fbpx
أضواء
مقال شائع

حوار مع الناقدة السينمائية اليمنية هدى جعفر

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

هدى جعفر، كاتبة وناقدة سينمائية يمنية، بدأت الكتابة عن السينما في الملحق الثقافي لصحيفة الجمهورية، وقد عُرفت بمقالاتها التحليلية النافذة التي تجمع بين معارف عدة في السينما، والسياسة، والتاريخ، والأدب، وعلم الاجتماع.. نشرت مقالاتها ونصوصها في أكثر من مطبوعة وصحيفة وموقع إلكتروني، نذكر منها: السفير العربي، النهار، وأخبار الأدب، العربي الجديد، منشور، أراجيك، عين على السينما، ألترا صوت، وأخبار الأدب ومجلتنا هذه المدنيةـ كما شاركت في العدد التذكاري الأول من نشرة مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية والتي كانت مخصصة للمخرج المصري الراحل توفيق صالح، وكذلك في الملف الذي نشره موقع “المدن” عن الإغراء في السينما العربية، والملف الذي نشرته مجلة الجديد عن السينما والمرأة العربية.

وعملت كمحررة للصفحة الثقافية في صحفية الجمهورية الصادرة من تعز ثم في صحيفة الأولى المستقلة.

وبجانب الكتابة هدى جعفر متخصصة في المراقبة والتقييم لمشاريع منظمات المجتمع المدني.

  • أهلاً بكِ هدى معنا في مجلة المدنية. هل بالإمكان أن تحكي لنا كيف كانت بداية اهتمامك بالسينما وبالنقد السينمائي؟

أهلاً بكم..

لا يوجد لحظة معينة يمكن الإشارة إليها بأنّها النقطة التي قررت فها أن أصبح كاتبة، أو أن أصبح ناقدة سينمائية، لكن كان كل شيء في حياتي يدفعني دفعًا لهذا الخيار، بالنسبة للشغف بالسينما فأنا مثل ملايين الشغوفين الذين بدأوا التعلق بها منذ الطفولة، ورغم أني نشأتُ في بلد بلا دور سينما فقد كانت مشاهدة الأفلام طقسًا يوميًا في منزلنا، وكنّا نتناقش كثيرًا عن الأفلام رغم حداثة أعمارنا وحتى قبل أن نعرف أن هناك شيئًا اسمه نقد سينمائي.

وفي مرحلة المدرسة كنت وصديقاتي نكثر من النقاشات عن الأفلام التي نشاهدها، وقد كان نقاشًا يغلب عليه الفكرة الأخلاقية لدور السينما، وطبيعة أدوار الممثلات، وأفضل المشاهد، ومشاهد التقبيل، والموسيقى التصويرية وغيرها، ولم يكن أحد سوانا يفعل ذلك في المدرسة، لكن فكرة الاحتراف في الكتابة سواء النقد السينمائي أو سواه لم تكن في نيتي على الإطلاق، وبعد التخرج من الجامعة كتبت موادًا صحفية يغلب عليها التعاطيّ الساخر من برامج الفضائيات في جريدة “الثورة” لكنني لم استمرّ طويلًا هناك، وقد كنت وقتها قد قدمتُ إلى اليمن من دولة مجاورة ولم أكن أعرف الكثير عن عالم الكتابة والصحافة في اليمن، ثم بدأت فكرة النقد السينمائي تلح عليّ، وفي حديث وديّ مع الكاتب والمحلل السياسي ماجد المذحجي أخبرته برغبتي تلك، فأوصلني مع الصحافي زكريا الكمالي الذي كان مسؤولًا عن الملحق الثقافي في جريدة “الجمهوريّة”، فتم تخصيص عمود أسبوعي بعنوان “بحب السيّما” ونشرتُ أول مقال لي في شهر فبراير.

لكن إن كان يتوجب عليّ أن أشير إلى نقطة معينة، فإنني أسترجعها الآن بكثير من الدهشة رغم أن ذاكرتي قد ابتلعتها تمامًا حتى وقت قريب، حيث كنت بعمر الخمس سنوات تقريبًا وكان والدي ذات يوم يشاهد فيلمه المفضل لتشارلي تشابلن “أزمنة حديثة/ 1936Modern Times” مع صديقٍ له وكنت بالجوار ألعب بشيءٍ ما، وفي مشهد الختام نرى تشابلن مع حبيبته يسيران سوياً، وقد تشابكا بالأيدي، فاستفسر الصديق عن عيشهما سويًا ونجاحهما من عدمه، فقال أبي له بأنّ الشمس مشرقة، وأنّ الطريق أمامهما مُعبّد، فهذا يعني أنهما سيعيشان سويًا بسعادة، وسينجحان في عملهما.

لقد غابت هذه اللحظة في داخلي تمامًا حتى حضرت فجأة قبل عدة أشهر، ولكن لعلها اللحظة التي بذرت بداخلي هذه الفكرة، وأنّ لكل شيء في الفيلم معنى ودلالة.

  • هل تواجهين صعوبات كونك من النساء القليلات اللواتي يعملن في مجال النقد السينمائي عربياً؟

لا لم أجد أي صعوبات لكوني امرأة، ولكنني أجد بعض العراقيل لكوني من اليمن أكثر من كوني امرأة، فلدى العالم أجمع صورة نمطية شديدة القتامة عن اليمن، وهذا لا يخصني أنا وحدي، بل يخص أجيالاً متعاقبة من الكتاب اليمنيين، والموسيقيين، والروائيين، …الخ، فقد شوّشت عزلة اليمن الجيوسياسية وصورته لدى الآخر على كل المواهب في اليمن، حتى عند اليمنيين أنفسهم.

لكن في النهاية استطعتُ التغلب على هذا الموضوع، وكنتُ محظوظة بالتعامل مع مواقع، وصحف، ورؤساء تحرير، يقدرون الموهبة بغض النظر عن جنسية صاحبها أو صاحبتها، وأخص بالذكر الأستاذ الناقد أمير العمري رئيس تحرير المجلة الإلكترونية “عين على السينما” الموقع الوحيد المتخصص للنقد السينمائي في العالم العربي.

  • هل ترين من إمكانية لوجود أعمال درامية وسينمائية منُافسة في بلد يشهد صراعاً مريراً ودور السينما فيه مقفلة، خصوصاً بعد (عشرة أيام قبل الزفة) و(سد الغريب

مشكلة السينما والفنون في اليمن مشكلة سياسية في الأساس. إذ عاش اليمن في آخر ثلاثين عامًا تحت نظام سياسي حارب الفنون، وهمشها، فاعترى الضعف كل المجالات الثقافية، كما أن هناك في اليمن أيضًا نسبة مرتفعة للأمية، وطغياناً للقيم الريفية التي تحجم من قدرات صانعي الأفلام، وسوء فهم لعلاقة حقوق الإنسان بالفنون، واستسهال مهول لدى معظم المُنتجين، والمُخرجين، كما أن هناك إغراقاً غريباً في التعاطي التقليدي مع الفنون جميعها.

ولذا أعتقد أن الجمهور اليمني وصانعي الدراما يقف كل واحد منهما عقبة في وجه الآخر.

لكنّي أتمنى بشدة إنتاج أفلام سينمائية منافسة، تلقى جماهيرية داخل اليمن وخارجه، حيث أن إغلاق دور السينما في اليمن هي أحد مظاهر مشكلة السينما في اليمن، لكنّها ليست كل المشكلة.

  • قلتِ أكثر من مرة أنك تكرهين ربط الفن بوجود رسالة، فأين ترين مكان الفن السينمائي في اليمن حالياً؟

للفن القدرة الكبيرة على التغيير الاجتماعي لكنه ليست وظيفته الوحيدة، فأنا مثلًا، اعتبر نفسي كاتبة نسوية من الدرجة الأولى، وعملت في مشاريع ضخمة لدعم حقوق النساء، لكن إذا فكرت في إخراج فيلم، أو كتابة سيناريو فلن يكون فيلمًا عن حقوق النساء على الإطلاق.

وبسبب تعدد المشكلات في اليمن فقد أصبح موضوع الفيلم/ القضية هو الصورة الوحيدة للتعبير الفني، إنّ التعاطي مع الفن في اليمن له أكثر من جانب، والمانح الأجنبي يلعب دورًا في حصر صانع الفيلم اليمني في مواضيع معينة، حيث يتم تقييم الأفلام القادمة من الشرق الأوسط من وجهة نظر سياسية، وليس من وجهة نظر فنية، وهذه مشكلة عويصة لأنها تعمق من الرداءة ولا تنتصر للقضية أيضًا، والاحتفاء الغربي يُشعر الطرف الآخر بأنه قد أنجز شيِئًا عظيمًا بينما في الواقع وبحسب المعايير الجمالية فغالبًا ما يكون الفيلم على درجة كبيرة من السوء.

  • كيف تنظرين لتزايد الاهتمام بالسينما والدراما عند الجيل اليمني الجديد؟ وهل هي حالة من خلالها نستطيع أن نرصد تكون ذائقة فنية نقدية عند الجمهور اليمني أم أن هذا الاهتمام محاولة للالتهاء عن واقع مرير؟

اليمني بطبيعته لديه حب شديد للفنون جميعها بما فيها السينما، ولكن الجديد أن وسائل التواصل أتاحت لنا رؤية ردود الفعل على الإنتاج السينمائي ومشاهدة الآراء المختلفة التي يقدمها الجمهور نحو الأفلام، وهذا الاهتمام والنقاش حول الأفلام إيجابي للغاية، وليس للموضوع علاقة بالواقع البائس الذي يعيشه اليمن.

  • كيف تنظرين لواقع النقد السينمائي في اليمن؟

النقد السينمائي في اليمن لا زال في بدايته المبكرة جدًا، لكنها بداية أعتقد أنّها مبشرة، وإن كانت بطيئة. ولو حصرنا عدد المقالات النقدية السينمائيّة التي شارك بها يمنيون في الصحافة العربية في آخر خمس سنوات مثلًا، فهي قليلة جدًا، لكنها، في نفس الوقت، زادت عن الخمس السنوات التي سبقتها.

وانعدام الحركات النقدية السينمائية، في اليمن، هو واحد من أكثر الأسباب التي ساهمت في ترديّ الفنون. وبصورة عامة نستطيع القول إن الإنتاج السينمائي، سواءً كان يمنيًا أو غير ذلك، يمر -في الغالب- دون قراءات نقدية جادة ومتعددة. وما يُكتب على قلته يميل بمعظمه إلى مناقشة موضوع الفيلم من ناحية أيديولوجية، أو حقوقية بعيدة كل البعد عن النقد السينمائي الفني. ومن هنا تراكمت الأخطاء الفنية، وتعددت، واستفحلت.

  • بمن تأثرت في المضمار النقدي؟

النقد السينمائي هو حصيلة عدد من المعارف الكثيرة بالإضافة إلى الذوق الشخصي.  وأعتقد أن كل ما مررت به كان له دور كبير في تشكيل ذائقتي الفنية. وبالتالي، فإن كتاباتي النقدية قد تأثرت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتجربتي الحياتية ككل، وبكل ما شاهدته من أفلام، ولوحات، وصور فوتوغرافية، وكل ما قرأته من روايات وشعر وقصة ومعارف نفسية واجتماعية وفلسفية، وكل من تأثرت بهم من كُتّاب/كاتبات، ومخرجين/ات وممثلين/ات. ونوعي الاجتماعي (كوني أنثى)، واتجاهاتي السياسية، وظروف نشأتي، بل حتى الحجرة التي شاهدت فيها أول فيلم في حياتي، التي ما زلت أحتفظ بتفاصيلها في ذاكرتي حتى الآن، كلها عوامل قد أسهمت في تشكيل ذائقتي النقدية وفي صبغ كتاباتي بطريقة ما.

  • ألسنا جميعاً ناقدين بالسليقة كمشاهدين؟ إذاً ما الجديد الذي يضيفه الناقد؟

إن النقد السينمائي يعني إلمامًا بالكثير من المعارف، يعني قراءات متعددة، والتحلي بعيون كثيرة لالتقاط الغائب من ثنايا المشاهَد. إن الناقد هو “المترجم” الذي يصل بين صانع الفيلم والجمهور، وهو الذي يُجسّر الفجوة بين الفيلم وبين المتلقي، وهو “المستبصر” الذي يُفسّر المعاني الغائبة حتى عن المخرج نفسه.

الناقد الحقيقي لا يمتلك المعرفة فقط، بل لديه الجرأة على الإفصاح عنها، حتى لو خالف ذلك الآراء السائدة.

ولا أعتقد أن أهم وأعظم سينمات العالم كانت ستكون بهذا المستوى بدون الحركات النقدية التي رافقتها.

الناقد البارع، هو بالأصل، مشاهد بارع.

  • بمَ تتلخص متعة الفيلم بالنسبة لك؟ وهل من الممكن أن يكون الفيلم ممتعاً وسيئاً في الوقت نفسه؟

حاولت ذات يوم أن أجد رابطًا بين قائمة الأفلام المفضلة لديّ، فلم أستطع تحديد رابط واحد، لكنّي أعتقد أني أحب الفيلم الذي يمس جزءًا عميقًا بداخلي، الذي يجعلني أضحك، او يجعلني أفكر.

نعم من الممكن أن يكون الفيلم سيئًا وممتعًا في نفس الوقت، الملل هو أفدح عيب في الفيلم السينمائي، هذا بعد أن نتفق على معنى كلمة “سيئ” طبعًا.

العمل الفني لمها العُمَري
  • هل هناك “ذائقة سيئة” و”ذائقة جيدة” وما معايير الحكم على الاثنتين جمالياً؟

نعم بالتأكيد هناك ذائقة سيئة وذائقة جيدة، ومسألة الذوق الشخصي ترجع إلى عدة عوامل تتداخل فيها العوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والنفسية. الذوق لدى الناقد السينمائي يزيد وينقص بالمعرفة، وبالتراكمية، وبالتغييرات التي يمر بها النقاد.

الذوق يتطور بمشاهدة الأفلام السيئة، كما الأفلام الجيدة، أو الأفلام العظيمة.

لا يُحب الناس عادةً الاعتراف بأن الأذواق متباينة، لذلك يؤكدون بأنّ الذوق “مسألة نسبية” ولكن حتى نسبية الذوق ليست حقيقة مُطلقة، ولا تنفي تفاوت الأذواق. ولو تساوت الأذواق لاندثرت الفنون منذ زمن.

  • هل تتعمدين أحياناً أن تشاهدي أفلاماً سيئة لغرض التحليل النقدي؟

لا لا أفعل ذلك عادةً، في الحقيقة لا يُمكن معرفة مستوى فيلم بدون مشاهدته، لذا لا يمكن أن أطلق على الفيلم بأنه سيئ مسبقًا قبل أن أشاهده.

لكن قد تكون هناك بعض الأنواع السينمائية التي أحبها بدرجة أقلّ من غيرها، لكن أشاهدها لأنّ ذلك ضروري جدًا للكتابة النقدية.

  • هل يؤثر مستوى تقييم الفيلم على اختيارك له؟ وعلى تقييمك له سلباً أم إيجاباً؟

لا. لا يؤثر ذلك على اختياري له، فقائمتي المفضّلة تحوي أفلامًا بتقييم منخفض، بالمقابل هناك أفلام بتقييم مرتفع جدًا، ولا تخلو منها أي قائمة سينمائية مفضّلة لآلاف الأشخاص لكنّي أعتبرها أفلامًا سيئة، مثل الفيلم البرازيلي “مدينة الربCity of God 2002.

  • هل تعتقدين أن السينما الأمريكية انتصرت للسردية النسوية أخيراً؟

لا شيء أسوأ من الذكورية، إلا النسوية المغلوطة، ما يحدث في الولايات المتحدة والطريقة الحاليّة في تبني قضايا النساء سيء بكل المقاييس، إنها تعيد إنتاج الذكورية بطريقة أكثر فداحة، لأنها تضر بالفيلم من الناحية الفنيّة، وتضر بالقضية النسوية في ذات الوقت.

إنها تذكرني بالرؤية التي تفترضها المنظمات الأجنبية في حل مشاكل العالم الثالث.

إن النسوية لا تعني حشد النساء في فيلم واحد، ولا تعني فرض شخصية نسائية في سلاسل سينمائية عُرفت بأنّها رجاليّة (كل أبطالها الرئيسيين رجال)، ولا يعني اختلاق معادل موضوعي أنثوي لشخصية رجالية معروفة مثل جيمس بوند وغيره. كل ذلك غير مقبول على الإطلاق.

إنّ دعم النساء في السينما يجب أن يبدأ في الكواليس، في شركات الإنتاج، وفي الخيال الذي يكتب القصة، وفي التغيير الجذري للبناء السردي، فلا يصح معاملة الفيلم السينمائي كالحملات التي تطلقها منظمات حقوق الإنسان.

إنّ الانشغال بصورة النساء وبصورة الرجال أيضًا في السينما أمر في غاية الأهمية، والحساسية، والصعوبة أيضًا، لكن ما يحدث الآن لا يخدم هذه الصورة، ولا يساعدها في أي شيء.

بل إنّ الإجبار غير الرسمي للمخرجات على تناول قضايا المرأة فقط هو انتهاك لها ولهنّ، وإساءة للفنون أولًا وأخيرًا.

لقد شاهدتُ مؤخرًا فيلم “إينولا هولمزEnola Holmes 2020” الذي جاء على ما يبدو مُلبيًا لدعوات النسوية المتعالية، وبالإضافة إلى كونه فيلمًا مملًا فقد كان الحديث عن النساء مباشرًا، وفجًا، ومصطنعًا جدًا.

إن استحداث شخصيات نسائية في دور جيمس بوند، أو استحداث نسخة أنثوية للقرصان جاك سبارو (قراصنة الكاريبي)، يعكس مدى الجهل بحاجات النساء لدى مؤيدي هذه الفكرة حتى من النساء أنفسهنّ، لا يصح خلق شخصيات نسائية معتمدة على “فضلات” أدوار الرجال، هذا أمر سيء، ومهين للغاية، كما أنّه يسيء للمعنى الفنّي والدراميّ خلف هذه الشخصيات.

  • هل تعتقدين أن الأفلام يجب أن تخضع لقيود “الصوابية السياسية” الشائعة حالياً؟ وكيف تقيمين تأثيرها على السينما؟

هذا أمر يتصل بموضوع النسوية، لا أعتقد أنه يجب على الفيلم السينمائي الخضوع لشروط الصوابية السياسية، كما يتم الترويج له الآن.

إنّ الإجراءات التي تم الأخذ بها في بعض المنصات أو بعض المهرجانات تثير الحنق، فقد تم حذف فيلم “ذهب مع الريح Gone with the Wind 1939” من قائمة المشاهدة في “إتش بي أو ماكس”، كما صدرت شروط جديدة من لجنة مهرجان الـ”أوسكار”، وهي إجراءات سطحية، وثانوية، وبلا طائل، وتستبعد أفلامًا عظيمة، بل وتتعامل مع الفيلم كقائمة مشتريات من السوبرماركت، أو منتج مصنعي يجب أن يحقق معايير الجودة، بالإضافة إلى أن اختيار دور رئيسي لامرأة، أو ملون، أو مثلي، لا يضمن تحقيق خدمة لهذه الفئات.

في السبعينيات اشتهرت أفلام تُسمى بال”بلاكسبلويتيشن/ Blaxploitation” أو الاستغلال الأسود حسب الترجمة الحرفية لها، حيث أنّ كل الأبطال الرئيسين ومعظم الأبطال الثانويين من ذوي البشرة السوداء، بل إن الممثلة السوداء بام غرير قد تصدرت بطولة عدد منها، ولكن هل ساهم ذلك في تغيير أوضاع السود؟ أو في انتزاع حق من حقوقهم؟ ماذا كانت نتيجة تلك الأفلام؟ رداءة فنية لمعظمها، وسقوطها من الذاكرة.

  • ما هي الأمور التي تفتقدينها من أزمنة ماضية سينمائياً؟

أثر الأفلام، في الماضي كان الفيلم الواحد يترك في النفس أثرًا يستمر لفترة طويلة، الكثير من الأفلام التي تظهر مؤخرا تمحو بعضها البعض.

  • بمَ تفسرين كثرة أفلام “الديستوبيا” في الفترة الماضية؟

إن كل ما يشغل بال الناس يفلت من أيديهم ليندس في السينما رغماً عنهم، إن أفلام الديستوبيا ازدهرت، وستزدهر أكثر، بسبب كمية المخاوف التي تهز اطمئنان إنسان اليوم، مثل الحروب، والاحتباس الحراري، والتغيير المناخي، والتسابق المسعور في التجارب العلمية، وسيطرة التكنولوجيا، وقد أضاف كورونا رافدا جديدًا لأفلام الديستوبيا في المستقبل.

  • لمن تقرئين من النقاد عرب وأجانب؟

أغلب أوقات القراءة، أخصصها لقراءة الكتب النقدية، أكثر من قراءة المقالات، لكن عموما تشدني الكتابة الحلوة، والمدهشة التي تفاجئني، بغض النظر عن صاحبها، أو صاحبتها.

  • هل تعتقدين أن الإنتاج السينمائي الهائل في العدد يشكل معضلة بالنسبة لك كناقدة، خصوصاً أنه من شبه المستحيل متابعة كل شيء؟

المعضلة الوحيدة التي أواجهها فيما يخص الإنتاج السينمائي هي عدم وجود نسخ بجودة عالية ومترجمة بالعربية أو الإنكليزية للأفلام الأوروبية، واللاتينية، والآسيوية، خصوصًا القديمة، كذلك شبه انعدام للأفلام العربية غير المصرية، فهناك عدد من المخرجين من تونس، ولبنان، والمغرب، والجزائر..الخ الذين لا توجد لأفلامهم نسخ صالحة للمشاهدة.

  • بمَ تفسرين ازدياد عدد المهتمين بقراءة النقد السينمائي في العالم العربي؟

أعتقد أن السبب في الإقبال على النقد السينمائي أنّ النقد السينمائي خرج من الكتب والمطبوعات وأصبح في وسائل التواصل الاجتماعي، فمن آثار وسائل التواصل الاجتماعي، التي قد يراها البعض سيئة، أنها أزالت “قداسة” القراءة والكتابة، وبالتالي فقد تشجع الناس على كلاهما. ولم تعد الكتابة فعلا من اتجاه واحد من الكاتب/الناقد فقط، وإنما أصبح في استطاعة المشاهد العادي الدخول إلى حساب الناقد الفلاني وإبداء رأيه.

كما أنّ صورة الناقد لم تعد تختزل في ذلك الذي يعيش في غرفة تسودها الفوضى يكيل السباب للآخرين.

لقد زالت “قداسة” الكتابة، فأقبل القراء على القراءة، لأنه أصبح لديهم القدرة على الرد، وعلى النقاش، وعلى تبادل الآراء.

وفي النهاية لا بقاء ولا تأثير إلا للكتابة الرصينة والجادة، التي أعتقد أنّه لا يوجد إقبال كبير عليها حتى الآن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى