ثقافة

المدرسة الشمسية ودورها في الوعي المجتمعي في منتصف القرن العشرين

في القرون الإسلامية الماضية كانت المساجد هي من تقوم بدور المدارس والجامعات. إذ لم يطرأ على بال الحكام والولاة إيجاد مبان أو مؤسسات خاصة بالتعليم. فتمت عملية التعليم في المساجد كالأزهر في القاهرة أو جامع القرويين في فاس أو الجامع الكبير في صنعاء. وفي اليمن تعددت المساجد المدارس وبلغت أوجها في الدولة الرسولية التي اشتهرت باهتمامها بالمدارس العلمية وأصبحت اليمن وبالأخص مدينتا تعز وزبيد اللتان نالتا نصيب الأسد من المدارس في اليمن قبلة للعلماء من كافة الأقطار الإسلامية. ويكفي أن نعرف أن اثنين من أهم القواميس العربية قد أنتجتها مدارس زبيد وأعني تاج العروس للمرتضى الزبيدي والقاموس المحيط للعلامة الفيروزآبادي الذي استقر ومات في زبيد. كما كانت حضرموت طيلة قرون عدة حتى العصر الحديث تحتضن عشرات المدارس الفقهية والأربطة الصوفية التي تخرج منها أفواج العلماء وتربى فيها سياسيون ومثقفون كان لهم دور بارز في الحركة الوطنية جنوب البلاد.

وتعتبر المدرسة الشمسية في ذمار إحدى أهم المدارس العلمية في اليمن. وقد نسبت إلى الأمير شمس الدين بن الإمام المتوكل على الله شرف الدين. وتم بناؤها عام 949 هـ 1543 م. ومنذ بنائها وهي مدرسة علمية لا يدرس فيها فقط العلوم الدينية ولكن أيضا الرياضيات والفلك والمنطق. كانت رمزاً للوسطية والاعتدال ورغم أنها كانت في منطقة زيدية إلا أن طلبة العلم كانوا يدرسون فيها المذاهب الأربعة. وقد تخرج منها علماء من كافة المذاهب، ليلتصق اسمها بقائمة طويلة من نخب اليمن العلمية والثقافية والأدبية والشعرية، وقد ساهمت الى حد كبير في إثراء الحياة الفكرية والعلمية في البلاد.

الصورة بإذن من على المحنش

وفي القرن العشرين كان لها دور مهم في صنع الحياة الفكرية والاجتماعية في اليمن قبل الثورة حيث تخرج منها مجموعة من أهم من غيروا الوعي في المجتمع اليمني أو ساهموا في تغيير الحياة السياسية كبعض المشاركين في ثورة 1948. ومرّد ذلك يعود لأسباب عدة منها أنها لم تكتف بتدريس العلوم الدينية وإنما توسعت إلى الأدب والمنطق والفكر، كما أنها كانت مركزاً تجمع فيه رواد الفكر الذين تداولوا الكتب الصادرة في بيروت والقاهرة فيما بينهم. فتأسس جيل يعي ما يحصل في المنطقة العربية من نهضة فكرية وثفاقية جعلتهم مدركين أن بلادهم تعاني من العزلة. وكانت نقاشاتهم وبداية كتاباتهم تدور حول أحوال البلاد و قد اتسمت بما تحمله من وهج فكري ثوري. التحق بالمدرسة الشمسية  وتخرج منها كوكبة من علماء اليمن ومناضليها وشعرائها المتميزين، أمثال أحمد عبد الوهاب الوريث (ت. 1940)، والشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني (ت. 1999)، والشاعر إبراهيم الحضراني (2007)، وزيد الموشكي (ت. 1948)، والمقرئ محمد حسين عامر (ت. 1999)، والأستاذ جار الله عمر (ت. 2002) والمؤرخ الشهير محمد بن علي الأكوع (ت. 1998)، وأخيه المؤرخ إسماعيل بن علي الأكوع (ت. 2008)، الذي يذكر في كتابه “المدارس الإسلامية في اليمن” أنه كان للمدرسة مكتبة نفيسة موقوفة، وكانت إلى الثمانينيات من القرن العشرين صرحاً من صروح العلم، حيث كان يفد إليها طلبة العلم للدراسة في كل عام من شتى المناطق اليمنية، بالإضافة إلى الطلاب من المدينة نفسها ومن نواحيها.

 وكان طلاب العلم الوافدون إلى ذمار الذين يُعرفون بالمهاجرين يقيمون في منازل – جمع منزلة –  “حجرات” ملحقة بالمدرسة الشمسية، وكانت بعض هذه المنازل معروفة بأسماء أسر تتوارث الإقامة بها خلفا عن سلف لطلب العلم. وكانت المنازل ملاصقة للسور الخارجي من الجهات الشرقية والجنوبية والغربية. أما الإعاشة فلم يكن هناك راتب للطلاب وقد ذكر القاضي إسماعيل الأكوع وهو أحد طلابها أنه كان هناك عوائل من أهل ذمار يخصصون الخبز للطلاب. فكان الطالب يذهب في الظهيرة إلى المنزل المخصص ويقرع الباب وحين يُسأل من الطارق؟ يجيب: “الراتب” فيعطى راتبه من الشعير أو الذرة أو البر، ولو كان أهل البيت ميسورو الحال فقد يعطونه إداماً مع الخبز.

وكانت الدارسة تتم على شكل حلقات من العلماء المتخصصين في مجالات عدة. فيستند كل منهم إلى عمود ويتجمع طلابه حوله في حلقة.

يعتبر أحمد عبد الوهاب الوريث من أوائل المفكرين والمشاركين في إحداث نهضة فكرية أثرت في جيله وقد كانت أفكاره هي المرجعية التي تحرك بها الثوار الأوائل الذي نفذوا ثورة 1948. وقد نهل الوريث العلم في المدرسة الشمسية واستقاه من علماء عدة وفي مجالات مختلفة منها الدين والأدب والتاريخ، فلما تشبع به أصبح مدرساً في المدرسة الشمسية ونبغ اسمه وعرفت أفكاره فاستدعاه الإمام يحيى إلى صنعاء فأسس هناك “مجلة الحكمة” ورأس تحريرها.

وكان للمدرسة الشمسية أيضاً دورٌ كبيرٌ في التكوين الفكري للشهيد زيد الموشكي، فبها بدأ تلقي العلم وفيها اشتهر بين أقرانه حتى تعرف عليه عامل ذمار عبد الله الوزير الذي قربه إلى الإمام يحيى ليكون معلماً لأولاده ثم يكون فيما بعد عوناً للوزير في ثورة 1948.

أما الشاعر اليمني عبد الله البردوني (1929 – 1999) فحين أصيب بالعمى وهو في سن الثامنة انتقل من قريته البردون إلى المدرسة الشمسية عام 1937 وهناك بدأ تكوينه الثقافي والفكري، حيث درس فيها عشر سنوات  مكملاً حفظ القرآن الكريم وكذلك قراءته  برواية ” نافع وحفص ”، وفي المدرسة الشمسية تفتقت قريحته الشعرية وبدأ في سن الثالثة عشر كتابة الشعر.

وتخرج البردوني من هذه المدرسة الشمسية محامياً. يقول عن نفسه في إحدى مقالاته في صحيفة 26 سبتمبر: “أصبحت محاميا حاملاً إجازة القرآن الكريم من أجل شيوخ المدرسة الشمسية صالح الحودي الذي درست على يده كتابين في علم الكلام أو معرفة الله أو دهليز الكفر عند أهل السنة. وكان الكتاب الأول يحمل اسم (الثلاثين المسألة الصغرى) والثاني يحمل اسم (الثلاثين المسألة الكبرى)”.

الصورة بإذن من على المحنش

كان البردوني وأصدقاؤه من خريجي المدرسة الشمسية يعرفون جيداً أن معارضة بيت حميد الدين واجب وطني، و قد غدا ذلك همهم اليومي. لذلك قام هو وأصدقاؤه بما يعرف بـ”حركة ذمار” التي تناولها في كتابه “اليمن الجمهوري”. وهي حركة قامت ضد تعسفات بداية العهد الاحمدي (نسبة إلى الإمام أحمد) والتنكيل بسجناء الرأي في سجن حجة. وذكر البردوني أن هذه الحركة كانت بقيادة عبدالله الديلمي والعديد من مثقفي ذمار فوزعت المنشورات التي تتناول الوضع السياسي وعرف الإمام احمد بهذا الموضوع وأرسل برقية بأنه سيدّك ذمار لو تستروا على المجرمين. فتم إلقاء القبض على ثلاثين سجينا من مثقفي ذمار، وتجمع أهالي ذمار لإخراج ذويهم من السجن وخرج الجميع ما عدا البردوني الذي تحمل وزر هذه الحركة وإن كان البردوني بتواضعه حين كتب عن الحادثة في كتاب اليمن الجمهوري كتب بأن شخصاً “لا أسميه” كان “أطول مشجب لتعليق مئات السوابق والاتهامات” ولم يذكر أنه هو من تحمل مئات السوابق والاتهامات وسجن مرارا لهذا الدور الفكري في المجتمع.

وبدوره يصف الشاعر الكبير إبراهيم الحضراني المدرسة الشمسية بأنه كان لها دور كبير في محو الأمية لا عن ذمار فقط ولكن أيضا عن كل أنحاء اليمن. وأضاف في كلمة له في جامعة ذمار ابان تكريمه من الجامعة عام 2006: “فكان أهالي ذمار يقدرون من وصل إليها لطلب العلم يراعون ظروفهم ويقومون بتحمل نفقاتهم ويسمونهم المهاجرون ويقررون لهم رواتب عبارة عن جزء مما يقتات به أهل البيت، ولا يجد المهاجر أي إحراج في أن يذهب وقت تناول الطعام ويطلب الراتب.. رغيف من برٍ وشعير، ويجمع كل ما جادت به أيادي أهل المدينة ويبيع ما يمكن أن يبيعه ويشتري بثمن ما باع إداما. وقد ذهبت إلى ذمار حسب ما دلني الأدباء لتلقي العلم وسكنت في منزلة قضاة آل الحضراني ودرست في المدرسة الفكر والنحو والمعاني والبيان وأصول الدين وقراءة القرآن وتلاوته.. وقد تخرج من هذه المدرسة العديد من أساطين العلم والفكر أمثال زيد الديلمي وعبدالوهاب الشماحي وأحمد عبدالوهاب الوريث”.

أما جار الله عمر السياسي الاشتراكي الكبير فيحكي عن انبهاره في طفولته بشباب من قريته ذهبوا إلى ذمار لطلب العلم وعادوا وقد تغيرت ثقافتهم إلى الأفضل وأصبح الناس يلتفون حولهم. وقد شجعه ذلك للتوجه إلى ذمار عندما كان عمره 16 عاما، وسكن في “منزلة” في المدرسة الشمسية. يضيف جار الله في حوار أجرته معه الباحثة الامريكية “ليزا ودين” ونشر في مجلة بدايات (العدد 14): “المشكلة الكبرى التي واجهتني هي أنّني دخلت المدرسة الشمسية في ذمار وأنا كبير في السن، حيث كنت قد تجاوزت السادسة عشرة وكانت المناهج في المدرسة كثيفة، في الفقه وعلوم اللغة والمنطق، وكل هذه المتون كان لها ملحقات لا بدّ من حفظها، وقد وجدت نفسي متأخراً عن طلاّب كانوا يصغرونني سناً، ولكنّهم كانوا قد قطعوا شوطاً كبيراً في مضمار هذه المتون أو الملخّصات، وانتقلوا إلى قراءة الشروح ولهذا كان عليّ المذاكرة نهاراً وليلاً للّحاق بهم”.

وعاد جار الله عمر إلى قريته يروج للمدرسة الشمسية ويقنع أقرانه بالتعليم الذي يتلقاه هناك وقد أقنع ابن عمه وعاد في العام التالي للدراسة معه فيها. وعن نظام التعليم فيها يقول جار الله: “وقد كنّا نخرج إلى الجامع قبل صلاة الفجر ولا نغادره إلّا لنصف ساعة للفطور ثمّ نعود لتناول الغداء بعد أن نكون قد قضينا وقتاً طوال النهار، ولهذا كانت لدينا ساعات قليلة للنوم. وتمكّنّا خلال عامين من حفظ الكثير من المتون، بما فيها «ألفيّة ابن مالك» و«متن الأزهار»، وشرعنا بقراءة الشروح، وكنا ندرس على يد أكثر من عالم وأكثر من فقيه، من بينهم إسماعيل السوسوه وزيد الأكوع وحمود الدولة وأحمد سلامه.”

الصورة بإذن من على المحنش

وقد بقي جار الله في المدرسة الشمسية ينهل من علومها ويحتك برجالاتها حتى العام ١٩٦٠. مما أهله لنيل إجازة دراسية منها وانطلق منها إلى فتوحاته الفكرية والثقافية السياسية.

كانت المدرسة الشمسية ومثلها المدارس العلمية في اليمن تلعب دوراً مهما في تشكيل الوعي الفكري والسياسي للمجتمع في اليمن. ولكن مع الزمن انتهى دور المدارس العلمية وظهرت المدارس الحكومية ومن بعدها الجامعات لينتهي دور المدارس العلمية في أغلب مدن اليمن. وهو أمر كان لا بد منه لتطور الحركة التعليمية في أي بلد. وما زالت بعض المساجد تلعب دوراً صغيراً في تعليم الأطفال القرآن الكريم وأحكام التجويد وبعض الكتب الصغيرة في الفقه. أما المدرسة الشمسية فقد انتهى دورها التعليمي منذ نهاية الثمانينيات. وفي الآونة الأخيرة عرفنا أنه يتم بناء مدرسة علمية ملحقة بالمدرسة الشمسية سيتم فيها إعادة الدور التعليمي لها، وبأنه سيتم تدريس العلوم الدينية والمنطق والأدب والفكر. أما المنازل فما زالت قائمة إلى يومنا هذا تتقاسمها أسر شهيرة في ذمار وما زال بعضها يستخدم كمكتبات شخصية يفر إليها أصحابها للقراءة والعزلة. وبعضها الآخر يستخدمها كفيفون يسكنون في المدرسة الشمسية ويقرأون القرآن فيها مقابل أجر مادي زهيد يعتاشون منه.

بشير زندال، أستاذ الترجمة والأدب الفرنسي المساعد في جامعة ذمار. مترجم وقاص وصدر له العديد من الإصدارات في مجال الترجمة والأدب.

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق