إبداع بصريالنوع الاجتماعي والمجتمع المدني

جهود أبناء الريف اليمني في إحياء التعليم خلال فترة الحرب نموذج قرية مارية

ألقت الحرب بظلالها على شتى مناحي الحياة في اليمن. بيد أن التعليم كان هو الأكثر تضرراً جراء الحرب. حيث عانى التعليم من عثرات كبيرة في السنوات الأخيرة بسبب الصراع وانقطاع الرواتب. فالمدرِّس، وهو حجر الزاوية للعملية التعليمية، لم يعد بإمكانه القيام بمهامه على أكمل وجه دون استلام راتبه. اتجه أغلب المدرسين إما إلى التدريس في المدارس الخاصة  أو إلى حرف بسيطة من شأنها أن توفر له و لأسرته أساسيات المعيشة. كما أن الوضع العام أدى بأولياء الأمور إلى التهاون في مسألة تعليم أبنائهم، فالبعض بات يحتاج إلى مساعدة أبنائه في العمل لتوفير متطلبات الحياة. أدت كل هذه العوامل إلى تولد قناعة عند أغلب أبناء هذا الجيل من الطلاب بأن التعليم لا يوفر المستقبل الآمن، كيف لا والتجارب تثبت أن أباءهم تعلموا وتوظفوا وهاهم الآن لا يجدون قوت يومهم. فصارت قناعتهم بأن العمل الحر أفضل من التعليم. لذلك شهدت السنوات الأخيرة تسرب الكثير من الطلاب في شتى المراحل التعليمية.

 عانت المدارس الحكومية في المدن جراء انقطاع الرواتب لأكثر من ثلاث سنوات مما جعل أغلب المدارس في السنوات الأخيرة لا يقومون بالتدريس إلا ثلاث حصص فقط في اليوم. و نتيجة تغيب أغلب المدرسين قام مدراء المدارس بجمع الطلاب من نفس المرحلة في فصول أقل حتى يتسنى لمن تبقى من المدرسين تدرسيهم. وهو ما جعل الفصول تتكدس بالطلاب. وهذا يعني أن الجودة في العملية التعليمية قد أصبحت في أدنى درجاتها. إذ لا يعقل أن يقوم المدرس بمهامه من الشرح والمتابعة الدائمة للطلاب والفصل يتجاوز المائة طالب.

ما سبق جعل أولياء الأمور الذين ما زال بإمكانهم و لو بصعوبة دفع رسوم التعليم الخاص  يسحبون أولادهم من المدارس الحكومية ويعمدون إلى تسجيلهم في مدارس أهلية. وبذلك شهدنا هجرة جماعية للطلاب من المدراس الحكومية إلى المدارس الأهلية التي بدورها أصبح التعليم في أغلبها لا يختلف عن المدارس الحكومية من حيث التسيب واكتظاظ الفصول. وبهذا فإن جودة التعليم في المدارس الحكومية والأهلية قد نزلت إلى أدنى مستوياتها في السنوات الأخيرة.

ويؤكد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة للتعاون في الشؤون الإنسانية في اليمن أن 4،7 مليون طفل يحتاجون إلى مساعدة في مجال التعليم، منهم 3،7 مليون في حاجة ماسة. ويشمل ذلك حوالي 2 مليون طفل غير ملتحقين بالمدرسة.[1] وهذا يعني أن التسرب وصل لأرقام قياسية في أغلب مناطق اليمن بسبب ظروف الحرب.

لقطة من الفيديو للقرية

تختلف ظروف الحياة والتعليم في الريف عن المدينة. فالطلاب مع غزو شجرة القات إلى قراهم باتوا – حتى من قبل فترة الحرب – يفضلون العمل في زراعة القات على التعليم. أما في فترة الحرب فالقناعة بعدم جدوى التعليم باتت لديهم في أعلى درجاتها. لقد شهد التعليم في الريف عملية تسرب بالغة جدا لدى الجنسين. وفي هذا الوضع، فإنه لا يصل إلى الثانوية إلا حوالي 20 % من عدد الطلاب الذين سجلوا في الأول الابتدائي.

هناك أسباب لتسرب الطلاب في الريف، بالنسبة للفتاة يعد الزواج المبكر من أهم الأسباب. هناك حالات تتزوج فيها البنت الريفية في المرحلة الأساسية من التعليم في سن الـ13 أو 14. وربما قبلها في حالات نادرة. أما في مرحلة الثانوية فترتفع هذه الحالات.

وبالنسبة لتسرب الذكور، فإن من أهم أسباب التسرب هو اتجاههم إلى العمل في مزارع القات لأنها بحسب قناعتهم توفر المستقبل الآمن بديلا عن الدراسة والعمل الحكومي. كما أن الزواج المبكر للذكور يعتبر عائقا لهم. فالطالب الذي يتزوج في الـ15 من عمره يتحمل مسؤولية أسرية تجعله يترك الدراسة ويتجه إلى زراعة القات وبيعه. بالإضافة إلى عدم متابعة بعض الأهالي بل وتشجيع البعض منهم أبناءهم على التسرب من التعليم.

يتسرب الطلاب الذكور في الغالب تبعا لقرارهم الشخصي بعكس الفتيات فأغلب حالات تسربهن تأتي نتيجة إرغام الفتاة  على هذا القرار إما من الأب الذي يعتقد أن معرفتها للقراءة والكتابة يكفيان الفتاة، أو لأن الأم والأب يحتاجان الفتاة للعمل إما في البيت أو في الزراعة أو في الرعي.

ومع فترة الحرب وتوقف الرواتب شاب العملية التعليمية في الريف بعض العثرات ووصلت إلى درجة إغلاق بعض المدارس في بعض القرى. وخروج أغلب الطلاب من العملية التعليمية ما عدا البعض الذين تمسكوا بالتعليم وباتوا يذهبون إلى قرى مجاورة للدراسة أو انتقلوا إلى المدن خاصة لأجل التعليم.

لقطة من الفيديو للقرية

في المجتمع المدني يتواكل الكثيرون من المنتمين إلى هذا القطاع على غيرهم في تحمل المسؤولية الاجتماعية بخصوص مثل هذه القضايا الملحة، ويعتبرون أن هذه المسألة او تلك من مهام الدولة. بيد أن الريف المتعود منذ العصور السبأية والحميرية على الاعتماد على رجال القبيلة في حفر الآبار والسدود وشق الطرق، استطاع تجاوز الكثير من المشاكل في البنية التحتية مثل المدارس والطرق والمشاركة في تمويل بناء السدود والمدارس والمراكز الصحية. لم يكن من الصعب إقناعهم بالمشاركة الفعالة في الحفاظ على التعليم من خلال جمع المال للمدرسين أو للكتاب المدرسي بغية الحفاظ على مسيرة قافلة التعليم في المنطقة.

سهلت ثقافة (الغرم) – وهي جمع المال من أجل أحد أفراد القبيلة حين يقع في مشكلة ما مع قبيلة أخرى – عملية اقناع أبناء الريف في التفاعل مع مبادرات تحافظ على المؤسسات في قراهم.

في بعض القرى تم التعامل بمسؤولية مع مشكلة انقطاع رواتب المعلمين وضعف الإنفاق الحكومي على التعليم. وقرية مارية (15 كم غرب ذمار) نموذج جيد على إنقاذ عملية التعليم من الضياع. فقد اجتمع الأهالي وتشاوروا ثم أخذوا في جمع مبالغ من أهالي الطلاب ومن الميسورين حتى يغطوا نفقات التعليم في المدرسة. وقد استطاعوا أن يوفروا الرواتب لمدرسي المدرسة بل والتعاقد مع مدرسين إضافيين لتغطية المواد العلمية وخاصة في المراحل الثانوية. نفذ المبادرة الأستاذ صالح بغاشة ومعه أشخاص من القرية ومجلس الآباء في المدرسة، واجتمعوا مع أغلب سكان القرية، في أكثر من لقاء، وطرحوا موضوع التعليم وضرورة المبادرة لإنقاذ التعليم في القرية.

يقول  الأستاذ صالح: “استغلينا كل الوسائل لإقناع الأهالي بدعم التعليم: مناسبات الزواج؛ والعزاء؛ وحتى خطبة الجمعة لتوصيل رسالة الاهتمام بالتعليم”.

يتميز المجتمع الريفي بأن عقد الاجتماعات واللقاءات أكثر سهولة من مجتمع المدن، فلو حصلت مناسبة عرس فإن القرية تجتمع للمقيل في ذلك اليوم، وكذلك مناسبات العزاء. لذلك يستغل القيمون على المبادرة هذه اللقاءات لفتح موضوع التعليم على سكان القرية وإقناعهم بأهمية التعليم. يقول صالح بأنه يستغل أي فرصة لإقناع الناس. حتى لو التقى شخصين في الطريق فإنه يكلمهم حول التعليم.

تم الاتفاق على جمع مبالغ مالية من أولياء امور الطلاب. الطلاب من أول ابتدائي إلى خامس يدفعون حوالي  1000ريال،  والطلاب من سادس إلى تاسع يدفعون 1500 ريال، ويدفع طلاب االمرحلة الثانوية 2000 ريال. تسلم  المبالغ شهريا إلى لجنة مالية من الأهالي. وكأن من شأن هذه المبالغ أن وفرت رواتب للمدرسين المنقطعة رواتبهم، كما وفرت رواتب لمدرسين طلب منهم القدوم من مدينة ذمار لتغطية المواد المهمة في المرحلة الثانوية.

لقطة من الفيديو للقرية

أكد الأستاذ حسين جهلان، وهو أستاذ تم التعاقد معه للتدريس في المدرسة بأن تفاعل الأهالي كان جيداً في العام الماضي وفي هذا العام. كما أن حماس الطلاب كان عالياً مشجعاً على مواصلة العملية التعليمية. وفي حديثه عن المصاعب أكد  جهلان أن هناك فجوة تعليمية نتيجة القصور الذي حدث في بداية سنوات الحرب، حيث تغيب بعض المدرسين حينها، مما أدى إلى حاجة الطلاب إلى مراجعة المواد العلمية التي لم يدرسوها في السنوات السابقة كالرياضيات والعلوم. وأشادت الأستاذة أحلام عامر، وهي أيضا أستاذة متعاقدة في المدرسة، بمبادرة أولياء الأمور في قرية مارية، لأن حماس أغلب أولياء الأمور كان عالياً في متابعة العملية التعليمية، وفي متابعة المدرسين لمعرفة مستوى أبنائهم. وأكدت أنه لا يوجد لديها عقبات في التدريس كونها تسكن في القرية ولا إشكالية لديها أو لدى أسرتها في التفرغ للتعليم. وذكر المدرسان بأن المبادرة ضمنت توفير الاحتياجات الأساسية للتعليم كالرواتب التي سلمت لهما طوال العام الماضي.

نجحت المبادرة في قرية مارية في الحفاظ على سفينة العملية التعليمية من الغرق. وقد أخذ أبناء القرى الأخرى التي ركدت فيها العملية التعليمية في التوافد من قراهم إلى قرية مارية للدراسة. بل والمساهمة كما يساهم أبناء القرية بالأموال. ولو أن هذه المبادرة نفذها أبناء القرى الأخرى في مدارسهم ما اضطر أبناؤهم إلى الانتقال يومياً إلى مارية من مسافات بعيدة، بل ودفع المبالغ مثل طلاب مارية. كما نجحت المبادرة أيضا في إقناع الأهالي بعدم سحب بناتهم من المدرسة. وبهذا قلت نسبة التسرب في المدرسة وخصوصاً في المرحلة الثانوية. بل وأكد صالح بغاشة بأن بعض الأهالي بات مقتنعاً بمواصلة تعليم بناتهم في المرحلة الجامعية. وقد نتج عن ذلك اهتمام الأهالي بتأهيل البنات في الإنجليزية والحاسوب. وتتجمع يوميا بنات من القرية في باص للذهاب إلى مدينة ذمار على بعد 15 كم لأخذ دورات في الحاسوب وفي الإنجليزية. بل وبعضهن بدأن أيضاً يأخذن دورات في الإسعافات الأولية والتمريض.

في مديريات بعيدة مثل عتمة ووصاب تم التفاعل مع مبادرات مماثلة حافظت على العملية التعليمية في بعض قرى هذه المديريات. لم تتم العملية في كل المدارس ولكن على الأقل كانت هناك نماذج في المديريات ستشجع بقية القرى على اتباع تنفيذ مثل هذه المبادرات.

لقد نجح الريف فيما لم تنجح فيه المدينة. إن تماسك المجتمع الريفي في القرى التي تشهد سلماً اجتماعياً ميزة سهلت له العمل التعاوني على مر التاريخ. وقد كان للتعليم حظ في بعض القرى التي تشهد استقرارا وسلما أهلياً بعكس القرى التي تشظى فيها المجتمع القروي جراء الصراع؛ تماما كما هي الحال في بعض القرى المحيطة بمارية. وهو الأمر الذي جعل أبناء تلك القرى لا يولون التعليم ولا العمل التعاوني أهمية تذكر، و قد نتج عن ذلك انتقال تلاميذ تلك القرى إلى قرية مارية للتعليم.

 

 

بشير زندال، أستاذ الترجمة والأدب الفرنسي المساعد في جامعة ذمار. مترجم وقاص وصدر له العديد من الإصدارات في مجال الترجمة والأدب.

 

 

 

 


[1] – نظرة عامة عن الاحتياجات الإنسانية، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تقرير، ديسمبر 2018، ص 47

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق