fbpx
أدب
أخر الأخبار

الرواية اليمنية والحرب الأخيرة

صورة الحرب.. وإنجاز الرواية

تطرقت عدد من المقالات لوضع الرواية اليمنية في ظل الحرب الأخيرة، لكني هنا أركز على أمرين اثنين؛ الأول: الإنجازات التي حققتها الرواية اليمنية في هذه الفترة بالرغم من التأثيرات السلبية للحرب على حياة الكاتب والقارئ والداعم، تأثيرات شملت كل جوانب الحياة، ولم تسلم منها الحياة الثقافية. والآخر: صورة الحرب الأخيرة في الرواية اليمنية، هل تفاعلت الرواية مع الحرب وتأثيراتها، وكيف كان هذا التفاعل، وما الجانب الأكثر حضورًا في الرواية؟

الرواية اليمنية: إنجازات رغم الحرب

كان للحرب تأثير كبير على كُتَّاب الرواية في اليمن، فلقد ألقت الحرب بظلالها الاقتصادية والأمنية على حياة الكُتَّاب، واستقرارهم، واهتماماتهم، فالكتابة تحتاج إلى وقت وصفاء ذهنٍ، وهو ما لا يتوفر في ظل ضيق المعيشة الذي وصل إليه أغلب اليمنيين نتيجة لهذه الحرب. انهيار الدولة أدى كذلك إلى غياب دور وزارة الثقافة والمراكز الثقافية والجامعات، وأدى كذلك إلى توقف دور النشر المحلية؛ وهو ما أدى إلى توقف الدعم الذي يتلقاه كُتَّاب الرواية (وإن كان محدودًا وفي أحيانًا كثيرة معنويًا).

ولكن الملاحظ أنه على الرغم من تأثيرات الحرب السلبية، وما نتج عنها من صعوبات، فإن الرواية اليمنية جاهدت لتبقى حية وفتية، وحققت مجموعة من الإنجازات على الصعيدين المحلي والدولي. ولعل أهم ما أنجزته هو استمرار حركة النشر، بل إننا نلاحظ تنامي عدد الإصدارات في السنوات الأخيرة، فهناك عدد لا بأس به من الروايات التي صدرت في فترة الحرب الأخيرة عن دور عربية. وبغض النظر عن جودة هذه الروايات، فإن حركة النشر هذه حافظت على وجود الرواية اليمنية على الساحة المحلية والعربية، فهناك إصدارات جديدة للروائيين المشهورين من فترة ما قبل الحرب، وهناك وجوه جديدة ظهرت على الساحة الروائية اليمنية، شباب وشابات برزوا خلال الفترة الماضية من خلال إصدارات روائية، كانت هي الإصدار الأول لهم، لكنها لم تكن الأخيرة. هذه الأعمال تصدر خارج اليمن، وقليل منها يصل إلى القارئ اليمني في الداخل، ومع ذلك، فإن الإصرار على الكتابة والنشر في ظل هذه الظروف يُعدُّ إنجازًا وتحديًا كبيرًا للرواية اليمنية.

ومن جانب آخر حافظت بعض الأندية والملتقيات على أنشطتها في ظل غياب الدعم الحكومي والخاص، كما هو الحال في “نادي ألمقه” في صنعاء، و”منتدى البردوني” في ذمار، وبعض المبادرات الشبابية في بعض المحافظات الأخرى. هذه الأنشطة تدفع بعجلة الكتابة الروائية، وتشجع عليها، وتروج لها، مما يسهم في تعزيز وجودها وتطويرها.

العمل الفني ل لينه العمودي

ما يثير الاهتمام في هذا الأمر هو الحضور اللافت للروائية اليمنية، فعدد لا بأس به من هذه الإصدارات استحوذت عليه المرأة، وسُطِّر بأقلام أديبات شابات. فمن المعروف لدى المتابع للسرد الروائي اليمني أن حضور المرأة (بوصفها روائية) ظل باهتًا، ليس على مستوى الجودة، ولكن على مستوى النشر أيضًا، ولذلك فإن حضورها المتزايد في سنوات الحرب الأخيرة يثير الانتباه، فهل كان نموًا طبيعيًا لحقبة ما قبل الحرب، أم أن تلك إحدى تأثيرات الحرب العكسية؟

وعلى المستوى العربي حققت الرواية اليمنية بعض الإنجازات المهمة، يتمثل ذلك في حصولها على عدد من الجوائز العربية، ووصولها إلى مستويات متقدمة في المسابقات، ففي عام 2019 حصلت رواية “حصن الزيدي”، للغربي عمران على جائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع، وفي العام ذاته حصدت رواية “وحي” لحبيب السروري جائزة كتارا للرواية العربية، وفي العام التالي 2020 حصلت رواية “نصف إنسان” لنجيب نصر الجائزة ذاتها، وفي العام 2019 حصلت رواية “تراي شيزوفرينيا” لجمال الشعري على جائزة أفضل رواية عربية في مهرجان إبداع عربي، الذي أقيم في القاهرة. وفي العام 2018 وصلت رواية “أرض المؤامرات السعيدة” لوجدي الأهدل إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، وفي 2021 وصلت رواية “حصن الزيدي” للغربي عمران إلى القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ، وفي العام ذاته وصلت رواية “البندرية” للغربي عمران للقائمة القصيرة لجائزة توفيق بكار في دورتها الثالثة.

العمل الفني ل لينه العمودي

وفي السنتين المضيتين أعلنت بعض الجهات الخاصة عن مسابقتين في السرد الروائي اليمني، المسابقة الأولى هي “جائزة محمد عبدالولي”، التي أطلقتها دار عناوين بوكس، ومؤسسة جدارية للتنمية والإعلام، وموقع المختبر الثقافي. والمسابقة الأخرى هي “جائزة السرد اليمني – حزاوي”، التي يرعاها بنك اليمن والكويت. هذه المبادرات هي إنجاز للرواية اليمنية في ظل الحرب، فهي تستهدف الكُتاب اليمنيين خاصة، ومن المؤمل أن يكون لها دور في تنشيط حركة الكتابة الروائية في اليمن، وخصوصًا لدى الشباب.

الوصول إلى الشعوب غير الناطقة بالعربية هو تحدٍ كبير أمام الأدب المحلي، والترجمة هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الغرض. وعلى مدى العقود الماضية لم تحقق الرواية اليمنية شيئًا يذكر في هذا المجال، سوى الترجمات التي حظيت بها رواية “بلاد بلا سماء” لوجدي الأهدل، فقد تُرجمتْ قبل الحرب الأخيرة إلى الروسية 2011، وإلى الإنجليزية 2012، وفي سنوات الحرب حققت هذه الرواية إنجازان آخران، تمثل أحدهما في ترجمتها إلى التركية 2019، والآخر: تمثيلها مسرحية (مقتبسة من الترجمة الإنجليزية) على خشبة مركز باترسي للفنون بلندن في إبريل 2019.

تزامنتْ هذه الإنجازات مع تطور ملحوظ في أدوات الرواية ولغتها وتقنياتها وموضوعاتها، ولعل هذا ما يبرر وصولها إلى جوائز عربية مهمة. الرواية اليمنية إذن تطورتْ وأصبحت أكثر نضجًا، فجاءت الأعمال الروائية في الفترة القليلة الماضية- في الأغلب- أفضل من ذي قبل. وكما طورت من أدواتها طورت كذلك من موضوعاتها، فتحولت من مناقشة القضايا البسيطة إلى طرح موضوعات أكثر تعقيدًا، وتحولت من النظرة السلوكية الإرشادية إلى النظرة الفلسفية الوجودية. صحيح، أن الأمر ليس على إطلاقه، إذ هناك أعمال روائية ما تزال تبارح مكانها سردًا وموضوعًا، لكنَّا نجد أعمالًا أخرى متطورة في موضوعها وأدواتها، وهو تطور طبيعي لتجارب الفترة السابقة، أو هو مرحلة من مراحل السعي إلى النضج.

صورة الحرب الأخيرة في الرواية اليمنية

بشكل عام، جاءت الروايات في الفترة الماضية بعيدة عن أجواء الحرب وما يتصل بها، إذ ظلت تناقش قضايا تاريخية، أو واقعية تتعلق بما قبل الحرب الأخيرة. لكن هناك دائما استثناءات، وهذه الاستثناءات تأتي في اتجاهين: الأول: يتعلق بالمقاربة المباشرة للحرب، أو أدلجة الرواية، أي أن الرواية تحمل وجهة نظر أحد أطراف الصراع وتتبناها، بمعنى أنها تتبنى وجهة نظره في تصوير باطل الطرف الآخر وقبحه. وفي هذا الاتجاه لا نجد إلا رواية واحدة، هي الاستثناء الوحيد، وهي رواية “الخوثي” لسام الغباري، التي صدرت في العام 2020 عن دار أروقة في القاهرة ودار إرفاء في السعودية. والرواية تتحدث عن الحرب بصورة مباشرة، معتمدة على كثير من الأحداث الواقعية، والشخصيات الحقيقة، تذكر هذه الشخصيات بأسمائها الحقيقية، بالإضافة إلى أحداث وشخصيات متخيلة، بالقدر الذي يخدم النص وفكرته.

الاتجاه الآخر: المقاربة غير المباشرة، وتتمثل في تصوير بعض آثار الحرب على حياة الناس واستقرارهم، فتصور معاناتهم الاقتصادية والأمنية، وحياة الفقر والتشرد والخوف التي يعيشونها نتيجة الحرب الدائرة في البلاد. ويعرض هذا المقال ثلاث روايات تعرضت لتأثيرات الحرب الأخيرة على الناس.

العمل الفني ل لينه العمودي

الأولى: رواية “بر الدناكل” للغربي عمران، وهي روايته الأخيرة الصادرة عن دار هاشيت أنطوان (نوفل) في بيروت 2021. وتتطرق الرواية للأوضاع السياسية والأمنية في ظل الحرب الأخيرة، لكنها ليست حصرا عليها؛ إذ تبدأ أحداث الرواية من فترة ما قبل الوحدة، ويمتد خيطها ليشمل بعض أحداث وتأثيرات الحرب الأخيرة. وتدور أحداثها بين مدينتي صنعاء وعدن، مسلطة الضوء على حياة التشرد التي يعيشها المواطن اليمني نتيجة الحروب المتكررة، والأوضاع الأمنية غير المستقرة.

الثانية: رواية “سبع نساء ونصف” للروائية سمية طه، والتي صدرت عن دار “مدارك” في بيروت 2019. تحكي الرواية قصص سبع نساء وطفلة، لعبت الحرب الأخيرة بحياتهن، وسقتهن من مرارتها، تسرد الرواية معاناتهن مع الحرب ومآسيها، تكتب سمية طه على غلاف الرواية: “يختفي أبناؤهن وأزواجهن في غياهب التيه، في سجون الحوثة وسجون المستعمر الجديد، فيقمن محطات انتظار أبدية لعودة الغائبين، الذين لا يعودون أحيانا، يخرجن يتجمعن ويصرخن ثم يكن رجالا في غياب الرجال. لا تصنع النساء قرارات الحرب، ولا يتخذنها، لكنهن مجبرات دائما على عيش تفاصيل الحروب، وتَحَمُّل آثارها إلى أسفل قاع ركام حجارة منازلهن المهدمة على رؤوسهن، وبعد انتهاء القتال يحملن مسئولية بث الحياة واستعادة مجاريها. تقتل الحرب الرجال، وتسلب مستقبل الأطفال، وتخنق النساء، تكبس على صدورهن حتى يمتن ببطء”.

الثالثة: رواية “رواية غير مشروعة” للروائي الشاب جمال الشعري، وهي الرواية الثانية للكاتب، صادرة عن مؤسسة يسطرون للطباعة بالقاهرة 2021. وبالرغم من أن الثيمة الرئيسية للرواية هي مظلومية فئة المهمشين في مواجهة المجتمع، إلا أن الحرب بتأثيراتها المختلفة كانت حاضرة في الرواية، حيث رصدت حالة الشتات التي أفرزتها الحرب الأخيرة، مسلطة الضوء على بعض أحداثها ونتائجها المؤلمة على المهمشين والمجتمع اليمني بشكل عام.

وفي العموم فإن تفاعل الرواية مع الحرب الأخيرة كان باهتًا، ما عدا هذه الاستثناءات البسيطة، فهل يعني هذا أن الرواية اليمنية بعيدة عن الواقع اليمني، أم أنها تالية لزمنها؟ فالحرب الممتدة لما يقرب من سبع سنوات وتأثيراتها المدمرة على الشعب اليمني كفيلة بأن تكون مادةً خصبةً للسرد الروائي، لكنه كان زاهدًا في هذه المادة، ميممًا وجهه شطر اهتماماتٍ وحقبٍ أخرى. وحتى الروايات السابقة التي تطرقت للحرب لم تتناول سوى الشيء اليسير من تأثيرات الحرب ومآسيها، فتأثيراتها كثيرة ومؤلمة، لكن الرواية اليمنية- في استثناءاتها البسيطة السابقة- ركزت على حالة التشرد، بالإضافة إلى تأثير الحرب على المرأة.

ختامًا: الرواية اليمنية والحرب الأخيرة يعيشان في الأعم الأغلب عالمين مختلفين، فلا الرواية تأثرت كثيرًا بالحرب، ولا الحرب شغلت الرواية. فعلى الرغم من التأثيرات السلبية للحرب على المؤسسات الثقافية والأكاديمية، وعلى حياة الكاتب والقارئ، فإن الرواية لم تتأثر كثيرًا، وظلت صادمة، وحققتْ بعض الإنجازات المحلية والعربية والدولية في مجال النشر والجوائز والترجمة. وكذلك ما زالت الحرب وصورتها وآثارها بعيدة عن الرواية اليمنية، وكأن هذه الأخيرة تنتظر أن تضع الحرب أوزارها حتى تضعها ضمن اهتماماتها.

اظهر المزيد

Alawi al-Maljami

Yemeni poet and writer residing in Egypt.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى