أضواء
مقال شائع

حوار مع العازف اليمني محمد الهجري

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

ما قبل الحوار: دندنات تاريخية

يحضر عزف العود في اليمن في مناسبات الفرح الاجتماعي كما في المناسبات الوطنية وفي الحفلات الفنية الخالصة. وقد يكون جزءا من طقوس مقيل القات عند طبقات اجتماعية معينة. ظل العود بأوتاره الأربعة الآلة الرئيسية المصاحبة للغناء في اليمن حتى خمسينيات القرن الماضي. ثم أضيفت إليه آلات موسيقية مصاحبة مع تطور البلد واحتكاكها بالعالم لا سيما في مدينة عدن التي كان لها دور بارز في تبني و إبراز ألوان مختلفة من الغناء اليمني منذ فترة ثلاثينيات القرن العشرين حتى ستينياته. ومع ذلك، لايزال بعض فناني اليمن يمارسون عزف العود بصورة منفردة في مناسبات معينة. وقد ارتبط العود ارتباطا ضروريا بالغناء اليمني، بمختلف ألوانه كالصنعاني واللحجي والحضرمي والتهامي، الذي قوامه كله الشعر الشعبي الملحون المعروف في اليمن بالشعر الحميني منذ العصر الإسلامي الوسيط. 

أسماء متعددة وتاريخ مختلف عليه

طرب، طربي، الطارب، قمبوس، قنبوس، مزِهر، باب الجنة، عود صنعاني، عود عربي، عود هندي هي بعض أسماء هذه الآلة الموسيقية القديمة قدم حضارات هذه المنطقة. لم تُثِر أية آلة موسيقية الجدل في اليمن مثل الجدل الذي أثارته هذه الآلة في أوساط العازفين والنقاد والمؤرخين والمستمعين اليمنيين. ولعل أهم نقاط الجدل تحوم حول اسم الآلة وأصلها: هل هي فكرة يمنية خالصة أم أنها نسخة يمنية من آلة موسيقية قادمة من خارج اليمن بقيت على شلكها الحالي بلا تطوير أو إضافة؟ ومهما يكن من أمر حول هذا الخلاف اليمني بخصوص القنبوس ذي الخصوصية اليمنية كما سنبين هنا، فإنّ الاكتشافات الأثرية تثبت وجود آلة العود الشرقي في مناطق متعددة من المنطقة. فقد وجد العود الشرقي مثلا في مصر الفرعونية قبل 3500 سنة تقريبا، كما أن له وجودا في أزمنة متفاوتة من تاريخ إيران والهند والعراق وسوريا. وتشير النقوش الأثرية اليمنية المكتشفة، ومنها نقش لامرأة تمسك بآلة العود في وضع غير العزف، إلى أن اليمنيين القدماء عرفوا آلة العود منذ ما قبل الألف الأولى قبل الميلاد.

صناعة القنبوس اليمني

القنبوس قطعة واحدة – وهذا الفارق الأساس بينه وبين العود الشرقي- منحوتة الجسم والرقبة.  أما عن تفاصيل صناعته، فقد كان يُصنع في الأساس من شجرة الدباء. بعد ذلك جرت العادة على صناعته من خشب شجرة الجوز الرفيع – نصف جذع- يقطع الجذع بشكل طولي ويتم تفريغه من الداخل ليكوّن تجويف العود. وحده رأس العود يُنحت من خشبة منفصلة ويضم المفاتيح التي تلصق فيه بلحام خاص يدعى ”العقب“ وهو مصنوع من قوائم الأبقار. يغطى صدر العود برق من جلد الماعز وفي جانبه الأيمن الخارجي يكون الزند الذي تثبت فيه الأوتار. توضع في بطن العود على الجلد خشبة صغيرة تسمى ”غزالة“ وهي تحمل الأوتار مروراً إلى ”المشط“ في طرف الرقبة المرتبطة بالرأس. وهنالك تكمن المفاتيح التي تثبت عليها الأوتار. وعدد ”المفاتيح “ في العود اليمني سبعة ثلاثة مزدوجة وواحد منفرد تربط بأربعة أوتار طبيعية كانت تصنع من أمعاء الماعز.

الصور بإذن من رحمن طه

محمد الهجري

 عازف طربي وعود من اليمن. مؤلف موسيقي وباحث في التراث الموسيقي اليمني. يدرس محمد في المعهد العالي للموسيقى العربية في العاصمة المصرية القاهرة. وهو عضو مؤسس في فرقة “راديو يمن” وهي فرقة فنية تعنى بتقديم التراث الغنائي اليمني بألوانه الرئيسة  الصنعاني واللحجي والحضرمي ومقرها القاهرة.

كانت انطلاقة محمد من صنعاء حيث كنتُ أصادفه غالباً وهو يحمل آلة العود معه في كل مكان يذهب إليه. وقد كان يحدّث كل من يلتقي به عن حلمه في تعلم العزف على آلة العود ودراسة الموسيقى ضمن مساق أكاديمي منهجي. وها هو اليوم يقود فرقة موسيقية تتكوّن من عازفين من دولٍ مختلفة يجمعهم حبّ التراث الموسيقي اليمني  بإيقاعاته المختلفة. وهذه الفرقة تحيي الكثير من الحفلات في مدينة القاهرة.

  

الحوار

كان لقائي بمحمد على هامش إحدى حفلات فرقة راديو يمن بمدينة القاهرة؛ فكان هذا الحوار.

ما الذي تهدف إليه من خلال تكوين فرقة راديو يمن (Radio Yemen

لدي هدف يتمثل في نشر الموسيقى اليمنية وليس الأغاني.  هذا ما أقوم به بوصفي عازف عود يمني أعزف الإيقاعات اليمنية التقليدية إلى جانب قطع موسيقية من تأليفي. ومن هنا فإن الأمر يتعلق بنشر وإشهار المقامات والإيقاعات اليمنية بوصفها مدرسة موسيقية ذات خصوصية ولها جدارة في أخذ مكانها المناسب إلى جانب المدراس الموسيقية العربية كالمصرية والعراقية. في فرقة راديو يمن أقوم بتقديم مقطوعات من تأليفي في المناسبات والفعاليات التي تحييها الفرقة في جمهورية مصر العربية إلى جانب تقديمنا للأغاني التراثية اليمنية. ونحن نحرص دائما على ارتداء ملابس شعبية يمنية، وعلى توثيق الأغاني اليمنية بكلماتها الاصلية. نعمل أيضا في الفرقة على تقديم الفن اليمني حول العالم بأسلوب وأداء أقرب ما يكون إلى الروح اليمنية، نقدم الفن الموسيقي الشعبي اليمني بشكل مختلف عما يقدم حالياً وكمثال على ذلك، فإن يهود اليمن في الخارج أصواتهم فقط يمينة أما الآلات غربية. وهذا كله يمثل محاولة منا لنشر التراث اليمني في مدينة مثل القاهرة التي تعتبر من أهم عواصم الثقافة والفنون في الوطن العربي.

منذ إنشاء الفرقة حتى اليوم وأنتم منشغلون بالأنشطة والحفلات التي شاركتم فيها بمدينة القاهرة. السؤال هنا عن استقبال الجمهور المصري والعربي الأغاني والموسيقى اليمنية؟

الصورة بإذن من رحمن طه

الجمهور المصري، بصورة عامة، غير مطلع على فن وموسيقى اليمن ويجهل الكثير عن اليمن. ولكن رغم عدم فهم الجمهور، في الغالب، للكلمات وعدم تعوده على الإيقاعات، فإن هذا الجمهور يبدي إعجابه بما في هذه الموسيقى من فرح وروح راقصة. نعرف ذلك من التعابير التي يستخدمها الجمهور عند التعليق على حفلاتنا. هنالك، أيضا، أناس أصبحوا معجبين جداً بالفن اليمني الذي نقدمه إلى درجة أنهم يطلبون بعض الأغاني التي أعجبتهم وسبق لهم سماعها في حفلات سابقة. ومع أنهم قد لا يعرفون معنى كلمات الأغنية، فإنهم يكونون قد حفظوا اللحن والايقاع والأسلوب. وغير هؤلاء لدينا جمهور غير عربي من الأجانب المقيمين في مدينة القاهرة وفي أوروبا.

إلى ماذا تحتاج الموسيقى اليمنية حتى تصل إلى العالمية؟

تحتاج الموسيقى اليمنية بشكل أساسي إلى التسويق. ونحن نعرف أن تسويق الموسيقى يتم عن طريق الفنانين. وبصورة خاصة، فإن المسؤولية تقع على أولئك الفنانين المقيمين خارج اليمن والمنطقة العربية. من واجبهم تعريف الجمهور بالفن والموسيقى اليمنية حتى عن طريق أغنية واحدة. و إن كنا للأسف نلاحظ أن كثيرين من الفنانين والعازفين اليمنيين يتملصون من تقديم الفن اليمني خوفا من ردة فعل الجمهور الذي يستهدفوه؛ أي الجمهور الذي لا يعرف بعد هذا النوع من الموسيقى والفن. نحن في فرقة راديو يمن بدأنا من الصفر في تكوين جمهور للفن اليمني من المصريين والأجانب المقيمين في مصر. وفي الغالب، فإن هذا الجمهور لم يكن يعرف أي شيء عن الفن اليمني أو اللهجة اليمنية التي تغنى بها الأغاني التي نعزفها في حفلاتنا هنا في مصر.  طبعاً نحن نقدم الفن اليمني الأصيل لا هو محرف ولا مطور ولا هو مدعوم.  والحمد لله الآن أصبح لدينا جمهور محب لما نقدمه.

 من الذي كان ملهما لمحمد الهجري في أن يتجه نحو عزف الطربي والعود؟

بالنسبة للعود تأثرت بكثير من الناس، منهم عازف العود المعروف نصير شمه والموسيقار العازف والباحث منير بشير والمطرب والعازف الكبير فيصل علوي ذو الروح اليمنية الاصيلة في العزف وغيرهم من عمالقة الفن العربي واليمني.
أما من ألهمني العزف على آلة الطربي، فقد كانت  خطيبتي بسمة هاشم.

الصورة بإذن من رحمن طه

 لماذا آلة الطربي التي تعزف عليها بستة أوتار؟

 الطربي، بصورة عامة، مصنوع من أربعة أوتار. لكن في السنوات الأخيرة أضاف بعض الفنانين وترا خامسا. وتجربة العزف على الطربي رائعة أيا كان عدد أوتاره. ومع ذلك، فقد أضفت وترا سادسا للطربي الخاص بي كنوع من التجريب أتجنب عن طريقه حصر نفسي في عزف الأغاني؛ أي من أجل أن يسهل علي أن أعزف تكنيك ومقطوعات موسيقية بدون غناء خارج مدرسة التراث الشعبي الصنعاني. وهذه التجربة إلى حد الآن لم تثبت نجاحها أو فشلها.

ما نقاط الاتفاق والاختلاف بين الطربي والعود من حيث الصوت وتكنيك العزف ؟

الطربي والعود يجتمعان في دوزان واحد وفي قياسات عفق قريبة من بعض. وبينهما اختلافات بسيطة لكنها جوهرية؛ مثلا من ناحية الصوت: صوت الطربي أكثر شجنا – بسبب القطعة الجلدية الموجودة فيه.
أما بالنسبة لتكنيك العزف، فإنه يرجع إلى المدرسة الموسيقية المعزوف طبقا لها، وليس له علاقة بالآلة نفسها. أما إذا تكلمنا عن التكنيك الشعبي الصنعاني في العزف على آلة الطربي، فهو مختلف تماما عن بقية المدارس التي  تعزف على آلة العود. التكنيك الصنعاني الكلاسيكي على آلة الطربي يساعد أكثر في جعل النغم ذا جودة.  إحساس صوت الطربي عند العزف عليه وفق النمط الصنعاني الكلاسيكي يبدو أحلى من صوت العود عندما تعزف عليه بالتكنيك ذاته. وذلك بسبب وجود ارتفاع في أوتار آلة الطربي. وهذا يحدث هامرنغ  في الغيتار الذي هو الطرق بالأصبع نفسه. تطرق الزمن بأصبعك عن طريق أسلوب الهامرنغ، وهذا يحدث صدى أكبر بالطربي؛ أو بالأصح بالطربي بقياساته الحالية وارتفاع الأوتار عن الرقبة، وهو ما يعتبر ارتفاعا  عاليا بالنسبة للعود وهو ما يجعل العزف على هذا التكنيك صعبا.، لكنه يكون سهلا وذا تأثير في العزف الكلاسيكي الصنعاني. الطربي مصنوع كي يكون عودا صنعانيا ومن أجل مصاحبة الغناء.

يفهم من كلامك أن الطربي بتصميمه الكلاسيكي بـ 4 أوتار يكون محصورا (أخترع من أجل مصاحبة المغنيين لأداء الغناء الصنعاني)، هل تعتقد أن إضافة وتر أو ترين على التصميم القديم \ الكلاسيكي للطربي يساعد على الانتقال إلى تجربة مختلفة وخارجة عن إطار الغناء الصنعاني ؟

في الأصل، وبحسب المعلومات المتاحة لدي، الطربي صنع لمصاحبه الغناء. لا أعلم إنْ كان لدينا في التاريخ القديم مقطوعات موسيقية موثقة. للأسف آثارنا تسرق، ولا يصلنا من تراثنا شيء مهم في هذا الصدد. في مصر، مثلا، عثر على آثار أثبتت أن القدماء هنا كانوا يعزفون مقطوعات موسيقية وكان فيها خصوصية مصرية.  في اليمن، وفي حدود علمي، لم يظهر الطربي في أي نقش أثري إلى حد الآن. وعلى ذلك لا نستطيع الجزم في مسألة: هل كان الطربي يصاحب المطرب فقط في الغناء أم أنه كان يستخدم لعزف مقطوعات موسيقية. وفي حال أنه كانت تعزف عليه مقطوعات موسيقية، فأتوقع أنها كانت على نطاق محدود جداً.
المقطوعة الموسيقية تكون حرة أكثر وليست مقيدة بجمل لحنية بسيطة. بعبارة أخرى، الغناء يكون محدودا في الجمل اللحنية، أما الموسيقى فتكون كبيرة تقدم نفسها بمفردها من غير مصاحبة الأصوات البشرية. ومن هنا، فالموسيقى تكون غزيرة بالنغم وفيها جمل لحنية كثيرة وواسعة وأطول، ويكون فيها تنقل بين الاكتافات بين الاكتف الواطي إلى الاكتف العالي. وهذا يحتاج إلى وجود وتر خامس على الأقل؛ فالطربي بـ 5 أوتار يمكن أن يكون متاحا لتقدم فيه مقطوعات موسيقية بطابع يمني أو بطابع شرقي أو غربي، أما إذا وجد وتر سادس في الطربي فإنه سيساعد في تأدية أنواع موسيقية مختلفة خارج إطار المدرسة الموسيقية الشرقية.

الصورة بإذن من رحمن طه

**

اظهر المزيد

رحمن طه

مصوَّر يمني مهتم بتوثيق الحياة اليومية. شارك في تنسيق معارض رؤوفة حسن الفنية في صنعاء. له العديد من المشاركات في البحوث التصويرية مع مجلة المدنية. يعمل كمستشار بصري لموكا هنترز. برزت أعماله في العديد من المحافل والمنصات الدولية مثل مجلة نيويورك تايمز، زود دويتشه تسايتونج، الحياة، مجلة نافاس الفنية وفوربس. عرضت أعماله في ١١ معرض فردي وجماعي في اليمن وأيضا في معرض في مدريد، بأسبانيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى