوق مختلف محكوم عليه بالقبح والشر في هذه الثقافة، وبقي أن نحط رحالنا في مدينة يمنية جميلة بأهلها وناسها وطبيعة أرضها، وهي مدينة إب لنلق نظرة أخيرة نستجلي فيها وضع المرأة فيها حتى تقيس بها -بطريق الأولى- غيرها من المدن الموغلة في التخلف والبداوة.

فإلى هذه الأمثال التي جادت بها هذه المدينة:

  • ابن ابني لي وابن بنتي فلا.
  • البنات منكسات العمائم.
  • تربية مره.
  • لو محبة الزواجه دامه ما قامت القيامه.
  • لا تبده للمره بأضراسك تبدي لك بِحَمَار(…).
  • وليد عاصي ولا عشر بنات مطيعات.
  • موت البنات من المكرمات.
  • يا حَنِقه لا بد من رجوعك لا ينفعك أهلك ولا دموعك([21]).

لا نحتاج أن نؤكد أن هذه الصورة التي صورت عن المرأة في هذه المدينة الخضراء قاحلة ومجدبة، لكنها وحدة الروافد التي أدت إلى نفس النتائج، ووحدة القائل وهو الذكر،

           وآخرها بأولها شبيهٌ     وتصبح في عجائبها وتمسي

 فالمثل الأول هو تكرار للمعني العربي القديم القائل:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا      بنوهن أبناء الرجال الأباعدِ

وأما المثل الثاني: فقد وجدننا صداه في شعر المعري وابن شهاب.

وأما المثل الثالث: فينتقص من قدرة النساء على التربية، وهو أمر متوقع مادامت الصورة النمطية المرسومة عن المرأة لم تبارح ما هي عليه.

وأما المثل الرابع: فنجده في المثل الذي ذكره الثعالبي حين قال عن الزواج: إنه فرح شهر، وغم دهر، ودق ظهر.

وأما المثل الخامس فهو ما نجده في الرواية عن الشافعي والتي ذكرها الغزالي.

وأما المثل السادس: فهو يمثل قمة الظلم لجنس النساء، بحيث أن عشر بنات مطيعات لا يعدلن الولد العاق؛ ولا ندري ما المعيار الذي وزن به هذا التقييم؟! فالولد العاق يظل له الأفضلية بسبب جنسه وجنسه فقط، ولن ينفع البنت مهما عملت وجهدت في أن تكن مطيعة وحسنة السلوك أن تنال الرضا والقبول، وهذا يذكرنا بالتفكير النحوي عند العرب، فإن من قواعد العربية أنك تقول: مئة امرأة ورجل جاءوا، فتغلب الرجل الواحد على مئة امرأة بالإتيان بضمير الذكور وهو واو الجماعة بدل ضمير النسوة وهو النون في جئن.

وأما المثل السابع: فما هو إلا تكرار إلا للمثل العربي القديم، وإن بصورة معدلة نوعاً ما بسبب الإسلام الذي يمنع من وأد البنات، والمثل العربي القديم يقول: وأد البنات من المكرمات.

إن العربي لم يتشرب الدين كما تشرب القبيلة كما يقول الفقيه والمفكر اللغوي عبد الله العلايلي، ولم يتشرب مبادئ الدين ومثله العليا كما تشرب جاهليته الأولى، ووأد البنات وإن كان اختفى في ظاهر الأمر من البيئة العربية إلا أن الرغبة العميقة في دفن المرأة ظلت حاضرة في المخيال العربي، وهو ما يظهر ويتبدى في هذا المثل: موت البنات من المكرمات.

إن العربي يتمنى موت المرأة وإزالتها من الحياة، وهو وإن كان أخفق في دفنها جسداً، فقد نجح ولوقت طويل في دفنها رمزياً عن طريق تشويهها وشيطنتها وجعلها مصدر الشرور والآثام. فالمرأة هي العقدة الأوديبية بالنسبة للرجل الذي يسعى حثيثاً إلى قتلها والخلاص منها ([22]).

العمل الفني لوليد الورد

وهذا ما يحيلنا إلى تسمية الموات بالأنثى، وتسمية العرب لبنات نعش([23]) بهذه التسمية، فهل اقتران البنات بالنعش كان اتفاقاً ومحض صدقة؟

كلا، فاللغة لا تعرف الصدفة؛ إنها قصد ونية وعمل منظم. إن العربي لا يرتاح حتى يرى المرأة مخلوقاً ميتاً؛ محمولة على النعش، متوارية تحت التراب، وهو إن لم يفلح في ذلك، فإنه يُعفِّي على سيرتها، ويمحي خطها الذي تسرد بها تاريخها، ويمنحها حق الحياة والاستمرارية.

نستطيع القول بعد هذه الطيافة السريعة: إن ثقافتنا الحاضرة ما هي إلا امتداد لعصور قديمة لم يفلح حتى الإسلام من الخلاص منها، وهذا معنى إعادة التاريخ، فتاريخنا العربي لم يبرح تلك المناطق المظلمة التي سادت وامتدت حتى عصرنا الحاضر، ومالم يتم إعادة النظر وتجاوز هذه المنطقة البائسة، فلن نتقدم قيد أنملة طالما أن شطر الحياة الآخر محاطة بكل هذه الأفكار الشيطانية التي ألبستها.

لكننا نجد بارقة أمل في تراث أهل التصوف، وهي قصة تعيد للمرأة اعتبارها ومكانتها، وتظهر كيف عمل الرجل والمرأة معاً على التغيير المطلوب.

يذكر أهل التصوف أن الشيخ عبد الرحمن السقاف وهو أحد أقطاب التصوف بحضرموت اليمن سار من تريم لزيارة الشيخ سعيد العمودي، فلما وصل إلى تريس وجد الحرب قائمة بين ابن ثعلب وخصمائه، والنخل يتساقط من الضنا وعدم السقي، فقال في نفسه: تعارض أمران: الزيارة، وإصلاح الوادي، والإصلاح أولى، فانثنى راجعاً إلى الشيخة العارفة بالله سلطانة بنت على الزبيدي- وهي إحدى أقطاب التصوف في حضرموت وتشبه برابعة العدوية في صلاحها-، وقال لها: نريد والياً عدلاً لحضرموت، فاتفقا على أن يكون الوالي أول من يدخل عليهم في ذلك المجلس، فدخل رجل سقاء يحمل الماء على ظهره، فقالا له: وليناك على حضرموت بأسرها، فقال: كيف أكون واليها، وأنا بهذا الحال، ولا قوة ولا مال؟! قالوا: اذهب إلى بلد بور، وفيها كانت قاعدة المُلك، وفيها الوالي فلان، وقد عزلناه، وأقمناك مقامه.

في هذه الرواية تظهر المرأة بجانب الرجل، وفيها نرى أن الرجل لم يستقل بأمر الإصلاح بنفسه، وإنما ذهب إلى المرأة – شطره الآخر- وشاورها في ضرورة الإصلاح([24])، وعملا معاً نحو التغيير المنشود.

هؤلاء الصوفية الذين يقول عنهم الأستاذ الإمام محمد عبده أنه لم يوجد في أمة من الأمم من يضاهيها في علم الأخلاق وتربية النفوس هي مع غيرها من المفكرين المستنيرين والمفكرات المستنيرات والمثقفين والمثقفات الأمل المنشود في تغيير واقعنا، وإن غداً لناظره قريب!


 ([1]) القلوص: الفتية من الإبل.

 ([2]) السرحة: شجرة عظيمة طويلة لا ترعى، وإنما يستظل بها، لها ثمر أصفر.

 ([3])القوصرة: وعاء من قصب يرفع فيه التمر.

 ([4]) الظُلة: أول سحاب تظل، والشيء يستتر به من الحر والبرد.

 ([5]) النهاية في الكناية المعروف بالكناية والتعريض، لأبي منصور إسماعيل الثعالبي، تحقيق، فرج الحوار، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة – تونس، ص13.

 ([6]) المصدر السابق، ص17.

 ([7]) شرح نهج البلاغة، لابن ابي الحديد (مصدر سبق ذكره)، جزء 9، ص 194.

 ([8]) قد تجد في المعجم الإنجليزي مثلاً كلمة لم يعد مقبولاً التفوه بها، فيوضع أمامها لفظة (offensive)، أو (impolite) حتى يتجنب استخدامها؛ إذ قد صارت هذه الكلمة في حكم التاريخ، وقد تجاوزها الحاضر.

 ([9]) هدائها: زواجها.

 ([10]) أي أنهن سواء في الشر.

 ([11]) التمثل والمحاضرة لأبي منصور الثعالبي، دراسة وتحقيق، أطروحة مقدمة لنيل درجة دكتوراه الدولة، إعداد زهية سعدو، إشراف الشريف مريبعي، السنة الجامعية: 2/ 2005م، ص323- 327.

 ([12])  شعر زهير بن أبي سلمى، صنعه الأعلم الشنتمري، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، الطبعة الثانية، دار القلم العربي بحلب، ص 136- 137.

 ([13]) هنا نجد تناصاً للمعري في لزوميته حيث يقول: يلدن أعاديا ويكن عاراً… إذا أمسين في المتهضماتِ

 ([14]) ديوان البحتري، دار صادر، بيروت، جزء 2، ص54.

 ([15]) اللزوميات، لأبي العلاء المعري، مكتبة الخانجي، القاهرة، جزء1، ص20.

 ([16]) المصدر السابق، جز1، ص180- 181.

 ([17]) المصدر السابق، جز1، ص 247.

 ([18])  ديوان ابن شهاب، مكتبة التراث الإسلامي، دار التراث اليمني، ط2، 1417هـ/ 1996، ص193.

 ([19]) ديوان ابن شهاب، ص199.

 ([20]) المصدر السابق، ص112-113.

 ([21]) دليل مفردات لهجة وأمثال مدينة إب ومعانيها، د. محمد عبد الكريم المنصوب، ص179، 182، 194، 197، 203، 204، 211، 213. 216.

 ([22]) لقد عاش الرجل متوجساً من المرأة لا يطمئن إليها، ولا يثق بها، بل يراها مصدر الغواية، وبؤرة الشر، يقول سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء. ويقول، وقد بلغ من السن أربعاً وثمانين سنة، وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى: ما شيء أخوف عندي من النساء. انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، جزء 7، ص266.

 ([23]) بنات نعش: نجوم في الدب الأكبر وهي إيسيلون، وزيتا وإيتا وغما. انظر: بهجة المعرفة – الكون، المجموعة الأولى، المجلد الثاني، ص300.

 ([24]) يقول علامة حضرموت عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف في كتابه (إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت)، تحقيق محمد أبو بكر باذيب، ومحمد مصطفى الخطيب، ص757 عند ذكره للشيخة سلطانة: و”كان الشيخ عبد الرحمن السقاف وأولاده أبو بكر وعمر يزورونها”. وذكر أن بعضهم قال لها: “والبكرة يومها ناقة تماري الجمال”، فأجابت عليه قائلة: “الحمل بالحمل والزايد لبن والعيال”. فعلى المرأة أن تحذو حذو الشيخة سلطانة في حضور الجواب وعمق المعرفة.

اظهر المزيد

وضاح عبدالباري طاهر

باحث مختص في التاريخ الثقافي اليمني. صدرت له أربعة كتب: "ضحايا المؤرخين: ابن خلدون وابن عبيد الله السقاف أنموذجاً" 2007، "رحلة في كتاب ومؤلف"، "العلماء والاستبداد"2010، و"قراءات في التراث والتسامح" 2017. ولوضاح مقالات منشورة في منصات وصحف مختلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى