fbpx
أدب
مقال شائع

الرواية والصوفية.. أحمد السري في “ظل العاشقة”

مراجعة كتاب

الرواية والتصوف

كثرت في الآونة الأخيرة الروايات العربية التي تستلهم التراث الصوفي وتوظفه في صنع عوالمها وإيصال ما تريد إيصاله من قيم وأفكار وتجارب وغايات ذاتية أو مجتمعية أو فكرية، وفي خضم تحول هذا اللون من الكتابة الروائية إلى ظاهرة، وجدنا بعض كتاب الرواية في اليمن ينتجون نصوصاً روائية تستلهم هذا التراث وتوظفه بالرغم من نزوعها نحو التعالق مع ما هو يمني منه.

وبما أننا في سياق التعريف بحضور هذه الظاهرة في الروايات اليمنية وليس في سياق رصدها وتقصيها، فإن القارئ يجد أن الدكتور أحمد قاسم العريقي والدكتور أحمد السري هما أبرز من اتجه بالرواية في اليمن نحو استلهام التصوف وتوظيفه في رواياتهما([1])، ولكننا، هنا، لن نقف عندها كلها، وإنما سنقف عند رواية “الظل والعاشقة” للدكتور السري؛ لأنها ذات خصوصية في توظيفها للتصوف حسب ما سنرى.

غلاف رواية الظل والعاشقة لأحمد السري

مؤلف الرواية

الدكتور “أحمد السري” واحد من أبرز أستاذة التاريخ الإسلامي في جامعة صنعاء، تلقى تعليمه الأساسي والثانوي والجامعي في مسقط رأسه بحجرية تعز وفي صنعاء، واستكمل دراساته العليا في جامعة “هامبورج” بألمانيا التي حصل منها على درجتي الماجستير (1986م) والدكتوراه (1989م) في التاريخ الإسلامي وحضارته، ومنذ ذاك التاريخ عمل أستاذاً محاضراً له في كل أقسام التاريخ بجامعة صنعاء وفروعها، كما قضى ثلاثة عشر عاماً في الإمارات العربية المتحدة أستاذاً محاضراً في جامعتها. له أبحاث ومؤلفات ومشاركات كثيرة داخل اليمن وخارجه، وله اهتمامات أدبية ومشاركات قصصية نشر معظمها في الصحف اليمنية، وقد توج تخصصه واهتمامه الأدبي بإنتاجين روائيين يجعلانا نفهم سر توظيفه للتصوف الإسلامي في كليهما([2]).

رواية “الظل والعاشقة”

“الظل والعاشقة”، رواية صدرت طبعتها الأولى في العام (2019م) عن دار يسطرون للطباعة والنشر بالقاهرة، وهي رواية تستلهم التصوف وتغرف من بحاره العميقة، إلا أن القراءة العابرة لها ستجعل قارئها يرى فيها قصة عشق غريبة بين بطلة الرواية “شجون” الزوجة والجدة وبين “سليمان” بائع الفواكه والخضروات المتجول، وغرابتها لا تأتي من عشق امرأة بهذه المواصفات فقط، ولكنها تأتي من معرفة الزوج “لقمان” وكل الأقارب وأبناء القرية به، ومن محاولة الزوج إثناءها عن الاستمرار فيه من خلال إقناعها بزيارة “شجرة الغريب” في “جبل الظل” واستغلال الخرافة والإيمان الشعبي بأثرها في الشفاء من الأمراض والعلل النفسية والجسدية([3])، ولكن نجاحه في إقناعها بالزيارة لم يفلح في شفائها من عشقها، بل انتهى بها إلى التخلي عن الزوج وعن العاشق في أحداث درامية مشوقة ومقنعة لا تصل بالقارئ إلى أبعادها الصوفية إلا إذا قراءها بوعي مغاير.

الاطراد الصوفي والانزياح عنه

 الرواية تقدم معالجات لكثير من القضايا التي تخللتها في هيئة ثنائيات متصارعة تكشف عن نص مثقف بامتياز([4])، غير أن من هذه القضايا ما كان، في كثير من المواطن، يتموضع في مكانه الصحيح من موضوع التصوف الذي تأسس بناء الرواية عليه، ومنها ما كان، في مواطن أخرى، ينفرط منه؛ الأمر الذي يجعل القارئ يستشعر بانزياح هذه القضايا عن موضوع التصوف.

إن هذا الانزياح ناشئ من حرص شديد على إيراد أكبر قدر ممكن من الهموم المرتبطة بالمجتمع اليمني ومشاكله الفكرية والاجتماعية والنفسية التي تحتاج إلى فهم وتشخيص وإلى معالجات مزاوجة بين إجراءات الباحث المفكر وأدوات الروائي المبدع التي وجدناها تتلامح بقوة في نص الرواية الذي مزج بين السرد ولغة العلم التقريرية الدقيقة التي حضرت بكثافة في الكثير من الحوارات والتوصيفات التي تخللت سرد الأحداث والأقوال.

وبالرغم من كثافة تلك القضايا التي ولدت صراعاً فكرياً إلى جانب صراع الأحداث والشخصيات، فإن اتصال الرواية بالتصوف يأتي من علاقة بطلة الرواية (شجون) وعلاقة غيرها من الشخصيات والفضاءات والأزمنة بفكر التصوف وطقوسه ومواطنه التي امتد حضورها في أجزاء مختلفة من جسد الرواية بغض النظر عن طبيعة هذه العلاقة التي يفضي اختلافها إلى اتخاذ موقف ضدي منه أو موقف تأييدي أو تعديلي أو استغلالي له.

العمل الفني لأماني باحشوان

رواية سلوكية أم عرفانية أم تجربة

هناك من يفرق بين “الرواية الصوفية” و”الرواية العرفانية”([5])، ولكننا سنعدل عن هذا التقسيم إلى تقسيم آخر يوزع هذا النوع من الروايات المستلهمة للتصوف إلى: “رواية سلوكية” يظهر فيها التصوف مجسداً في شخصية صوفية ما أو في ممارسات طقوسية تسلك نهج طريقة أو مدرسة صوفية ما في التعبد، و”رواية عرفانية” تغرق في تقديم فلسفات التصوف ومفاهيمه ومصطلحاته التي يعرف القارئ بها التصوف ولا يعيشه أو يستشعر تجربته كما يحدث في القسم الثالث الذي نقترح تسميته بـ “رواية التجربة الصوفية” التي تستطيع أن تدخل القارئ في فرادة التجربة الصوفية المسرودة وتجعله يتخيل أنه فهمها واستشعر بها وعاشها دون أن يكون على مسافة منها؛ فإلى أي هذه الأقسام الثلاثة تنتمي رواية “الظل والعاشقة” يا ترى؟

إذا كانت “شجون”- بطلة الرواية، قد تشربت التصوف من محيطها الأسري، ومن مجتمع متدين تديناً صوفياً سنياً هو مجتمع (تعز) وأريافها، ومن مطالعاتها الذاتية حتى تجاوزت معرفته إلى الإيمان به وممارسته في كل حركاتها وسكناتها، فزوجها “لقمان” انخرط في التعليم العصري وتخصص في الهندسة الزراعية التي أخذ شهادتها من إحدى جامعات الاتحاد السوفيتي قبل أن يعود إلى اليمن ويعين مهندساً في وزارة الزراعة في نهاية عقد الثمانينيات من القرن العشرين الذي حدثت فيه أحداث الرواية، ولكن تعليمه ذاك لم يستطع أن يسلخه كلياً مما ترسب فيه من القيم والعادات والاعتقادات التي تنشأ عليها في مسقط رأسه الذي نشأ فيه.

أما “سليمان” الذي عشقته “شجون”، وهي الزوجة البالغة الأربعين من عمرها، فلم ينل من التعليم الكافي ما يؤهله إلى أن يتحول من بائع خضروات جوال في القرى على ظهر حمار إلى عاشق قادر على التسامي بعشقه المادي إلى حدود العشق الروحي الذي رأته فيه؛ لذا كان شفاؤها من حبه حتمياً بعد أن عرفت حقيقة عشقه المادي لها، ولكن هذا الشفاء لم يحدث إلا بعد أن عذبتها تباريح عشقها له وغمستها في التجربة إلى درجة الكفر بكل ما يعيق خوض غمار عشقها المنشود: زوجاً كان أم أبناء أم تشريعات وقوانين أم أعراف مجتمعية أم اعتقادات صوفية شعبية جعلتها ترى “سر ظل شجرة الغريب” محض خرافة حاول زوجها استغلالها من منطلق اعتقادها الصوفي؛ لكي تبرأ من عشقها الذي سيلحق به العار، ولكنه فشل وبفشله أوصلها إلى اليقين بخرافية مثل هذه المعتقدات والطقوس.

لقد أحدثت لها تجربة العشق هذه انقلاباً كلياً في رؤيتها للعالم، ومكنتها من الخروج بتجربة صوفية خاصة انتهت بها إلى نقطة اللاعودة؛ فالتباس عشقها لـ”سليمان” الواقعي بعشقها لـ”سليمان” الذي رسمت له صورة مثالية في وجدانها قبل اكتشاف حقيقته، لم يعيداها إلى حياتها التي كانت عليها، بل أحدثا لها كشفاً جعلها تؤمن أن العشق الحقيقي هو الحرية أو التحرر من قيود الخرافات والزوج والمال والعيش في الماضي وكل شيء يؤمن به المجتمع، بما في ذلك العشق نفسه الذي يعد التحرر منه ذروة العشق، كما جعلها تؤمن بأن الوصول إلى هذا اليقين بالحرية لن يحدث للناس إلا بالعلم والإيمان به؛ لذا جاءت النهاية مليئة بالانفصالات عن كل ما كان لها علاقة به إلا العلم الذي عززت اتصلها به من خلال المدرسة التي بنتها بمالها الخاص الذي تحررت منه بإنفاقه، والانعزال الذي اتصلت به من خلال عودتها إلى بيت أبيها القديم والمهجور بعد إعادة تأهيله.

لقد تعالت تجربة عشق “شجون” على تجربة الإيمان الصوفي؛ فقد عرضتها الرواية على القارئ بصورة تغاير تجربة العشق الإلهي الذي وقع فيه والدها الذي انتهى به الأمر إلى الشطح (الجنون) والتفوه بمعارف العاشقين العارفين كقوله: “أنا .. أنا، أنا هو، أنا الحق. وأشار بأصبعه إلى الأعلى”([6])، وبصورة تغاير تجربة عشق “الشيخ صنعان” في كتاب “منطق الطير” الذي قرأت حكايته فيه وانتهى به الأمر إلى المماثلة بين عشق المحبوب وعشق الإله([7])؛ لأن عشقها استطاع أن يدخل القارئ في تجربتها الخاصة التي ابتعدت عن مركزيتي “الشخصيات الصوفية” و”العشق الإلهي” اللتين تأسست عليهما معظم الروايات الصوفية؛ ليعيش حالاتها وأحوالها، ويصل معها إلى الكشف عن “الحرية” التي هي البعد المعرفي الذي امتاز التصوف بمنحه للفرد بصورة مختلفة، وامتازت الرواية هذه بتوظيفه بطريقة خاصة؛ حتى جعلت منه بؤرة التجربة الصوفية فيها، وهذا هو ما جعل منها رواية “تجربة” لا رواية “سلوك” أو “عرفان”.

العمل الفني لأماني باحشوان

التقنيات الفنية واللغوية

  • التذويب

لم تأت القدرة على إدخال القارئ في التجربة من ابتعاد الرواية عن استلهام أعلام التصوف المعروفين، ولا من عدم تمثلها للتصوف السلوكي الذي انتشر في اليمن، وفي “تعز” بالذات، ولا من انزياح ممارسة العشق من قبل عاشق إلى ممارسته من قبل عاشقة، ولا من الانزياح عن “العشق الإلهي” إلى “العشق للحرية” فقط، وإنما أتت، أيضاً، من “تذويب” المصطلحات والمفاهيم الصوفية التي يتكاثف حضورها واستثمارها كخلفية معرفية في الروايات المؤسسة على تراث هذا الفكر، ولكنها في هذه الرواية ذابت وتسربت.

هذا “التذويب” مكن القارئ من ألا يعرف هذه المصطلحات والمفاهيم وهو على مسافة منها، وإنما يتلقاها وهو يخوض التجربة بالتزامن مع “شجون” التي تضمنت ممارساتها الفعلية والقولية عليها؛ الأمر الذي يجعلنا نؤكد أن تذويب الرواية لمصطلحات التصوف ومفاهيمه كان تقنية محو ناجحة أسهمت في نقل رواية “الظل والعاشقة” من دائرة العرفان إلى دائرة التجربة “الصوفية”.

  • الترميز

لقد تجلت تقنية “الترميز” في مواطن أخرى من الرواية، ولكنها لا تتضح بيسر؛ فـ”شجون” التي تحررت من قيد الزواج ومن قيد الحب ومن قيد المال الذي أنفقته على ترميم بيت أبيها ومدرسة القرية وبناء فصول إضافية لها وتجديد مكتبة أبيها وفتحها للزوار وافتتاح ناد ثقافي وتعليم أبناء القرية وشراء أدوات الدراسة لهم جميعاً والاهتمام بالأرض الزراعية([8])، جمعت، بأفعالها تلك، بين ثلاثية مهمة في نهضة الأوطان هي: الحرية والبناء والتعليم.

واجتماع هذه الثلاثية في “شجون” وتحققها في عام (1988م) وفي يوم ما من شهر “سبتمبر” الذي له إيحاءات إيجابية في ذاكرة كل يمني حتى وقت قريب، يجعل القارئ يكتشف أن “شجون” ليست إلا ترميزاً لليمن التي لن تنهض بدون هذه الثلاثية التي جاءت ثورة سبتمبر من العام (1962م) من أجلها والتخلص من أضدادها، وليس من دليل يؤكد ذلك إلا كلامها بعد إجابة “لقمان” لها عن سؤالها عن تاريخ اليوم الذي هم فيه من شهر سبتمبر قائلة: “لا يهم أياً كان اليوم، إنه يوم ميلاد جديد لي، لاحظ ذلك جيداً”([9]).

ويمكن أن تذهب أسماء الشخصيات إلى ترميزات أخرى من خلال البحث عن العلاقة القائمة بينها وبين “شجون” من جهة وبينها وبين الأسماء التي تتناص معها من جهة أخرى؛ فإذا كان الاسم الآخر لـ”شجون” هو “تفاحة”([10])، فنحن أمام صراع بين ثنائية ضدية يذهب أحد طرفيها إلى “الجسد” من خلال رمزية “التفاحة” في المخيال الثقافي والديني، ويذهب الآخر إلى “الروح” من خلال رمزية “الشجون” التي ارتبطت بالمشاعر والعواطف الإنسانية.

ويتجلى صراع آخر في علاقة “شجون” بـ”سليمان” الذي ارتبط اسمه تناصياً بالعشق الجسدي في الكتاب المقدس وفي”نشيد الإنشاد بالذات، كما ارتبط بالمصلحة في قصة “سليمان” النبي مع “بلقيس”؛ فعشق “سليمان” الذي انتهى في الرواية بانفصال “شجون” عنه، يتقاطع مع ما عرف عن “سليمان” من عشق حسي وارتباط نفعي في التراث الديني.

أما علاقتها بزوجها “لقمان”، فتكشف عن صراع بين القلب من جهة والحكمة والعقل والحِلم من جهة أخرى؛ فإذا كان اسم زوجها يذكر بالحكيم “لقمان” ووصاياه لابنه، فـ “شجون” تذكر بالملكة “أروى- سيدة بنت أحمد الصليحي” في أعمال البناء والاهتمام بالتعليم وفي استقلالها بالحكم بوصفها امرأة تتنازعها أهواء الحكم وعاطفة الأمومة ليس لابنها فقط، وإنما لكل اليمنيين. بذا نستطيع القول إن الهموم الوطنية تغلغلت إلى أعماق الرواية التي نجحت في إخفاء ترميزاتها بصورة واعية.

  • سحر اللغة

أما عن اللغة العالية والمعبرة بقوة قلما نجد لها مثيلاً في كثير من الروايات الصادرة في اليمن، فقد انعكست على الرواية بالإيجاب حيناً وبالسلب حيناً آخر؛ فبهذه اللغة استطاع الروائي رصد كثير مما تعلق ببيئة الفضاء الذي احتضن أحداث الرواية وبالعادات والتقاليد وبمكنونات النفس وتوصيفها بدقة متناهية تجعل القارئ يتمثل الحياة بكل تفاصيلها في هذه البيئة ويعيش مع البطلة فيها، ولكن استرساله في كثير من المواطن يجعل القارئ يستشعر أن الروائي يتجه بفعله ذاك إلى توثيق كل ما ارتبط بتلك البيئة وتسجيله وتصويره أكثر من اتجاهه إلى توظيفه لخدمة العالم الروائي وبناء مساره([11]).

كما أن علو كعب اللغة، جعل القارئ يفتتن بها ويدخل في عوالم سحرها، وهذا يساعده كثيراً على الولوج في أتون التجربة الصوفية ويتفاعل معها بشكل أفضل دون أن يدرك هل حدث له ذلك بفعل إغواء اللغة الساحرة أو بفعل بيانها وبراعتها في نقل التجربة أو بفعل ما قدمته من تفاصيل للأحداث والأحوال، ولكن ما يمكن أن يعطل هذه التصورات الإيجابية، هو بيانية لغة الرواية ووضوحها الذي يتنافى مع إشارية اللغة الصوفية المتلامحة في الأبعاد الترميزية، ولو تم توظيف اللغة الإشارية في الثنايا لكانت أقدر على إقحام القارئ في التجربة الصوفية بصورة أكثر عمقاً وإقناعاً.

ومما يحسب للغة الرواية، نجاحها في نقل طبيعة حديث الكرامات الذي ينشحن بلغة غيبية واحتمالية تظل الحقيقة فيها متناوسة بين المعلوم واللامعلوم([12])، وفي تمثل أسلوب الحوارات الدينية([13]) وأسلوب الحكايات الخرافية؛ ففي نقله، مثلاً، لحكاية (الأميرات السبع في أسبانيا)، استطاع بلسان راويها (جميل عبد الرب) أن يفتتحها باللوازم الابتدائية التي تروى بها الحكايات الخرافية وأن يبهرج لغتها بالتسجيعات الجاذبة([14]) التي تتقاطع مع غاية صناعة الخرافة واستثمارها للترويج السياحي في سياق إيرادها([15])؛ لأن صناعة السياحة مرتبطة بصناعة الخرافة و”الكلام العلمي لا يروق إلا للقلة من السياح وفي أضيق الحدود”([16]).

وإذا ما حاولنا تسليط الضوء على أبرز سلبيات استخدام هذه اللغة العالية، فيمكن الاكتفاء بالآتي:

  • استخدام مستوى واحد للغة الحوارات؛ الأمر الذي أودى إلى عدم تفاوت الشخصيات في المستوى اللغوي الذي بمقدوره الكشف عن تفاوتات على المستوى الثقافي والمعرفي والطبقي والمعيشي لها([17]).
  • تداخل كلام الراوي بكلام الشخصيات([18])، والفصحى بالعامية في مواطن قليلة جداً([19]).
  • تكرار التدامج بين الأقوال المنقولة تلخيصاً بلسان الراوي وبين الأقوال المنقولة حرفياً بلسان الشخصية([20])؛ لأن الروائي اعتمد على استثمار تقنيات البحث العلمي التي تدمج، بشكل مباشر، اقتباسات الآخرين المسيجة بالعرض والتحليل التابع للباحث، وهذا على خلاف ما هو معروف في تقنيات كتابة الروايات.
  • كثافة الأقوال المنقولة تلخيصاً أو حرفياً وبسط الأفكار والتعليل للأحداث بلسان الراوي، جعل لغة الرواية تتجه، في مواطن كثيرة، إلى التحرير والتقرير والتعليق والتحليل والتفسير([21])، وهذا أفقد الرواية القدرة على إيصال ما جاء فيها من أفكار عبر الأحداث التي تزيد بها الرواية فنية كلما مُررت عبرها؛ لأن الأحداث تشير إليها ولا تفصح عنها كما تفعل الخطابات العلمية، كما أنه أفقد الحوارات طابعها الشفهي وجعلها تقترب من دائرة الحوارات المكتوبة.

 


 

[1]) نذكر للدكتور العريقي روايتين تتأسسان على التصوف هما: “تعرية” و “باهوت يفرس”.

[2])  الروايتان هما: “الظل والعاشقة” و”العُذيرة”.

[3]) تراجع رواية “الظل والعاشقة”، ص. 94-99.

[4]) الثنائيات كثيرة جداً، ولكنها يمكن أن تندرج في ثنائيتين كبيرتين هما: العلم/الخرافة أو الجسد/الروح.

[5]) على أساس أن ما ينتمي إلى الأولى يتم فيه توظيف شخصية تراثية صوفية ما وتقديمها بطريقة ريبورتاجية أو تعريفية؛ لغايات تعليمية أو دوغمائية أو دفاعية، وما ينتمي إلى الثانية يتم فيه توظيف الأفكار الصوفية ومصطلحاتها ومفاهيمها وترميزاتها وتقنياتها؛ لغايات مماثلة أو مغايرة.

[6]) الرواية، ص. 37.

[7]) تراجع، ص. 53-65.

[8]) تراجع، ص. 266-288.

[9]) ص. 285.

[10]) تراجع، ص. 173.

[11]) تراجع، ص. ص.72-73، 81-83.

[12]) تراجع، ص. 79-80.

[13]) تراجع، ص. ص. 160-181،231-246.

[14]) تراجع، ص. 89-92.

[15]) تراجع، ص. 86-89.

[16]) ص. 92-93.

[17]) للتمثيل على ذلك يمكن مراجعة، ص. ص. 73، 77، 123.

[18]) نكتفي بالإحالة إلى: ص. ص. 123،127، 162.

[19]) يمكن العودة إلى: ص. 77،132.

[20]) تراجع ، ص. ص. 112،115، 127، 131.

[21]) تراجع، ص. ص. 113-116، 184.

اظهر المزيد

محمد الكميم

كاتب وناقد و أكاديمي. يعمل محمد الكميم محاضراً في كلية الآداب جامعة صنعاء. حصل على الماجستير في مجال السيميائيات من قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة صنعاء عام 2009م. وحصل على الدكتوراه في مجال تحليل الخطاب من جامعة محمد الخامس بالرباط عام 2013م. نشر الكميم عدداً من المقالات والأبحاث في مجلات وصحف محلية وعربية. وله كتابان تحت الطبع هما: “الشِّعر والشَّعر: سيميائية الجسد في نصوص أندلسية”، و”خطاب المختارات الشعرية: مقاربة للمتعاليات النصية في نماذج أندلسية”. وهو عضو في اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى