ثقافة
مقال شائع

فسبكة الحياة ورقمنة الموت في اليمن

من الواقعي المحدود إلى الافتراضي الشاسع

بدأت خدمة الانترنت في اليمن منتصف تسعينيات القرن المنصرم. لكنها كانت خدمات حصرية وباهظة الثمن وبمشغل واحد. يقتصر استخدامها على مؤسسات وافراد في المدن الرئيسة خصوصاً العاصمة صنعاء. وحتى عام 2004، لم يكن هناك حتى 1% من السكان في اليمن من يستخدم الأنترنت.

لم يتم انتشار استخدام الانترنت على نطاق واسع إلا مع دخول وسائل معمِّمة قابلة للتشغيل كالهواتف الذكية مع مشغلي اتصالات يزودون الانترنت بأنظمة متعددة وخارج المشغل الأول والمحتكر؛ أي تيليمن ويمن نت.

وتوفر الخدمة في ذاتها لم يكن كافيا لانتشار استخدام الانترنت؛ بل إن تقديم المنفعة الجديدة بما تتضمنه من الاستخدامات النفعية غير النخبوية وخارج الأعمال هي ما حقق ذلك الانتشار. كانت أحداث العام 2011 وما تلاها من تفاعل شعبي سياسي هي التي جلبت عامة الناس إلى الانترنت لتجعل الفرد منهم طرفاً في دائرة التأثير وفاعلاً فيما اعتبر حينها، على نطاق واسع، ثورة شعبية. وهنا بدأت الزيادة في عدد المستخدمين تقفز من 420 ألف مستخدم في العام 2010 إلى أكثر من سبعة مليون مستخدم في العام 2018 بنسبة تقارب 24 % من أجمالي السكان[1].  وهذا ما حقق للمستخدمين من العامة الشعور بكونهم ليسوا فاعليين اجتماعيين عاديين وحسب، بل ومشاركين سياسيين. وهذا الأمر يضيف معنى إلى حياتهم؛ أو إلى حياة البعض منهم على الأقل.

وبما أننا نفترض أن الدافع الرئيس وراء انخراط اليمنيين في شبكة الانترنت هو حدث تفاعلي اجتماعي سياسي فإنهم سيلجؤون الى وسائل تلبي هذه الحاجة. أي انهم سيتعاملون مع وسائل التواصل الاجتماعي بما يحقق لهم الحضور على الانترنت وكأنهم في مقيل أو ملتقى الكتروني. وهذا بالفعل ما تم.

تشير التحليلات الخاصة بالمواقع الأكثر استخداما بحسب البلدان إلى أن الفيسبوك هو الأكثر استخداماً في اليمن قياساً ببلدان عربية أخرى حيث نجد اليوتيوب هو الأكثر استخداماً كالسعودية على سبيل المثال[2]. ورغم تقارب عدد السكان بين البلدين وتقاربهما الجغرافي إلا أن فوارق الظروف الاقتصادية والسياسية قد تكون وراء الاختلاف في الموقع أو التطبيق الأكثر استخداماً. هذا؛ مع عدم تجاهل جودة خدمة اتصالات الإنترنت بطبيعة الحال التي تتفوق فيها السعودية.

ونحن نستشعر الحاجة الى التأمل في ظاهرة استخدام الانترنت في اليمن وقراءتها انطلاقاً من حقيقة أن التفاعل الافتراضي قد غدا واقعا مهيمنا ومؤثراً في حياتنا الشخصية والنفسية والعملية والمعرفية. إن جل من نعرفهم على الأقل في إطار النوع الاجتماعي والشرائح العمرية، موجودون على وسائل التواصل الاجتماعي، ونتابع مجريات حياتهم، ونعيش معهم أكثر مما مضى من خلال التشارك في الأخبار والهموم والطموح والتفضيلات.  وبالإضافة إلى هذا الجانب الشخصي الفردي، فإن ثمة جانبا جمعياً أو ما يمكن أن نسميه “المشترك الموضوعاتي اليمني”؛ فالسياق السياسي والاجتماعي المهيمن في اليمن على سكان الداخل والخارج منذ قرابة عقد هو الذي يفرض المواضيع المتداولة على شبكات التواصل؛ الأخبار، المقاطع الصوتية والمقاطع المصورة.

 وفي هذا السياق اليمني السياسي/ الوجودي نجد أن الصفحات الأكثر متابعة على الفيسبوك هي صفحات شخصيات أو كيانات مرتبطة عضوياً بالحالة السياسية في اليمن وما يترتب عليها من أوضاع اقتصادية واجتماعية علائقية ذات طابع هوياتي. ولنلق نظرة على حال المتابعة الافتراضية لبعض الشخصيات والمواقع والقنوات في اليمن حتى يتضح ما نرمي إليه من سيطرة الهم السياسي ذي الطابع الوجودي.

وفقا لموقع سوشيال بيكرز، فإن توكل كرمان هي الأكثر متابعة بـ3.4 مليون متابع (مع افتراضنا أن عدداً كبيراً منهم يعيشون خارج اليمن وهناك غير يمنيين)، لكن موقع المشهد اليمني يأتي ثانياً 2,8 مليون وموقع قناة بلقيس يأتي ثالثا 2 مليون متابع[3]. وكلا الموقعين لديه التزام نسبي بالتحول السياسي والاقتصادي في اليمن إلى حد أن قناة بلقيس -وهي الأخرى مرتبطة بتوكل كرمان -قناة ملتزمة جداً.   إن هذه الجموع من المتابعين يجمعهم خيط نفسي واحد هو متابعة ما يحصل في اليمن وانعكاسه على حيواتهم ومستقبل الأجيال القادمة.

 وهنا سأعمد إلى تأمل ظاهرة الفسبكة في اليمن؛ أي تصفح واستخدام تطبيق الفيسبوك كشاشة تعكس مجريات حياة الأفراد المشتركين والمتحلقين في مجموعات اختيارية من جهة، وحتمية من جهة أخرى نتيجة آلية عمل الفيسبوك الدلالية في تجميع الأفراد وفقاً لتفضيلاتهم.

وليس فيما نقدمه هنا أي خلاصات امبيريقية ذات طابع أكاديمي؛ إذ لا تتوفر البيانات والاحصائيات الداعمة للجدل اللهم إلا بعض النسب التي توضح الفكرة الرئيسة أو تدعم الافتراضات الأولية لهذا التأمل التي تقوم عليه المقالة.

العمل الفني لهاجر النهاري

الفيسبوك اليمني

يقدم الفيسبوك كإحدى وسائل التواصل الاجتماعي ثلاث وظائف للمستخدم، وهي: الحصول على الخبر، والترفيه، والتواصل وبناء العلاقات. وبهذا فهو أكثر من وسيلة خبرية ويرتكز على مفاهيم وسائل الإعلام في آن. لذا يطلق عليه الدارسون له صفة “الإعلام العلائقي media relationnel “.

يخلق الفيسبوك اغراءً نحو التعريف بالذات، والخروج من القوقعة، والتعرف على أصدقاء خارج الظرف المكاني؛ بمعني تشكيل جغرافية صداقة واسعة، فورية ومتجاوزة للقيود اللوجستية للتواصل الحقيقي.

كما تملك الصور سطوة على الأفراد وتمارس عليهم هيمنة وطغياناً لا يحتمل. ولهذا لا بد من تسجيل حضور -يومي على الأقل – بصورة، أو بجملة كلمات، أو باقتباسات ذات طبيعة متنوعة بين الديني و الفني والأدبي… هذا الضغط يجعل المستخدم تحت إكراه التواصل على نحو مثير للشفقة.

يمنح الفيسبوك فرصة لكل فرد أن يقول كلمته ويذهب بعد أن يلقي بها في بركة الماء. لا لغرض التثوير بالضرورة في ظرف “ثوري” أو المراجعة والنقد ولكن من باب اسقاط واجب اجتماعي وسياسي او تسجيل حضور تواصلي؛ أي من أجل إسماع الصوت الذي لم يجد له ممراً عبر وسائل التعبير السياسية والإعلامية.

إنها فرصة لا تعوض للثرثرة.  ينشر اليمنيون على الفيسبوك أكثر من أي وسيلة أخرى من وسائل التواصل الاجتماعي بمعدل 84% من إجمالي ما ينشرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي[4]. حياتهم بكثير من تفاصيلها موجودة هنا، على الفيسبوك.

وفي ظروف اليمني القاسية تحولت حياته إلى “حائط” متحرك من الأخبار، أو من المنشورات. وهذا ما نقصده بفسبكة الحياة.

ومثلما يعيش اليمني حياته الواقعية في عالمين منفصلين، عالم الذكور وعالم الإناث والتداخل بينهما ضيق، محدود، مؤطر بإِحكام، ومليء بالمحاذير، فإن الفيسبوك اليمني هو أيضا انعكاس نسبي لهذه الحقيقة الاجتماعي.  فهو لا يحكم اغلاق الحجاب الرمزي بين الاناث والذكور، إلا أنه يتيح القدرة على التواصل. فتح الفيس الباب للتواصل بين الاناث والذكور، وأتاح القدرة على التخفي وراء أسماء مستعارة وممارسة حياة مختلفة عن قيود السياق الاجتماعي.

 77% من مستخدمي الانترنت في اليمن هم من الشريحة العمرية بين 19 الى 34 سنة، ونسبة الذكور منهم إلى الإناث 68%[5]. هذه الفئة العمرية التي يفترض أنها تتقد بالأمل وبالحيوية وجدت نفسها فريسة للعطالة، لقيود عملية على الحركة والتنقل سببها الصراع الدائر في اليمن منذ أعوام.  هذا مع العلم أن هذه الفئة ليست ضحية خالصة، فأفرادها منخرطون في الصراع على أرض الواقع أو عن طريق ما يدلون به من آراء في العالم الافتراضي.

عكس الفيسبوك في الفضاء اليمني هيمنة الصوت الذكوري كما هي الحال في الواقع اليمني. فالنسبة الأكبر من مستخدمي الانترنت الذكور يتداولون خطابهم الذكوري بينهم. وهم غائبون، إلى حد بعيد، عن رؤى الجنس الآخر-الإناث-بخصوص المواضيع المتداولة، أيْ الحرب والسلام، والحياة والموت، وحاضر البلد ومستقبله، وصورة العلاقة بين أفراده.

زيادة في المستخدمين وحصرية التواصل

كما أسلفنا في البداية فإن التواصل عبر شبكات التواصل الاجتماعية شهد قفزة كبيرة في اليمن في العشر سنوات الأخيرة. لكن هذا التواصل محصور بديناميكية استقطاب حادة بين مكونات سياسية واجتماعية. الفيسبوك أو غيره من الشبكات ما هي إلا وسيلة للتعبير عن هذا الاستقطاب. ولأن الافراد يختارون أصدقاء مماثلين لهم في الذوق الاجتماعي والتوجه السياسي، فإن ذلك ينتج جزرا تواصلية إن جاز لنا هذا التعبير. لا وجود لـ “حائط” عام شامل ومشترك يدور فيه حوار عقلاني بالمفهوم الهابرماسي. لكن هناك حوائط صغيرة هي حواجز رمزية ضد التواصل العقلاني بين المختلفين.

التشبيك على المشاعر الأهلية لا الإحساس الوطني الجامع

تتشكل الجزر التواصلية بطريقة تبدو عفوية وهي في الأصل تقنية صرف بسبب خوارزميات التشبيك الدلالية التي يتبناها الفيسبوك. ولهذا فإن الحاصل هو تشبيك على أسس الجماعات أو المجموعات الأهلية التي تتبنى قضايا فرعية تدور رسائلها فيما بينها بصورة توافقية وتكرس خطاباً واحداً وحيداً غير متنوع ومحصور في إطار “القضية”. وهو خطاب، غالبا، لا يقبل بالنقد والمراجعة ومنغلق على ذاته المتضخمة. ومن هنا تنمو، بطبيعة الحال، مشاعر أهلية مجموعاتية متناقضة مع الإحساس الوطني الجامع.

الموت والفيس بوك

عمل فني لهاجر النهاري

الموت بطبعه حقيقة، حدث مكرور، لا مفر منه. لكن كون الانسان يتمسك بالحياة، فإنه يتعامل مع الموت في كل حالة وكأنها أول مرة تحدث. وهذا يعني ببساطة غياب العقلانية في ردة الفعل الإنسانية نحو الموت وغلبة العاطفية غير العقلانية.

في حين أن الفيسبوك يجعل الحياة مفترضة، فالعلاقات افتراضية، والشخصيات افتراضية (ازدواجية التعامل وامتلاك شخصية لكل حساب في حال تعدد الحسابات قد لا تتطابق مع واقع الفرد في الحياة غير الافتراضية)، لذا فإن المشاعر مفترضة وتحول الموت من حادثة مريعة إلى نبأ؛ أي إلى منشور على شاشة زرقاء، منشور يلي منشوراً آخر قد يكون مختلفا عنه وقد يحمل بشرى فرح، أو خبر مولود جديد قدِم إلى الحياة.

يغدو المستخدم في نزهة بين الحياة والموت، نزهة لحظية عابرة للمشاعر، للإدراك لوعي الموت والحياة.

رقمنة الموت

الكتابة والنشر على الفيسبوك هو توثيق وتدوين. في السابق كان التدوين في سجلات أو حتى قصاصات ورق. كان تدوين الحوادث يقع على شيء مادي، ملموس، بمكان معلوم الحفظ. لكن التوثيق عبر حساب فيبسوك لحادثة موت هو إيداع خبر في عالم غير ملموس. يتحول الموت إلى كلمات، إلى صورة؛ صورة غير ملموسة، محفوظة رقمياً كترجمة للمفردة المستخدمة بالإنجليزية ومثلها بالفرنسية Dematerialize ، وقد اقترح البعض نظيراً عربيا لهذه الكلمة بالرقمنة. وهذا ما نقصد به برقمنة الموت.

فماذا نتج عن هذا التدوين الافتراض او هذه الرقمنة؟

الانتقال من هول الحادثة إلى اختصار الخبر

في العادة، وقبل الفيسبوك، تعزي الأسرة نفسها في فقيدها بتضخيم سردية الموت، الإحاطة بالملابسات، وإتاحة فرصة للخيال في حبك الحدث وإعادة بنائه. وبهذا تخرج حادثة الموت من طور النبأ إلى التفاعل والتضعيف المتخيل لأنها تستولي على مشاعر الأسرة ويظل إيقاعها حاضرا لبعض الوقت وربما مدى الحياة. أما في حال أجواء الحرب اليمنية وتمثيلاتها الفيسبوكية، فالعادة أن سردية الموت لا تتضاعف وإنما تتضاعف عدد حالات الموت فتتسارع وتتعاقب العزاءات وتختصر إلى واقع خبري، عار، مجرد مع قليل رتوش من وعود رومانسية لاحقة تتأسس على مفهوم الشهادة الديني والتضحية من أجل هدف سام مثل الوطن (التضحية تحت لافتات عديدة؛ الدين الوطن القضايا الجزئية).

تهوين الموت

المراوحة بين الافتراضي والواقعي منح الموت حالة افتراضية وهون من كارثيته. تواتر أنباء الفقدان لأفراد وجماعات بسبب الحرب والأمراض المعدية جعلت الموت في اليمن معيشا وغير معيش، واقعيا وافتراضيا في الآن نفسه.  لقد جعلته هذه الأنباء مناسبة لتجميع المواساة على غرار الـ “لايكات”. صار الموت أمر غير ذي شأن، مبتذلا وشائعاً.

يسارع الواحد في زف بشرى الفرح بمولد جديد ومثلها يفعل في نشر خبر الوفاة. وبتواتر الحوادث لم يتح للكارثة أن تأخذ مداها في التلقي والادراك. لم تدم فترة الحداد لأن حداداً آخر منتظر. ثم إن الناس مشغولة بما هو عام. بهذا تداخلت الأحياز بين العام والخاص وطغى العام على الخاص الذي فقد حميمته وانتزعت منه الملكية في التعبير وذهب نحو “المشاركة”.

بطبيعته الظاهرة، يعمل الفيس بوك على جعل الحياة حائطاً منزلقاً أو بساطاً متحركاً. ولهذا تحول الموت إلى مادة للنشر، إلى “منشور” بصورة أو بدونها. ويكفي الضغط خفيفاً على زر التحريك لتندفع صورة أخرى أو منشور آخر. وهنا تتداخل الأزمنة والأمكنة؛ على الصعيد الترابي في اليمن أو الإقليمي أو العالمي. لا يعمل الحساب الشخصي على الفيسبوك كصحيفة. لا يوجد تبويب على الصفحة العامة يفرد حيزاً خاصاً للموت وأخباره وتعازيه، ولا مستطيل للحوادث المتنوعة يمكن القفز عليها وتفاديها. يأتي كل شيء جملة واحدة.

الصورة بإذن من الكاتب

لهذا فإن الموت يتداخل بالحياة دون حواجز تحذيرية، دون بهجة أو تهيب. كل شيء هو “منشور” أو خبر منشور. يفقد الموت فتنته الرومانسية.

 

 

مصطفى ناجي باحث ودبلوماسي يمني سابق مقيم في فرنسا

 

 

 

 


[1] Internet World Stats.

[2] Map of most visited websit per Coutry,

[3] https://www.socialbakers.com/statistics/facebook/pages/total/yemen/

[4] https://gs.statcounter.com/social-media-stats/all/yemen

[5] Facebook users in Yemen, february 2019.

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق