fbpx
ثقافةرأي
مقال شائع

برهوت؛ الخرافة والدين

برهوت في التراث الإسلامي

يعود أول ذكر لبئر برهوت في كتب التراث الإسلامي إلى كتابين: الأول كتاب “الأصنام” لأبي المنذر هشام الكلبي المتوفي 204هـ، ذكر في روايته بأن “أرواح المشركين ببرهوت”([1]) ولكنه لم يرفعها إلى النبي عليه السلام، وإنما إلى ابن عباس، والثاني كتاب “المصنف” لعبدالرزاق الصنعاني المتوفي 211هـ، وقد ذكر رواية نسبها لعلي تقول: “خير واديين في الناس ذي مكة، وواد في الهند هبط به آدم صلى الله عليه وسلم فيه هذا الطيب الذي تطيبون به، وشر واديين في الناس وادي الأحقاف، وواد بحضرموت يقال له: برهوت، وخير بئر في الناس زمزم، وشر بئر في الناس بلهوت، وهي بئر في برهوت تجتمع فيه أرواح الكفار”([2])، وذكر رواية أخرى رواها عن ابن جريج ولكنه بصيغة “يقال” دون نسبة لأحد:” يقال: خير ماء في الأرض ماء زمزم، وشر ماء في الأرض ماء برهوت – شعب من شعاب حضرموت”([3]). وقد أعاد الأزرقي (المتوفى: 250هـ) في كتابه “أخبار مكة وما جاء فيها من الأثار” نفس الآثار التي ذكرها عبدالرزاق.

وهذه المؤلفات لم تكن تحقق في رجالات السند لتلك الأخبار، وإنما كانت تكتفي بالجمع، وأول من رفع خبر تلك البئر للنبي عليه السلام هو الطبراني في “المعجم الكبير” فأورد حديثاً عن ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم وشفاء من السقم، وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت، بقية حضرموت، كرجل الجراد من الهوام يصبح يتدفق ويمسي لا بلال بها) ([4]). والطبراني متوفى سنة 360هـ، أي أنه يروي هذه الرواية بعد مرور ثلاثة قرون ونصف من زمن النبي، وبعد 160 عاماً من روايتي الكلبي وعبدالرزاق، وهي مدة كافية لنسبة كثير مما كان يسمع ويشاع بين الناس إلى النبي عليه السلام لينال قدسية ما، ويصدّق بشكل أكبر، وخاصة بعد أن سيطرت مدرسة الأثر على المشهد الفكري الإسلامي، وصار المجتمع جاهزاً لتقبل الظنون في العقائد. أما في العصر الحديث فسيأتي أحد المحدثين المعاصرين وهو الشيخ الألباني ليضمه لقائمة الأحاديث الصحيحة في موسوعته([5])، وبالتالي صارت تلك الرواية مما يقبل في العقائد عند من يرى أن الرواية إن صحت قبلت في الاعتقاد. أما ابن حزم قديماً فرفضها واعتبرها من أقوال الرافضة([6]). وبالعودة لنسبتها لعلي قد يرجح أنها كما قال ابن حزم أنها من أقوال الشيعة التي نسبوها لعلي.

جاء ذكر برهوت في كتب التراث الإسلامي في أربعة أقسام منها: ما جاء في كتب الحديث سابقاً، وما جاء في كتب العقائد، وكان أول ذكر لها في كتاب “شرح السنة” للبربهاري (المتوفى: 329هـ) بقوله: “إن أرواح الشهداء في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة، وأرواح المؤمنين تحت العرش، وأرواح الكفار والفجار في برهوت”([7]). وما جاء “أنها تجمع أرواح الكفار”([8])، وما جاء في كتب الفقه الشافعي على أنها ضمن المياه المكروهة([9]). وما جاء في كتب التاريخ التي جمعت بعض القصص التي تناقلها الناس حولها، فذكر محمد بن إسحاق بن العباس المكي الفاكهي (المتوفى: 272هـ) في كتابه “أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه” عن رجل من أهل اليمن قال: ” أمسى عليّ الليل وأنا ببرهوت، فسمعت فيه أصوات أهل الدنيا، وسمعت قائلا يقول: يا دومة، يا دومة، قال: فسألت رجلا من أهل الكتاب وأخبرته بالذي سمعت، فقال: إن الملك الذي على أرواح الكفار يقال له دومة “([10]).

الصورة للفريق العماني لاستكشاف الكهوف عبر حسابهم في تويتر @OCET_Oman

مكان بئر برهوت

أما تحديد مكان تلك البئر التي قصدتها تلك الكتب فتتوزع بين رأيين: الأول هو بئر بَرهُوت التي تقع في منطقة فوجيت ضمن مديرية شحن في محافظة المهرة، وتعرف كذلك بـ “بئر فوجيت” وهي بئرٌ عميق يبلغ قطرها ما بين 25-30 مترًا، والثاني أنها “مغارة برهوت” وتقع داخل أحد الجبال شرقي محافظة حضرموت بالقرب من قرية تنعة، وهي مغارة مظلمة وعميقة تمكن الكثير من المستكشفين من دخولها والتصوير فيها، ويقول السكان المحليون أنها هي المقصودة ببئر برهوت، وفيها تعيش الخفافيش والثعابين وتنتشر منها رائحة كبريتية بالإضافة إلى الرطوبة العالية. ورواية أبو المنذر الكلبي ذكرت أن “برهوت واد بحضرموت بقرية يقال لها تنعة” ترجح هذا الرأي.

في الأسابيع الماضية قام فريق عماني بالنزول إلى البئر التي تقع في محافظة المهرة، وقد تم تصويرها وإزاحة المخاوف التي كانت تسيجها، وعلى إثر ذلك دار في مجتمعنا اليمني جدل حول ارتباط تلك البئر بخرافة “قعر جهنم” أو “سجن الجن”، وما نسخ حولها من قصص وخيالات، فتم تبديد ما كان حولها من خرافة، فيما تحدث طرف آخر عن أن روايات برهوت لم يرق مستندها الحديثي لأن يكون صحيحاً على شروط أهل الحديث، وكان نزول ذلك الفريق وتبديد تلك الخرافة عند الناس قد رفع أصواتاً لا دينية تعيد الربط بين الخرافة والدين وأنهما شيء واحد، وفريق ديني اكتفى بإثبات عدم صحة الرواية، والتفريق بين الدين والخرافة دون القدرة على فض ذلك الاشتباك بينهما.

لقطة من داخل البئر من فيديو للفريق العماني لاستكشاف الكهوف @OCET_Oman

الخرافة بين الديني واللاديني

موضوع الخرافة والدين من المواضيع الشائكة وخاصة إن ناقشها صاحب التوجه الديني، ولذا فإن فض الاشتباك بين الخرافة والدين يحتاج لتصور دقيق لحدود كل منهما ودوره، أما صاحب التوجه اللاديني فقد أراح دماغه في الموضوع واعتبر كليهما شيئاً واحداً! ولكن هل كان رأياً عقلانياً أم لا؟ هذا سيتضح حين نرى المسألة من مسافة أبعد، لأن الاقتراب بصورة سطحية سيوحي بأن اللاديني أكثر اتساقاً، بينما الحقيقة أنه أقل اتساقاً إذا نظرنا للمسألة في إطارها الأوسع بالنظر إلى الوجود كله وطريقة تفسيره.

يعتمد اللاديني على النظرية المادية في تفسير الكون والحياة والإنسان، بينما يعتمد الديني على النظرية الإيمانية في تفسير كل ذلك، ومن هذا الاختلاف برزت أهم الفروق الثلاثة بينهما، وهي فروق يزيد فيها الديني بعداً آخر على الأبعاد المادية، فالإنسان له بعد آخر بجوار الجسد المادي وهو الروح، والكون المادي له بعد آخر وهو ما وراء المادة، أي عالم الغيب المقابل لعالم الشهادة، والحياة الدنيوية لها بعد آخر وهو الحياة الآخرة، وهذه هي الأعمدة الأساس التي ينطلق منها الدين، ولذا كانت أركانه “إيمان بالله” الذي يمثل الغيبي أو المطلق في مقابل النسبي كرؤية للوجود، و”إيمان باليوم الآخر” كرؤية للحياة، و”إيمان بالعمل الصالح” الذي يحتاجه البعد الآخر للإنسان وهو الروح.

والديني يرى أن إزاحة هذه الأركان الثلاثة ستجعل معرفة الوجود والحياة والإنسان قاصرة وغير مكتملة، وأن ترك الدين تماماً باعتباره خرافة سيلحق الضرر بالإنسان من زوايا كثيرة، فالدين هو أساس النظام الأخلاقي الذي يحفظ وجوده، وهو الذي يكسب الحياة الاجتماعية معناها، وهو مصدر الأمل والطمأنينة عند الإنسان، ولولا الأمل لما كان للحياة معنى، ولولا الأخلاق لتوحش الإنسان ضد الإنسان وضد ما يحيط بها من عناصر الكون.

بالعودة إلى معنى الخرافة في إطار علاقتها بالعلم والتي تعرف بأنها “الاعتقاد بما لا ينفع ولا يضر، ولا يلتئم مع المنطق السليم والواقع الصحيح”([11]). أو “الاعتقاد بالأشياء التي لم يتوصل العلم إلى حقيقتها وماهيتها، ولم يثبت صحتها، ولم يعرف أخير هي أم شرّ”([12])، فكل اعتقاد لا يقوم على أساس براهين كافية فهو خرافة، والمتدين يضيف للبراهين الواقعية ما آمن به من دين بطريقة قطعية. وهنا نجد أن ذلك الباب من الإيمان والذي أتى به الدين قد فتح المجال لتترسب الخرافة من جواره، إذ هناك اعتقادات إيمانية يسلّم بها الديني دون أن يعرف سببها المنطقي، وهذا سيعود بنا إلى نقطة سابقة في نظرية المعرفة، إذ يرى الديني أن هذا الوجود المشاهد وراءه عالم غيبي لم ولن نستطيع فهمه أو إدراكه ولذا فإن خالقه وموجده قد أوحى لبعض خلقه بتصورات تقرب لهم هذا العالم كي يكونوا أكثر رؤية له، وكلفهم بشعائر ليكونوا أكثر انسجاماً معه، فكان الوحي مصدراً من مصادر المعرفة.

لقطة من داخل البئر من فيديو للفريق العماني لاستكشاف الكهوف عبر حسابهم في تويتر يوثق عملية النزول @OCET_Oman

المعتزلة والعقائد

وحتى لا تترسب الخرافة من جوار تلك التصورات الغيبية، أو تتسرب البدعة من جوار تلك الشعائر، فإن الديني واتساقاً مع نفسه لابد أن يحدد بوضوح ما هو وحي من غيره، حتى لا يتسرب إليه ما ليس منه، وهذا ما تنبه له المتكلمون الأوائل وخاصة المعتزلة، فقد عرّفوا علم الكلام أو علم أصول الدين بأنه “العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية، أي: اعتبر في أدلتها باليقين، لأنه لا عبرة بالظن في الاعتقادات”([13]). وحدّوا تلك الأدلة اليقينية بما كان قطعياً في ثبوته، أي قطعي بأنه وحي ثابت من الله، وما كان قطعياً في دلالته، أي لا يحتمل عدة معان، فرفضوا ما كان ظنياً في ثبوته في باب العقائد، ولم يُلزموا بما كان ظنياً في دلالته، ولم يعتبروه من أصول الدين، أو أسس الاعتقاد، وهذان الشرطان أقفلا الباب أمام ما قد يتسرب إلى الدين مما ليس منه، وبالتالي تدخل الخرافة وتتكاثر مستندة إلى الدين، وقد كان هذا المنهج الصارم في التعامل مع العقائد والشعائر أشبه بتطبيق “ديب فريز” فيحفظ ما في الملف دون زيادة أو نقصان، إذ الزيادة تثقل جهاز الكمبيوتر عن العمل، والنقصان يضعف اشتغاله وانطلاقته.

إن ذينك الشرطين من قطعية الثبوت والدلالة لقبول العقائد لا ينطبق إلا على القرآن الكريم، فهو وحده المنقول تواتراً كنص ديني في العقائد، يقول شيخ الأزهر السابق محمود شلتوت ملخصاً هذه الفكرة: “إن الطريق الوحيد لثبوت العقائد هو القرآن الكريم، وذلك فيما كان من آياته قطعي الدلالة…، وأما ما كان غير قطعي في دلالته…، فهذا لا يصلح أن يتخذ دليلاً على عقيدة…، فثبوت العقائد بالقرآن أو عدمه مبني على قطعية الدلالة أو ظنيتها، أما قطعية الورود فهذا لا شك فيه، إذ القرآن كله قد وصل إلينا كما أنزله الله عزوجل متواتراً جيلاً عن جيل”([14]).

لكن هذا المنهج الصارم في التعامل العقائد الغيبية تراجع وتراخى تاريخياً مع انتصار مدرسة الأثر التي أعطت مساحة للنصوص الظنية في باب العقائد، فكانت تلك النصوص الآحادية ثغرة دخلت منها خرافات تتلبس لبوس الدين وتتعمق في المجتمع، وصار من الصعب تجاوزها، فالجن مثلاً كعالم غيبي أكده القرآن وحصر علاقتهم مع الإنس بالوسوسة والتزيين، سنجد أن النصوص الظنية ثبوتاً أو دلالة قد أدخلت استخدامهم في السحر والتأثير على الآخرين، وبذلك دخلت خرافات كثيرة في هذا الباب، بالإضافة إلى خرافات العين والعلاج الجسدي بالقرآن وتفسير الأحلام، والكلب الأسود، وغيرها. وخرافة برهوت كانت إحدى ثمار الروايات الظنية كما رأينا.

الصورة من تغريدة لحساب الفريق العماني لاستكشاف الكهوف تنسب لأحد أعضاء فريقهم وهو في البئر (خسفت فوجيت) @OCET_Oman

فولتير والخرافة

قبل أكثر من قرنين كان الفيلسوف الفرنسي -الأكثر محاربة للخرافة كما يصفونه- فولتير قد عمل مقارنة بين من يرفض كل ما لا يراه منطقياً ويغرق في الإلحاد ومن تستعبده كل الخرافات، أو يعيش بدين ما، ورأى أن الثاني أحسن حالاً إن نظرنا من كل الزوايا، يقول فولتير في كتابه رسالة في التسامح:

“قد يكون الجنس البشري من الضعف وفساد الخُلق إلى حد يُؤثَر معه لجمه بكل ضروب الخرافات الممكنة، بشرط ألا تكون قاتلة، على أن يعيش بلا دين. فلطالما احتاج الإنسان إلى كابح يلجمه، ومع أن تقديم القرابين إلى آلهة الحقول، وربات الغابات، وحوريات الأنهار، قد يبدو مثيراً للسخرية، تبقى عبادة هذه الأشكال الغريبة من الآلهة أكثر تعقلاً وأكثر فائدة من تعاطي الإلحاد. فالملحد الذي لا يفتأ يحاجج ويجادل بعنف ولجاج لا يكون أقلً بلوى وأذيّة من المؤمن -الدموي المنزع- بالخرافات… فحيث يقوم المجتمع، يغدو الدين ضرورياً، فالقوانين تسهر على ردع الجرائم المنظورة، والدين على ردع الجرائم المستورة”([15]).

والهدف من نقل كلام فولتير ليس الإقرار بالخرافة، ولا الدعوة إليها، وإنما الإقرار بأن الحياة لا تفسر بالعلم فقط وإنما تحتاج إلى إيمان أيضاً، ولا يخلو الإنسان في حياته من إيمان ما وإن لم يدركه، ولكن هذا الإيمان محدود في دائرة مغلقة، هي عند الديني ما جاءه من الوحي وهو ما سماه القرآن “المتشابه” لأن العقل لا يستطيع إحكامه في الواقع، وهو المقابل لـ”المحكم” وهو ما استطاع العقل إدراكه بالعلم والمعرفة، أما المتشابه فلا يعلم تأويله إلا الله، أما الحكماء والراسخون في العلم الدنيوي فيدركون أن العلم لا يستطيع تفسير كل شيء وأن هناك ما هو وراء المادة، وبالتالي ليس من خيار أمامه إلا الإيمان، “والراسخون في العلم يقولون آمنا”، فهم في المحكم المشاهد يعتمدون العلم، وفي المتشابه الغيبي يؤمنون، “وحيث ينتهي العلم يبدأ الإيمان”، ذلك الإيمان يمنحهم تفسيراً متسقاً للوجود، وتوازناً حكيماً تجاه الحياة، وطمأنينة عميقة في النفس، وحتى يكتمل ذلك التوازن والاتساق لا بد من نفي خرافات كثيرة التصقت بالدين، عبر روايات ظنية آحادية حملت العقل الإسلامي خرافات كثيرة أفقدته الانطلاقة في عالم الشهادة للبحث عن الأسباب واكتشاف القوانين كجزء من مهمتهم في إعمار الأرض.

 


([1]) كتاب الأصنام ص50.

([2]) مصنف عبدالرزاق 5/115.

([3]) مصنف عبدالرزاق 5/116.

([4]) المعجم الكبير 11/98.

([5]) حديث رقم: 3322 في صحيح الجامع الصغير.

([6]) الروح لابن القيم 106.

([7]) شرح السنة 82.

([8]) شرح العقيدة الطحاوية 2/583.

([9]) تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي 1/76.

([10]) أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه 2/41.

([11]) المذاهب الفكرية المعاصرة لـ د. غالب عواجي 2/1186.

([12]) الميزان في تفسير القرآن للطباطبائي 1/422.

([13]) منهج علماء الحديث والسنة في أصول الدين لـ د مصطفى محمد حلمي ص107.

([14]) الإسلام عقيدة وشريعة ص 57-59 بتصرف.

([15]) رسالة في التسامح لـ فولتير ترجمة هنرييت عبودي ص153.

اظهر المزيد

عبدالله القيسي

أكاديمي وباحث في الفكر والفلسفة، حاصل على الدكتوراه في الفكر الإسلامي، رئيس منظمة تمدن للتنمية الفكرية (اليمن)، يكتب في عدد من المجلات والمواقع، وصدرت له عدة كتب في الفكر الإسلامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى