fbpx
تاريخرأي
مقال شائع

عقد على فبراير الكبير: على أي نظام كانت الثورة؟

  منذ أن اندلعت الثورة في اليمن “رسميًا” في الحادي عشر من فبراير قبل عشر سنوات، لا تكف الأسئلة عن فرض نفسها علينا، عن التأريخ للحدث، ومعناه، وتحليل المسار الذي أوصلنا إلى حقبة هزيمة الثورة على يد تحالف الثورة المضادة (صالح والحوثيين) والحرب التي أشعلها فأوقفت مسار الثورة وهي بعدُ في خطواتها الأولى. رغم إلحاح الأسئلة وكثرتها، ثمة سؤال يشغلني في هذا المقال، ليس عن الثورة بل عن النظام الذي قامت الثورة ضده، عن ماهيته وتحولاته. الإجابة على هذا السؤال مهمة لسببين: الأول تأريخي، والثاني يخص الحاضر والمستقبل؛ عبر الإجابة على هذا السؤال لن نفهم الثورة فحسب بل وعوامل نجاح الثورة المضادة كذلك، ذلك النجاح الصادم بسرعة اكتساحه للمجال العام ودهس المجتمع والحرب التي أشعلها ولا تزال اليمن تكابد كوارثها إلى يومنا هذا.

ما سيقوم به المقال مقاربة السؤال فحسب لا الإجابة عنه؛ فتلك مهمة مؤسسات بحثية، ولكن قبل ذلك يجب استحضار عدة أمور: الأول هو تجاوز الكلام العام عن نظام صالح، مثل القول إنه كان نظام فساد ومحسوبية وقهر وتدمير لأخلاق وسايكولوجيا المجتمع؛ هذا كلام صحيح ولكنه غير كافٍ لفهم النظام أو لبناء مشاريع وتصورات سياسيّة. والثاني أن رؤية نظام صالح كتلةً واحدة صماء ممتدة منذ 1978 وحتى 2011 تصور يرتكب خطأ فادحًا؛ ربما لم يعرف نظام رئيس عربي في آخر 50 سنة تحوّلات بضخامة تلك التي مر بها نظام صالح. كما أن هذا التصوّر أحد مصادر ابتسار النظام من سياقه التاريخي والتركيز في تفسير الواقع على الدور الشخصي، وما ينتج عن ذلك من خرافات وخوارق تنسب لشخص علي عبد الله صالح استطاعت دعاية النظام غرسها في الثقافة السياسية لدرجة أن قادة سياسيين معارضين وأكاديميين ومثقفين –من الذين يتحدثون ليل نهار بالمناسبة حول استعداد الشعب اليمني لعبادة الفرد- كانوا ينشرونها في جلساتهم وكتاباتهم بتلذذ غريب، وبعضهم لا يزال ينشرها بحماسة إلى اليوم!

أحد أسباب هذا التصور الخرافي لنظام صالح هو ضعف إنتاجية مؤسسات العلوم الاجتماعية عندنا بسبب القمع السياسي والاقتصادي والإداري (موازنات الجامعات والمراكز البحثية المتخصصة وسياسات التعيين فيها وتنغيص معاش الأكاديميين المثقفين والحزبيين)، ورثاثة البيروقراطية الحزبيّة، وفشل الصحافة والمثقفين إلى حد ما في ربط المنتج الأكاديمي بالنقاش العمومي و”ترجمة” الجهد البحثي إلى الرأي العام.

الصورة من موقع صحيفة الوطن

كرسي فريد

بدأ نظام صالح بالمرحلة التي يمكن تسميتها بمرحلة الحرب الباردة (1978-1990)، ويصورها صالح عادة في خطبه ومقابلاته بأنها كانت مرحلة مرعبة تصدى لها بشجاعته، ويقوم بعض الكتاب بإضافة “ودهائه وحنكته” لتفسير نجاحه. في واقع الحال وصل صالح إلى السلطة بعد أن تم بناء الدولة والنظام والجيش في شمال اليمن وتحديدًا في عهد إبراهيم الحمدي (1974-1977)، كما أن كفاءة البيروقراطية وكوادرها التي حققت نجاحات على رأسها إدارة الأزمة المالية في الثمانينيات التي هزت النظم العربيّة_ هي الكوادر التي صُعدت في عهد الحمدي والبيروقراطيّة التي اكتمل تشكل أجهزتها فيه. كما أن عمليات توحيد الجيش وتحويله إلى مؤسسة حديثة بدأت بإصلاحات إبريل 1975.

وصول صالح نفسه، وكثير من “رفاقه” إلى مناصب عسكرية قيادية، كان منتج عملية إصلاح الجيش التي كانت بدورها جزءًا من مشروع تشييد دولة حديثة في شمال اليمن. الفكرة الشائعة عند بعض المثقفين اليمنيين تقول إن نظام 13 يونيو “عَسكَر النظام” بوصول الحمدي ورفاقه الضباط إلى الحكم والانقلاب على “الرئيس المدني الوحيد في تاريخ اليمن الشمالي”. ولكن هذا غير دقيق ويحتاج نقاشًا فاحصًا؛ لأن ما حصل كان أمرًا أعمق وأخطر من ذلك، ولأن مدنية الرئيس لا معنى لها إن لم تكن لديه سلطات رئيس، وإن لم يكن نظامه مدنيًا أصلًا، أي إذا شاركه الجيش في الحكم. هذا عمومًا من مظاهر ولع المسيسين عندنا بالألقاب دون استحضار السياق الذي يعطيها معنى واضحًا.

 لم يصبح الجيش قائد الدولة في عهدي المشير السلال والقاضي الإرياني، ليس لأن نظامهما كان مدنياً أو لأن الرئيسين كانا ديمقراطيّين أو من “الناس الطيبين”، بل لأن الجيش بالأصل لم يكن القوة الأولى في الدولة، وفي عهد الإرياني كانت تمزقه الولاءات المتضاربة ومقسم بين عوائل قبلية كإقطاعيات بيروقراطيّة، وجهاز الدولة المدني (وزارات وهيئات وإدارات المحافظات) كان كذلك مقسمًا بين أقطاب نظام 5 نوفمبر. في هذا الوضع الذي يُقتسم فيه الجيش وجهاز الدولة ومصادر الدخل القومي، لم تكن البيروقراطية ولا الجيش قوة عليا أو حتى طرفًا في الدولة، وبسبب هذا الوضع أيضًا تمكنت قيادات قبلية من حيازة السلاح والأموال، وبالتالي مقابل جيش مقسّم كان ثمة منافسون كبار لديهم الأموال والذخيرة وخزان المقاتلين ويسيطرون على قطاعات في البيروقراطيّة بل وقطاعات في الجيش نفسه.

 الجيش آنذاك لم يحكم لأنه ببساطة كان عاجزًا عن ذلك. نظام الحمدي لم يعسكر الحكم بحركة 13 يونيو 1974، وفكرة اختزال عسكرة الحكم بوصول ضباط إليه أمر فيه قدر من الاستسهال؛ السلال كان ضابطًا وبعض وزرائه كانوا ضباطًا ولكن يصعب وصف نظامه السياسي بإنه كان نظامًا عسكريًا.

المفارقة الخطيرة هنا أن سياسات نظام الحمدي الإصلاحيّة بالذات هي التي عسكرت النظام في شمال اليمن لاحقًا. العمليّة، بتبسيط مخل وإهمالًا لكثير من التفاصيل، تتلخص في التالي: نظام الحمدي قام بتوحيد الجيش وسعى إلى تحويله إلى مؤسسة، بالتوازي مع استكمال بناء جهاز الدولة الحديث جهازًا “عقلانيًا” تديره الحكومة وأجهزة النظام حصريًا ويقوم بإدارة المجتمع عبر خطط خمسية ومؤسسات وقوانين ولوائح داخليّة، ويسيطر على مصادر الدخل ويحدد السياسات الاقتصادية والاجتماعية بدون شركاء ومنافسين. بدون مجتمع مدني صلب ومنظم، وطبقة وسطى واسعة، وأحزاب قوية تتصارع في إطار ديمقراطي، أو حتى حزب حاكم أيديولوجي له سياسات شمولية_ الناتج الحتمي لهذه العملية، عملية خلق “دولة حديثة” من واقع ما قبل حديث، هو أن الجيش يصبح القوة الأولى في المجتمع السياسي، والبيروقراطية تصبح القاعدة الاجتماعية لمن يسيطر على الحكم.

صورة لجريدة الأنباء الكويتية في 13 أكتوبر 1977

 في العالم الحديث، التحديث ضروري، ولكنه ليس جميلًا ولا مريحًا، بل هو عملية مؤلمة وعنيفة للغاية. في اليمن، كانت الحرب الأهلية بعد 1962 من أثمان التحديث وإقامة الجمهوريّة، واستكمال حلم التحديث بقيادة نظام الحمدي كان له ثمنه أيضًا، وكانت حياة الحمدي شخصيًا وكثير من رموز نظامه أقل هذه الأثمان وأبسطها. ولهذا أيضًا كان الانقلاب على الحمدي بهذا الطابع الدموي الاجتثاثي؛ فلم يعد ممكنًا الانقلاب على النظام بتحريك بعض القوات وتحقيق تفاهمات مع مختلف القوى الكثيرة الفاعلة والمتوازنة داخل المجال السياسي ونفي بضع قيادات كما حدث مع السلال والإرياني. أصبح النظام أكثر تماسكًا وتمايزًا وأعتى منها بحيث كان من المحتم أن تتم تصفية وخلع جناح كامل فيه حتى ينجح الانقلاب. عدم استيعاب تمايز الجيش في عهد الحمدي من بقية القوى الاجتماعية والسياسية في البلاد، وتحقيق إصلاحاته التحديثيّة تنظيماً أقوى لجهاز الدولة واستقلالًا نسبيًا أكبر عن باقي القوى وتحديدًا مشائخ القبائل المحيطة بصنعاء_ هو جوهر فشل انقلاب الناصريين على صالح في أكتوبر 1978: كانوا يريدون انقلابًا غير دموي على طريقة حركة 13 يونيو، بينما تحول النظام بحيث لم يعد ممكنًا إنجاح الانقلاب إلا بالبدء بتصفية صالح وكل جناح الغشمي داخل النظام.

علاوة على هذا التحول الأساسي في النظام، استُكمل في مرحلة الغشمي القصيرة (أكتوبر 1977 – يونيو 1978) الانقلاب على نظام الحمدي بتنقية الجيش من رموز حركة 13 يونيو، وخلع جناح الحمدي من أجهزة السلطة، وتطهير المجال السياسي من الاشتراكيين والناصريين، واختتمت هذه المرحلة -وأشدد هنا على أنها اختتمت ولم تبدأ- في ثالث شهر من حكم صالح، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها الناصريون في أكتوبر 1978. حتى في موضوع “اغتيالات الرؤساء”، والذي يذكر دليلًا على خطورة منصب الرئاسة آنذاك، الكثير من التضليل. الحمدي قتل وبقية رفاقه في انقلاب قاده الغشمي وشارك فيه علي صالح (وثمة قرائن وشهادات على مشاركة صالح في عملية اغتيال الحمدي شخصيًا)، بمعنى أن سفّاك الدماء كان الجناح الذي فيه صالح، إن لم يكن بمشاركته المباشرة. أما الرئيس الغشمي فيتناسى كثيرون أنه لم يُقتل نتيجة صراعات داخليّة؛ أي لم يقم عليه انقلاب أو ينفذ الاغتيال طرف في شمال اليمن، بل قتل في حادثة فريدة على يد رئيس دولة أخرى أرسل له مبعوثًا شخصيًا انتحاريًا يحمل حقيبة متفجرة، ولا أعتقد أن اغتيالًا كهذا حدث في أي مكان آخر بالعالم!

 وصل صالح إلى السلطة وقد قطع الجيش شوطًا في تحوله إلى مؤسسة، وأصبح الطرف الأقوى في الدولة، وقد نُقّي من المعارضين والأنداد على يد الغشمي وبمشاركة صالح المباشرة (أحداث الحُجَريّة)، وقد تشكلت بيروقراطية فيها كوادر ذات كفاية عالية، واقتصاد يدار بشكل جيد، ومجتمع تتوسع فيه الطبقة الوسطى، وفي ظل طفرة نفطية تدر على اليمن الشمالي قرابة مليار دولار في العام، كما أن الطرف الوحيد الذي مارس قتل الرؤساء في الانقلابات في تاريخ الجمهورية كان الطرف الذي ينتمي له صالح. كانت دعاية النظام تكرر باستمرار أن صالحًا لم يصل السلطة على ظهر دبابة، وهذا ليس دقيقًا؛ فصالح شارك في انقلاب الغشمي وأصبح من أركان النظام. ولكن في نهاية فترة الغشمي لم يعد إخراج الدبابة إلى الشوارع سهلًا، ولم يعد ضروريًا حين يشغر كرسي الرئاسة؛ فقد أضحى الجيش القوة الأولى التي يجب أن تخرج من قياداته زعامة النظام حين لا يحتل أحد كرسي القيادة.

بالإضافة إلى ما سبق، ترافق صعود صالح إلى الحكم (يوليو 1978) مع حدث كبير في الحرب الباردة وهو غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان (ديسمبر 1979). استفادت الأنظمة المتعاقبة في شمال اليمن من الموقع الجيوسياسي للجمهورية العربية اليمنية التي كانت تقع حاجزًا بين قلعة المحافظة العربية وأهم حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة العربية (المملكة العربية السعودية) والدولة الشيوعيّة الوحيدة في العالم العربي وحليفة الاتحاد السوفييتي (جمهورية اليمن الديمقراطيّة الشعبيّة). ولكن غزو أفغانستان خلق عدة معطيات جديدة بالنسبة لليمن الشمالي: الأول استنتاج السعوديّة والولايات المتحدة الأمريكية ضرورة استقرار النظام في الشمال لكونه الآن حليفًا مهمًا في الحرب الباردة في التحشيد لاستنزاف السوفييت، والثاني تمتين التحالف بين نظام صالح والإخوان المسلمين (والسلفيين والجهاديين لاحقًا) الذي بدأ لمواجهة اليمن الجنوبي والجبهة الوطنية في المناطق الوسطى، ثم تطور مع مشاركة شمال اليمن في الجهود الأمريكية السعودية بخصوص حرب أفغانستان. ظهرت “أفضال” الموقع الجيوسياسي على نظام صالح مبكرًا، في حرب فبراير 1979 بين اليمنين الشمالي والجنوبي. نتيجة لعمليات تصفية ونفي الكوادر العسكرية المدربة وذات الخبرة منذ الانقلاب على الحمدي في أكتوبر 1977 وحتى أكتوبر 1978، وسياسات الغشمي وصالح الاستئصاليّة المتهورة في جهاز الدولة والمجتمع الحزبي، والتنكيل بالحواضن الشعبية للقوى اليسارية_ انخفضت بشكل واضح الكفاءة القتالية للجيش، وفقد النظام الكثير من التعاطف الشعبي، كما أن اغتيال الحمدي وما تلاه من اعتقالات وتصفيات لليساريين والناصريين أسقط تفاهمات التهدئة التي كان نظام الحمدي قد أجراها مع المليشيات اليسارية في المناطق الوسطى ومع نظام اليمن الجنوبي، فاندلعت الحرب بقيادة الجبهة الوطنية (اليسارية) واليمن الجنوبي، واستطاعت الانتصار بشكل مفاجئ وسريع على قوات اليمن الشمالي عام 1979 وكانت تشق طريقها إلى صنعاء، وأضحى جليًا أن نظام صالح الوليد ساقط لا محالة، ولكن الجامعة العربيّة وقفت مع نظام صالح، بل وهدد السوريون بإرسال قوات لدعم النظام في الشمال. ثم أتت الضربة القاصمة التي أوقفت زحف الجبهة الوطنيّة حين رفض السوفييت هذا التغيير في موازين القوى والاحتكاك مع الولايات المتحدة الأمريكية، وضغطوا على حلفائهم في اليمن الجنوبي لكي يسحبوا القوات التي كانت على وشك إسقاط صنعاء وهددوا بقطع الإمدادات العسكرية والذخائر عن اليمن الجنوبي الذي كان يعتمد بشكل كبير على الدعم السوفييتي، وهكذا نجا نظام صالح من هزيمة ماحقة.

في كلام آخر، حين صعد صالح إلى الحكم، جلس على كرسي قوي ومريح لم ينعم به أي رئيس يمني –في الشمال والجنوب- منذ ستينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا. المشكلة الشائعة التي تغيّب هذه الحقيقة عند بعض المحللين هو غياب تمييز تماسك النظام وعوامل قوته من استقرار الدولة ومن شرعيته، وعدم التفريق بين عوامل استقرار السلطة في الداخل والتهديدات من الخارج.

الصورة بإذن من عبدالرحمن حسين

السبع العجاف (1994-2001)

 

1-المجتمع والاقتصاد

في مرحلته الأولى، ظل نظام صالح، بسبب منافسته الإيديولوجيّة للنظام الماركسي في الجنوب، محافظًا على حد أدنى من سياسات التنمية والاهتمام بالاقتصاد الوطني ولم يسمح للإسلاميين بالسيطرة تمامًا على الفضاء العام رغم تحالفه معهم؛ بقيت الحريات الشخصيّة للمواطنين تحظى بالحماية، والمؤسسات التعليمية بإدارات جيدة، والهيئات الفنية (معارض وندوات ومؤتمرات ودور سينما) استمرت في العمل، وحظيت المنشورات والمجلات الثقافيّة بدعم من النظام. ثم أتت مرحلة الوحدة (1990-1994) التي انتهت بالحرب وانتصار صالح فيها. ثم في مرحلة السبع سنوات (1994-2001) حدثت التحولات الكبرى في الجمهوريّة اليمنية، ومداخلة المقال أن نظام صالح الذي قامت ضده ثورة فبراير أخذ شكله النهائي على مستوى تركيبته وبنيته، والتوجهات الاقتصادية، والسياسات الاجتماعية، والعلاقات الخارجيّة_ في هذه الفترة التي نسميها مرحلة السنوات السبع.

بعد حرب 1994 كان نظام صالح قد حقق أكبر انتصاراته بتغلبه على الانفصاليين المطالبين بفك الارتباط بقيادة الرئيس السابق علي سالم البيض، متخلصًا بذلك من شريكه في الوحدة (الحزب الاشتراكي) وممزقًا إياه بحيث لا يعود منافسًا للنظام ويتحول إلى مجرد حزب معارض آخر. تركّز في تلك اللحظة التاريخيّة تناقض مهم في تاريخ النظام: في لحظة نشوة النظام وحلفائه بانتصارهم الكاسح، كانت شرعيّته في أكثر أطوارها هشاشة. كانت منابع شرعية النظام النظام اليمني (شمالًا وجنوبًا) هي ذاتها منابع شرعية النظام العربي: الالتزام القومي، التحرر من الاستعمار والتخلف والفقر، الوعد ببناء دول حديثة، والالتزام بالقضية الفلسطينية. ولكن كان للنظامين الجمهوريين في الشمال والجنوب اليمنيين مصدر شرعية إضافي وأساسي وهو تحقيق الوحدة بين الشطرين. غداة انتصار صالح في حرب 1994 حقق النظام وعده التاريخي وهكذا وصلت شرعية النظام الوحدوي إلى ذروتها وبدأت نهايته آنٍ معًا، وأضحى النظام في مواجهة مباشرة مع مطالب التنمية وبناء الدولة والتحول الديمقراطي حتى يتحصل على شرعيّة جديدة، خاصةً أن النظام بعد انتهاء الحرب بدأ في ممارسات تسلطيّة وانتقاميّة شرخت قوة شرعية الوحدة منذ البداية. وفي رأيي، وبخلاف ما هو مجمع عليه تقريبًا في المجال السياسي، لم تكن حرب 94 ضربًا للوحدة؛ فقد كانت حربًا لها سندها القانوني والأخلاقي والوطني، ولكن الشرخ الكبير في الدولة والمجتمع وشرعية النظام كان في طريقة إدارة الحرب وسياسات المنتصر (نظام صالح وحلفائه القبليين والإسلاميين) في “اليوم التالي” للانتصار. لكن صالح فهم الحدث باتجاه عكسي؛ اعتقد أن النظام الآن بتحقيق الوحدة بالحرب اكتسب شرعية غامرة تعطيه دفعة كبرى لممارسة سياسات لم يكن يجرؤ على ممارستها في الماضي. وهكذا، وفي مرحلة هشاشة شرعية النظام تحديدًا انطلق صالح في إعادة تشكيل نظامه والتخلص من مرحلة الجمهورية فضرب ما تبقى من شرعية لنظامه في غضون سبع سنوات.

 بدأ النظام هذه المرحلة بترجمة انتصاره في الحرب إلى تعديلات دستورية في سبتمبر 1994، وكانت مكسبًا لحليف صالح التاريخي في كل معاركه السابقة وهو التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون) عبر نزع ما له علاقة بالسياسات الاشتراكية والالتزامات الاجتماعية للدولة تجاه المواطنين، والتشديد على مكانة الشريعة الإسلامية في التشريع. كما فتحت باب مرحلة التلبرل الفاسدة التي كان نظام صالح يحضر الاقتصاد اليمني لها، وكان حلفاؤه الإسلاميون متحمسين لها ويجهزون أنفسهم للانخراط فيها (والإسلاميون عمومًا في العالم العربي لهم مقاربات اقتصادية نيوليبرالية ولا يحتل مبدأ العدالة الاجتماعية مكانًا يذكر في برامجهم السياسية وتصوراتهم التنموية، ولهذا أسبابه). وختم النظام مرحلة السبع سنوات بأول انتخابات رئاسية عام 1999، وبتعديلات دستوريّة كذلك، وكانت بحدتها ولا مبالاتها بكل المجتمع السياسي علامة استقرار النظام واكتمال تشكله؛ فقد أقرت التعديلات تمديد فترة الرئيس إلى سبع سنوات، وإشراك مجلس الشورى (المعين من الرئيس) في اختصاصات مجلس النواب خاصة تزكية المرشحين للانتخابات الرئاسية، كما أعطت رئيس الجمهوريّة صلاحية حل مجلس النواب وبدون استفتاء شعبي!

الصورة بإذن من عبدالرحمن جابر

اقتصاديًا، عانى اليمن بعد حرب 1994 من تدهور اقتصادي قاسٍ كانت بوادره في شهور الوحدة الأولى بعد تأزم العلاقات اليمنية الخليجيّة وطرد الدول الخليجية لمئات آلاف العُمال اليمنيين إثر موقف اليمن من غزو العراق للكويت في 1990، في بلد كان اقتصاده يعتمد على تحويلات المغتربين. ولكن التدهور الحقيقي حدث بعد حرب 94 ووصل إلى مستوى منذر بالكوارث يظهر في إجمالي الناتج المحلي، حيث انخفض من حوالي 28 مليار دولار في عام 1994 إلى 12.796 مليار دولار في عام 1995؛ أي أن ناتج 1995 كان أقل من نصف ناتج العام السابق. في عام 1995، شرع نظام صالح في تغيير وجهة الاقتصاد وسياسات الدولة الاجتماعيّة التي ميزت المرحلة الجمهورية (شمالًا وجنوبًا)، وبدأ “برنامج الإصلاح المالي والإداري” بالاتفاق مع البنك الدولي وصندوق النقد وبإشرافهما، وفي عام 1996 عُوّم سعر الريال اليمني. كانت نتيجة هذا البرنامج الاقتصادي، كما هو متوقع في الانظمة التسلطيّة التي تتلبرل اقتصاديًا بإرشادات البنك الدولي، توسيع رقعة الفساد المالي وهلهلة القطاع العام وتخليق نخب طفيليّة تعتاش على العلاقات مع الفساد البيروقراطي والسياسي، مع رفع الدعم عن السلع الأساسيّة وتخلي الدولة عن سياسات الضمان الاجتماعي، في مقابل الفشل التنموي متمثلًا في عجز الموازنة وضعف القوة الشرائية وهزالة المرتبات والأجور وتدهور مؤشرات التنمية البشرية. كانت هذه السياسات التي بدأت في عام 1995 مفتتح الضربات الاقتصادية المتلاحقة (وعلى رأسها الزيادات السعرية التي تسمى محليًا بـ”الجُرَع”) التي أصابت معاش الطبقتين الوسطى والفقيرة طوال سنوات حكم صالح اللاحقة. في نفس العام، بدأت الحكومة في برنامج الخصخصة بحماسة عالية وتحفيز من البنك الدولي، فأنشأت المكتب الفني للخصخصة وباعت في غضون عامين فقط أكثر من 60 شركة عامة، ثم توّج هذا البرنامج بإصدار قانون الخصخصة (القانون 45) في عام 1999. واستمر برنامج الخصخصة (بوتيرة غير منتظمة) في بقية عهد صالح حتى قيام الثورة الشعبية في 11 فبراير 2011.

في هذه المرحلة حصل تغيّر مفصلي في الاقتصاد السياسي، وهو تطور القطاع النفطي وزيادة اعتماد الموازنة على الإيرادات النفطيّة؛ فبعد أن كانت الإيرادات النفطيّة تشكل قرابة نصف الإيرادات الحكوميّة في عام 1995، أصبحت تشكل في غضون خمس سنوات فقط حوالي ثلاثة أرباعها، ووصل اليمن إلى ذروة إنتاجه النفطي في عام 2001م قبل أن يبدأ في الانخفاض التدريجي، ولكن نسبة الإيرادات النفطية في إيرادات الحكومة بقيت على حالها في بقية عهد صالح (بين 70 و80 %). المعنى السياسي لهذا التحوّل الاقتصادي هو تحرر النظام بشكل أكبر من المجتمع باستغنائه عن إنتاجيته في الاقتصاد، مما عزز من تسلطيّته وقدرته على اتخاذ خطوات “جريئة” في تعزيز سطوة تضرب عرض الحائط بالتفاهمات مع القوى المعارضة وتتجاوز الخطوط الحمر في المجال العام، وليس صدفة أن كثيرًا من قرارات وسياسات النظام الداخلية والخارجية التي اتُّخذت في هذه المرحلة، ومنها التعديلات الدستوريّة التي دفع بها النظام في عام 2000، ترافقت مع ارتفاع أسعار النفط ووصول إنتاجه في اليمن إلى أعلى مستوياته. من جانب آخر، تطور الصناعة الاستخراجيّة وسيطرة الدولة على الريع النفطي، متواشجًا مع استقرار النظام وتوزيعه لـ “الغنائم” على حلفائه بعد حرب 94، مكّن النظام من التحكم المطلق بالبرجوازيّة بل ومن خلق وتشكيل نخب تجاريّة بمعاييره عبر هباته المتمثلة بالعقود والمناقصات المختلفة الخاصة بالتجارة والصناعة النفطيّة وتسابق رجال الأعمال والتجار على نيل حصة فيها. حدث تطوّر اقتصادي مشابه في نهاية المرحلة، في عام 2001، وهو تطور قطاع الاتصالات اللا سلكيّة وإعطاء التراخيص للشركات الخاصة للدخول والاستثمار فيه، وقد استخدمه النظام سياسيًا بطريقة مشابهة لتوظيفه القطاعَ النفطي. في هذه المرحلة شكل نظام صالح نخبًا تجارية جديدة تختلف عن البرجوازية الوطنيّة المتنوّرة –بل وكان جزء منها مناضلًا- التي عرفها اليمن في القرن العشرين. إذ لم يكن رموز هذه الطبقة الجديدة تجارًا ورجال أعمالٍ عصاميين أو من بيوت عريقة العلاقة بالتجارة، بل أبناء مشائخ قبائل ومسؤولين في الدولة وحزب المؤتمر الشعبي العام، وشخصيات تنتمي للإخوان المسلمين أو مقربة منهم، هذا علاوة على آل صالح نفسه وأقربائه. اضطرت البرجوازية العريقة حينها أمام تغوّل النظام في هذه المرحلة إلى التسليم والاندماج في سياساته الفاسدة حفاظًا على مصالحها، وهكذا أُفرغ المجتمع من أي قوة تستطيع تحقيق توازن مع السلطة وتركّزت القوة كلها في يد النظام بشكل غير مسبوق في تاريخ اليمن الحديث. وكما حصل تغير في النخب التجاريّة بإدخال مشائخ القبائل فيها، أنتج تحويل المشائخ إلى رجال أعمال تحولات في النخب المشيخيّة وعلاقاتها ببيئتها المحلية وتواصلها مع مجتمعها الفلّاحي وقدراتها السياسية والتحشيدية قَبَليًا، وظهرت نتائج هذه التحولات لاحقًا في الحروب مع الحركة الحوثيّة قبيل ثورة فبراير وبعدها.

اجتماعيًا، يمكن اختصار سياسات النظام في مرحلة السنوات السبع بانها كانت استقالة من إنجاز مهمتي الدمج الاجتماعي وبناء الأمّة. ببرنامج الإصلاح المالي وما رافقه من فساد لم تعرف اليمن له مثيلًا من قبل و”حققت” فيه أسوأ التقييمات في التقارير الدولية المختلفة_ بدأ مشوار تكديح الفقراء وضرب الطبقة الوسطى الذي استمر حتى آخر يوم في عهد صالح.

 شجع النظام في هذه المرحلة استيراد الثقافة القَبَلية إلى داخل المدن إعلانًا لتحالفاته مع مشائخ القبائل، وانسجامًا مع الإيمان الشخصي عند رأس النظام بهذه الثقافة، وليس كما يقال أحيانًا إذعانًا من النظام لسطوة القبائل؛ فالأخيرة لا تكون قوية ولا تلعب دورًا في المدينة على الأقل إلا برضى النظام وتشجيعه، خاصة إذا كان نظامًا مدججًا بالسلاح والأجهزة الأمنية مثل نظام صالح، وهذا على كل حال موضوع تتنشر فيه خرافات أضحت إكليشيهات في نظرة الخبراء الدوليين إلى اليمن بل ونظرة المثقفين اليمنيين أنفسهم إلى بلدهم. مظاهر مثل تجوّل مرافقي المشائخ بالسلاح وتجبّرهم على المواطنين في قلب صنعاء أضحت أمرًا اعتياديًا في يوميّات العاصمة. بغض النظر عن معنى هذه السياسات على المستوى الحقوقي، المعنى الاجتماعي لتبنيّ النظام وتشجيعه لثقافة المشيخة القبلية ونشرها اجتماعيًا بالقوّة هو عرقلة الاندماج الاجتماعي؛ يستحيل لمجتمع أن يلتئم عندما تكون فيه مجموعات لا تنتمي للأجهزة الأمنية تحمل السلاح وتتسلط عليه بشكل اعتباطي بدعم من رأس النظام؛ حينها تفقد المواطنة إحدى ركائزها وهي الإحساس بالمساواة في الكرامة وأمام الدولة.

ثم في ختام مرحلة السنوات السبع ألغى مجلس الدفاع الوطني خدمة التجنيد الإجباري في مايو 2001. خدمة التجنيد الإجباري من وسائل بناء الأمّة؛ فهي تجمع وتصهر المواطنين من مختلف المناطق والطبقات وتعرفهم ببعضهم وتلبسهم زيًا موحدًا وتطبّق عليهم أقصى أشكال المساواة المواطنيّة (مساواة تلقي الأوامر العسكرية وتنفيذها). هذا أمر يلعب دورًا مهمًا في بلدان راسخة فيها الدولة القومية والهويّة الوطنيّة مثل مصر، وحتى في دولة احتلال استيطاني مثل إسرائيل. اليمن في عام 2001 كانت دولة جنينيّة عمرها 11 سنة تخللتها حرب انفصال، وتكونت بالأصل من دولتين عمرهما الحديث 30 عامًا فقط!  أي أن خدمة التجنيد في الحالة اليمنيّة ضرورة قوميّة لـ “بناء الشعب” وليس مجرد سياسة جيّدة تحظى بالتشجيع.

إلغاء خدمة التجنيد في سياق التوجهات الاقتصاية وسياسات النظام الاجتماعية في هذه المرحلة كان، بدون مبالغة، خطوة خطيرة كان لها نتائجها على السلم الأهلي والتواصل الاجتماعي. كما ظهرت آثار جانبيّة لإلغاء التجنيد في الحرب الاهلية منذ 2014، حين تعثّر دفاع القطاعات الشعبيّة عن ثورة فبراير والدولة بعد غزو الحركة الحوثيّة بمساعدة قوات صالح لصنعاء وبقية نواحي اليمن. كثير من شباب المدن انخرطوا في المقاومة الشعبيّة، وقدموا دماءًا غزيرة في 2015  نتيجة جهلهم بحمل السلاح وعدم امتلاكهم أبسط المهارات العسكرية والقتاليّة، وكان لهذا بدوره نتائج سياسية واجتماعية ستعاني منها اليمن طويلًا منها مثلًا سهولة سيطرة الإسلاميّين (السلفيين والإخوان) والقوى الريفيّة (القَبّليّة وغير القبلية) على المقاومة الشعبيّة في المدن في مواجهة الغزو الحوثي (الإسلامي/الطائفي -الريفي)؛ فهي الأطراف التي كانت تتقن استخدام السلاح وتحمل خبرات عسكرية جيدة نتيجة مشاركتها في كثير من الحروب والمعارك سابقًا. كان هذا، بمعنى معين، تحقق لهدف النظام الرئيسي من إلغاء الخدمة العسكريّة؛ به استطاع تركيز القوة في قبضته وقصر “امتياز” المهارات العسكريّة على الخزانات البشريّة الجهويّة التي اختارها لقواته العسكريّة.

2-تغيير تركيبة النظام

بالتوازي مع ما سبق، غيّر صالح في تركيبة النظام ذاتها وأعطاها شكلها النهائي في مرحلة السبع سنوات لكي يصبح نظام آل صالح بتضييق قيادة النظام التي كانت تعتمد على العصبية الجهويّة وتحويلها إلى نادٍ عائلي مغلق على أبناء وأقرباء صالح. وتتلخّص سياسات التشكيل هذه في أربع محاور:

أ-تنقية القوات المسلحة من أنداد صالح (في العمر والدور العسكري) وشركاء نظامه الذين كانوا ينحدرون من نفس منطقته (سنحان)، وكان أهم حدث في هذا السياق هو مقتل العميد الركن أحمد فرج نائب رئيس هيئة الأركان والعميد محمد أحمد إسماعيل قائد المنطقة الشرقيّة مع عدة ضباط وجنود آخرين في حادث سقوط مروحيّة عسكرية في منطقة العبّر بحضرموت في أغسطس 1998. لم تظهر نتائج تحقيقات بخصوص هذا الحادث الغامض، ولكن فرج وإسماعيل كانا من كبار الضباط في الجيش، ولن يروق لهما بالتأكيد مشروع التوريث.

ب-مشروع التوريث. في عام 1997 أدخل صالح نجله أحمد مجلس النواب، وفي عام 2000م عينه في الحرس الجمهوري، والتي كان صالح قد حوّلها إلى جيش متكامل، ضمن استراتيجيته التي طبقها سريعًا في العقد الأخير من حكمه المتمثلة في استنساخ مؤسسات أمنية وعسكريّة بديلة للمؤسسات التي كانت كوادرها من الإخوان المسلمين وقادتها شخصيات لم يحبذ الاصطدام المباشر بها ويصعب عليه “تطهيرها” وإعادة بناءها، مثل بناء جهاز الأمن القومي بديلاً عن الأمن السياسي الذي كان تاريخيًا جهازًا مملوءًا بالمحافظين وخاصة الإخوان المسلمين في فترة لعب اليمن الشمالي دور السد أمام المد الشيوعي القادم من الجنوب. كما عيّن في عام 2001م يحيى نجل شقيقه محمد قائدًا لأركان قوات الأمن المركزي، هذا علاوة على التعيينات التي تمت في هذه الفترة لأصهار صالح وأقاربه الآخرين في مناصب مختلفة (مثل تعيين صهره عبد الوهاب الحجري سفيرًا لليمن في واشنطن في 1997).

ج-استغناء النظام عن تحالفاته التاريخيّة. عند وصول صالح إلى الحكم، كان الإخوان المسلمون والبعثيّون هم حلفاؤه الرئيسين ولكن تحالفه مع الإخوان كان الأهم. بدأ هذا التحالف مبكرًا؛ كان وجود الإخوان مؤثرًا في السياسة اليمنيّة منذ نهاية الأربعينيات، ولكن حضورهم في الأجهزة الأمنية والمؤسسات التعليمية تعاظم منذ انقلاب 5 نوفمبر 1967. في بداية حكم صالح، تحالف معه الإخوان لمواجهة الجبهة الوطنيّة في المناطق الوسطى، وسمح لهم بنشر توجههم الإيديولوجي المحافظ اجتماعيًا مجابهةً للأيديولوجيات الشيوعية والناصريّة، ومشاركة للنظام في دعمه للمجاهدين الأفغان. انعكس هذا التحالف في النصوص التأسيسية لحزب المؤتمر الشعبي العام الذي أُسس عام 1982، والذي حاول أن يكون “مصهرًا” إيديولوجيًا إرضاءًا لحلفاء النظام من القوميين البعثيين وبعض الكوادر البيروقراطية التي صعدتها حركة 13 يونيو 1974 التصحيحية إلى مراكز قيادية في الحكومة، ولكن الصبغة الإسلاميّة فيه كانت واضحة وتعكس الوزن الحقيقي لتحالفات النظام وركائزه، خاصة وأن التحالفات القبلية التي كوّنها صالح حول نظامه كانت ترى في الأيديولوجيا الإسلاميّة التي يمثلها الإخوان خيارًا مريحًا يتسق مع نزوعها المحافظ تجاه المجتمع ونظرتها المتحررة من أفكار العدالة الاجتماعيّة إلى توزيع الثروة. كانت نتائج هذا التحالف الاجتماعيّة قد ظهرت سريعًا في اليمن الشمالي من خلال امتيازات كبيرة تعكس متانة تحالف النظام معهم. مثلًا في يونيو 1988 عقدت ندوة دعمًا للانتفاضة الفلسطينية في صنعاء حضرها جمع من المثقفين العرب منهم الشاعر نزار قبّاني. حينها انتفض خطباء الجوامع وقادوا حملة منظمة على قبّاني تتهمه بالإساءة إلى الذات الإلهية في أشعاره، بل انخرطت مؤسسات الدولة في حملة التحريض؛ فقد طبع محمد المؤيد، مدير النشر بدائرة التوجيه والإرشاد في وزارة الأوقاف، نصوص قباني التي ادعت الحملة بأنها تسيء إلى الذات الإلهية ووزعت مجانًا على المواطنين في صنعاء. حدث هذا في بلد تُمنع فيه الأحزاب بنصوص دستوريّة وغير مسموح بالنقاش السياسي فيه خارج دوائر النظام.

الصورة من أرشيف العمري نت alamree.net

استمر هذا التحالف وأثبت جدواه في مرحلة الشراكة مع الحزب الاشتراكي (1990-1994)، ثم في حرب صيف 94. وفي الثلاث السنوات اللاحقة كافأ صالح حلفاءه الإسلاميين عبر التعديلات الدستورية في نهاية 1994 والمشاركة في الحكومة وإدخالهم في خط إنتاج طبقة التجار الجدد، كما سمح لهم باستكمال نشر أفكارهم وأيديولوجياتهم المحافظة اجتثاثًا لبقايا الاشتراكيّة. ولكن في عام 1997، وبعد أن دمج نخب الإخوان في طبقة التجار الجدد وأعطاهم “نصيبهم” لقاء مساندته، ونتيجة التحولات العميقة في بنية النظام التي نوقشت أعلاه، قرر صالح أنه لم يعد بحاجة إلى الإخوان المسلمين شركاء في الحكومة، ولم يعد في حاجة إلى استرضاء قيادتهم القبلية المتمثلة في الشيخ القبلي عبد الله بن حسين الأحمر، فقد أُبقي على مكانته القبلية ولم يُزح من منصبه رئيسًا لمجلس النواب رغم اكتساح المؤتمر الشعبي العام للمقاعد عام 97، كما أن صالح سمح لأنجال الأحمر بأن يصبحوا جزءًا قويًا من النخب الطفيلية الجديدة في السياسة والاقتصاد. بناءًا على هذا كله أنهى صالح مرحلة الشراكة مع الإخوان واستأثر حزبه بالحكومة والبرلمان في انتخابات 1997. أما السلفيون العائدون من أفغانستان والذين ساعدوه في حرب 94 فقد بدأ النظام حينها يتخلص منهم بعد أن بدأت مرحلة الصدام بين بن لادن والولايات المتحدة الأمريكية، وأبقى على السلفيين غير الجهاديين المؤمنين بطاعة ولي الأمر (جماعة الشيخ مقبل الوادعي) ودعم التيارات الصوفيّة، ولكنه لم يكونوا حلفاء أو شركاء بل أتباعاً يستخدمهم النظام في مقارعة الإخوان شعبيًا ويقدم لهم نظير ذلك الدعم والتسهيلات ويسمح لهم بممارسة نشاطاتهم الدينية. ثم في نهاية هذه المرحلة، أصدر النظام في عام 2001م –قبل هجمات 11 سبتمبر- قرارًا يقضي بتوحيد التعليم وإلغاء “المعاهد العلميّة”، والتي كانت أهم وسائل الإخوان المسلمين في التربية الإيديولوجيّة والاستقطاب الحزبي منذ عهد القاضي عبد الرحمن الإرياني. وبهذا القرار كان النظام قد سدد ضربة للتجمع اليمني للإصلاح على المستوى الأيديولوجي والتنظيم الحزبي، وبه اتضحت ملامح علاقة النظام الجديدة بالإخوان والتي يمكن تلخيصها في إخراجهم من خانة الشريك وإضعاف وجودهم الأيديولوجي مع الإبقاء على مصالحهم الاقتصادية وتحالفاتهم الاجتماعيّة ومكانة رموزهم الدينية-السياسية والقبلية.

د-نخب بيروقراطيّة جديدة. في ختام مرحلة السبع سنوات، أنجز نظام صالح آخر لمسات التشكُّل النهائي بتغيير نخبه البيروقراطيّة والحزبية في المؤتمر الشعبي العام التي اعتمد عليها منذ 1978. في عام 2001 حصل تغييران مهمان: تعيين عبد القادر باجمّال رئيسًا للوزراء خلفًا لعبد الكريم الإرياني الذي لم يعين بعد ذلك في أي منصب وزاري، وتعيين عبد العزيز عبد الغني رئيسًا لمجلس الشورى حتى وفاته عام 2011. هاتان الشخصيّتان (الإرياني وعبدالغني) تمثلان رمز التكنوقراط في الدولة اليمنية الحديثة، ورمز الطبقة السياسية التي أسست حزب المؤتمر، وبإنهاء دورهما الحكومي والحزبي أُسدل الستار على حقبة من تاريخ البيروقراطية والنظام والحزب في اليمن. كان بديل نخبة التكنوقراط القديمة كوادر من جنوب اليمن، مثل باجمال وعلي مجور وعارف الزوكا وأحمد عبيد بن دغر، وقد كانت، لكثير من الأسباب، مريحة أكثر للنظام لأنها لا تحمل على عاتقها بقايا أحلام التحديث أو إرث بناء الجمهوريّة مثل النخبة التي هُمّشت، كما أن بعضها كان من كوادر جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبيّة، وتميزت بالنزعة الانسلاخيّة من ماضيها السياسي والرغبة في حجز موقع في النظام المنتصر بأي ثمن، وهي نزعة تظهر في قطاعات من النخب المهزومة عمومًا، فانطلقت في مرحلة الفساد المالي والسياسي بدون كوابح وأحيانًا بشكل علني. وقد استمر اعتماد صالح هذه الصيغة في إنتاج نخب البيروقراطية والحزب منذ نهاية مرحلة السبع سنوات وحتى مقتله؛ فقد قتل معه في ديسمبر 2017 أمين عام حزب المؤتمر عارف الزوكا، وكان عبد العزيز بن حبتور رئيس حكومة المؤتمر والحوثيين (حكومة الإنقاذ الوطني).

3-الإقليم والخارج

 كما ذُكر آنفًا، كانت لحظة انتصار صالح في حرب 94 هي ذاتها بداية هشاشة النظام السياسي وفقدانه منابع شرعيّته في ذات الوقت. وهذا يصح، بمعايير أخرى، على وضع النظام في الإقليم والسياسة الدوليّة. بعد حرب 1994م انتهى “الخطر الشيوعي” القادم من الجنوب، وكانت حرب أفغانستان قد انتهت وانهار الاتحاد السوفييتي. بدا نظام صالح فجأة، بمشاكل اليمن وفقرها وتحدياتها التنمويّة، عبئًا على الإقليم والعالم بعد أن كان قبل بضع سنوات حليفًا إقليميًا يحظى بمعاملة خاصة من المعسكرين الشرقي والغربي والخليج العربي. ثم زاد على ذلك أن موقف نظام صالح من غزو نظام صدام حسين لدولة الكويت لم يجعله عبئًا فحسب بل وأظهره كذلك مصدر إزعاج وخيانة. كما أن نظام صالح لم يستغل الحرب الباردة في تكوين تحالفات استراتيجية في الساحل الشرقي لإفريقيا أو الاستثمار عسكريًا في بناء قوات بحريّة أو اقتراح مشاريع اقتصادية عملاقة تمكّن اليمن من فرض نفوذ حقيقي على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وبالتالي لم تعد لليمن بعد التغير الجيوسياسي الهائل بانهيار الاتحاد السوفييتي وذهاب اليمن الجنوبي إلى الوحدة أهمية تذكر دوليًا. في هذه المرحلة فهم النظام أنه بحاجة، على الأقل، إلى تسامح الإقليم معه بعد أن فقد بفعل انتهاء الحرب الباردة وموقفه من حرب الخليج أوراق المناورة وابتزاز الجيران. حينها قام النظام بتوقيع اتفاقية الحدود مع المملكة العربيّة السعوديّة في يونيو عام 2000م مع تجاهله حساسية هذا الملف شعبيًا مستفيدًا من تحولات النظام التي أُشير لها سابقًا. ثم حدث الهجوم على المدمرة “يو إس إس كول” في ميناء عدن في أكتوبر 2000م، وكان نظام صالح في مفترق طُرُق؛ لأن التفجير يظهر فشل النظام الواضح في ضبط حلفائه السابقين ومراقبتهم مما يزيد طين موقفه الدولي بلة. حينها، وبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، ظهر ما سمي “الحرب على الإرهاب”، ولم يأتِ ديسمبر من نفس العام إلا وقد انضوى نظام صالح في صفوفها رسميًا. وجد النظام أخيرًا دوره الضئيل الجديد في الإقليم والسياسة الدولية الذي يصعب عليه الاستمرار بدونه؛ فهو في هذه المرحلة قضى على وعد التحديث والتنمية وشرخ الإجماع الوطني وتخلص من حلفائه السياسيين وضيق حلقات تحالفه الجهوي، وأنهى عمليًا وبالنصوص القانونيّة حلم التحوّل الديمقراطي الذي يحاول اليمنيون تحقيقه منذ مايو 1990. لم يبقَ أمامه لكي يستمر إلا دور هامشي في معسكر دولي يضمن له دعمًا خارجيًا لأجهزته الأمنية رغم ديكتاتوريته الرثّة وانتهاكه لحقوق الإنسان، ومساعدات ومنح مالية وقروضًا يتغاضى مقدموها عن الفساد السياسي والإداري الذي تفاقم وبلغ مستويات من ضمن الأسوأ في العالم، ووقوف الإقليم والولايات المتحدة معه في سياساته غير الشعبيّة وغير الديمقراطيّة وعلى رأسها توريث السلطة لنجل الرئيس.

الصورة بإذن من عبدالرحمن حسين

 خاتمة: نقد الخرافات لفهم المستقبل

العقد الأخير من حقبة صالح (2001-2011) –عهد استقرار النظام- كان “نظام صالح” الذي عرفته أجيال الثورة: بقي النظام بنفس تركيبته التي أنجزها في مرحلة السنوات السبع، واستمر في تعزيز بنيانه الجديد؛ أنشأ جهاز الأمن القومي بديلا عن الأمن السياسي، وعيّن كثيرًا من أقاربه في مؤسسات الدولة العسكرية والتجارية (مثل طارق وعمار محمد صالح وتوفيق صالح)، واستمر في محاولات تنقية الجيش من الأنداد وكرس هذا العقد للتخلص من قائد الفرقة الأولى مدرع علي محسن الأحمر. وفيه كذلك بدأ الحصاد السياسي والاجتماعي السريع لسياساته الاجتماعية وتركيبته الاقتصادية التي نثر بذورها في مرحلة السنوات السبع؛ فإن ظهور الحركة الحوثيّة وحروبها مثلًا تفهم استجابة سريعة لتحلل شرعية النظام وتحرر صالح من كل الخطوط الحمر في حكمه للدولة، وإصراره على تعميق أزمة النظام بسياساته التي عرقلت الاندماج الاجتماعي رغم حاجة النظام لمجتمع متماسك حتى يتجاوز مرحلة هشاشة شرعيته بعد الوحدة وحرب 94 وانتهاء دوره الهامشي في الحرب الباردة. ثم ظهر الحراك الجنوبي ومطالب الانفصال، والتي لم تكن استجابة لسياساته الانتقاميّة تجاه الجنود والعسكريين في الجيش الجنوبي السابق فحسب كما هو شائع في التحليلات السياسية بشأنه، بل وقبل ذلك وبالأساس كان نتيجة سياساته الاقتصاديّة التي أضرّت بعموم الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وكانت أشد أثرًا على قطاعات اجتماعية عاشت قبل مايو 1990 في ظل رأسمالية دولة توفر لها العمل والتعليم وتكاليف العلاج الطبي وتنظم لها مختلف جوانب حياتها، لتجد نفسها فجأة في اقتصاد متلبرل وبمناخ سياسي وبيروقراطي وتجاري من الأكثر فسادًا في العالم وفي ظل نظام تسلطي محافظ بلا مشاريع وطنية أو وعود أيديولوجية، وسحب منها مكاسبها بخصوص الحريات الشخصية وصرامة البيروقراطية وحريات المرأة في فترة النظام الاشتراكي. كما أن اعتماد النظام على النفط في الموازنة الحكومية (بنفس النسبة تقريبًا منذ عام 2000) جعل الظواهر الاجتماعيّة وردات الفعل على سياساته مرتبطة بالأسعار العالمية للنفط وخطوات رفع الدعم عن السلع الأساسية؛ الحراك الجنوبي مثلًا ظهر في 2007، بعد ارتفاع الأسعار نتيجة رفع الدعم الذي أقره النظام في عام 2005 (بناء على برنامج الإصلاح المالي في 1995) وخرجت ضده مظاهرات حاشدة في صنعاء آنذاك، وبعد الانتخابات الرئاسيّة عام 2006. حتى زخم تلك الانتخابات والانخراط الشعبي فيها دعمًا لمرشح المعارضة المهندس فيصل بن شملان رغم معرفة القطاعات الشعبية المختلفة، بما فيها قواعد النظام، أنها انتخابات محسومة النتائج سلفًا_ كان احتجاجًا سياسيًا-نفسيًا على انسداد الأفق المعيشي والسياسي بعدما اتضح للجميع أن مرحلة السبع سنوات لم تكن “شرًا لا بد منه” أو مرحلة انتقالية نحو توزيع أكثر عدالة للثروة والتحول الديمقراطي وإصلاح قطاعات الصحة والتعليم، بل فترة انتقالية داخل نظام صالح نفسه نحو نسخة فاشلة تنمويًا وأكثر فسادًا وضراوة وانفرادًا بالدولة والثروة. واستنتجت قطاعات اجتماعية واسعة بُعيد انتخابات 2006، بما فيها القطاعات الغاضبة في جنوب اليمن، أن إصلاح النظام لنفسه مستحيل.

الصورة بإذن من عبدالرحمن جابر

من هذه الزاوية تبدو ثورة 11 فبراير ثورة سريعة تاريخيًا؛ فالنظام الذي ثارت عليه عمره 15 عامًا بما فيها سنوات تشكيله، ولهذا بعض الأسباب التي تخص عمر اليمن القصير كدولة حديثة (عشرون سنة عشية الثورة)، وحيوية مجتمعها السياسي، ولكن السبب الرئيس باعتقادي كان النظام الذي استطاع تضييع مصداقيته وفقدان الاحترام الشعبي سريعًا بسبب سياساته المتهورة في مرحلة ضعف شرعيته أولًا، وبسبب شخصية علي صالح ثانيًا. فقد تميز صالح في عقد حكمه الأخير باستسهال إطلاق الوعود الغريبة والمهينة للمستمعين، مثل وعوده في أثناء حملته الانتخابية عام 2006 ببناء مفاعلات نووية لإنتاج الطاقة، أو “القضاء تمامًا على الفقر والبطالة” في غضون عام! وغدره بشركائه وأصدقائه، وكانت دعاية النظام والكتبة المرتبطين بحزب المؤتمر وأجهزة الأمن تصور سلوكه باعتباره من علامات “دهائه” السياسي. كما أن رأس النظام لم يكن يتورّع في مرحلة الاستقرار عن إطلاق الأكاذيب، مثل إعلانه عدم الترشح لانتخابات 2006، أو الكذب بشأن الطائرات الأمريكية التي تقصف المدنيين في جنوب اليمن. هذا السلوك الشخصي لعلي عبد الله صالح أحرق أوراق المناورة والتهدئة عند النظام في غضون سنوات معدودة، مما جعله عاجزًا عن احتواء غضب الناس المتراكم منذ 2005 بادعاءات التفهم والوعود.

كان هذا أيضًا أحد أسباب عجز عن النظام عن احتواء الثورة في بداياتها رغم محاولته ذلك –بخلاف كل الثورات العربية الأخرى عام 2011 التي جابهتها أنظمتها بالقمع منذ أول يوم- ولكن القصة لم تنتهِ بفشل صالح في احتواء الثورة؛ فالثورة أيضًا لم تنجح في تغيير النظام. بعد عقد على الثورة، اليمن اليوم أسيرة أشباح نظام صالح وقد تضخّمت: رئيس الدولة ومسؤولوها الكبار، السياسات الاقتصادية، الفشل التنموي المروّع، معدلات الفساد، أداء القوى الحزبية_ هذا كله يمت بصلات لنظام صالح، وبعضه من منتجاته المباشرة. مليشيا الحوثي، والمجلس الانتقالي بأهدافه الانفصاليّة ومركزه السلفي وخطابه الشوفيني، هما تضخمان لإفرازين من العقد الأخير في عهد صالح (الحوثيون، الحراك الجنوبي).

ما دامت أشباح نظام صالح تحكمنا، تبقى لثورة فبراير أسباب البقاء؛ لن يصبح “فبراير الكبير” من الماضي إلا بإزالة ذلك النظام وبناء نظام ديمقراطي في يمن موحّد جمهوري فيه مواطنة واحترام للعدالة الاجتماعيّة والتنمية. وهذا الحديث ليس لأغراض رفع المعنويّات، بل ناتج حقيقة أن الشعب اليمني لم يختفِ، والعوامل التي دفعته نحو الثورة ازدادت حدة وأذى. ليس الحديث هنا عن بقاء فبراير بما هو حدث؛ فلم يعد ممكنًا اليوم إنجاز ثورة شعبية كما 2011، هذا أمر انقضى بعد إشعال تحالف الثورة المضادة للحرب، وعلى جيل الثورة استبطان هذه الحقيقة حتى يحدد مكانه وواجباته اليوم. ولكن فبراير بما هو طاقات شعبية وطموح وأحلام بالعدالة والحرية والكرامة، هو أكثر راهنية اليوم مما كان عليه عشيّة 11 فبراير 2011، والسؤال اليوم الذي يجب أن يشغلنا هو كيف نترجم راهنيّة فبراير إلى مشروع نضالي ديمقراطي يخص المستقبل، بين كل هذه الأشباح التي لا تدرك اليمن إلا في الماضي.

 

اظهر المزيد

أيمن نبيل

كاتب يمني مقيم في ألمانيا يكتب في عدة صحف ومجلات يمنية وعربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى