fbpx
ثقافة
مقال شائع

بماذا يعتقد اليمنيون؟!… رصدّ أولي للمعتقدات الشعبية

حيثما توجد جماعة بشرية، يوجد إدراك للعالم بالرموز والإشارات، فالإنسان يبني من تصوراته عن الأشياء والظواهر من حوله إجابات لأسئلته النفسية والروحية والمعرفية في سعيٍ دائم لبناء إطار كلي تفسيري لوجوده، لذلك ابتكر الانسان القديم الأسطورة واستفرغ فيها وقائع احتدامه الملحمي بالعالم وتكيف مع مجتمعه وبيئته من خلال الثقافة بوصفها الفعل الذي ينتج المعنى، فالثقافة الشعبية إنجاز جماعي يلبي حاجة إنسانية ملحة.

إلى جانب المتن الإبداعي للتراث الشعبي المتمثل في الأغاني و الأشعار والأمثال، يوجد متن آخر يتمثل في المعتقد الشعبي – أو بحسب المصطلح المتعارف عليه في علم الفلكلور – (معتقد/اعتقاد
belief)
ويحيل إما إلى الأشياء التي نعتقد بها (معرفة أو تصور عن شيء أو ظاهرة أو علاقة) أو إلى فعل الاعتقاد ( فعل مرتبط بسلوك و ممارسة).  تشمل المعتقدات طائفة واسعة من الممارسات تبدأ من الأفعال العرفية ـأو السلوكيات التي تجلب فائدة مطلوبة وصولاً إلى المفاهيم الأساسية والتي هي أحيانا غريبة أو فوق طبيعية والتي قد نتعلمها من خلال سرديات منطوقة كالأساطير أو من خلال الملاحظة و التفاعل مع جماعات بشرية أخرى. أما فعل الاعتقاد فيعبر عن رؤية كلية أو فهم لأفكار ومبادئ تهمنا (1). المعتقد الشعبي هو أصعب مكونات الثقافة الشعبية من حيث الدراسة والبحث لأنه خاضع أيضاً لمدى ما يصبغ عليه من الخيال الفردي من شدة أو تأثير وهو أيضاً نسبي ومتفاوت من جهة ما يلعبه من دور.

إذاً، المعتقدات الشعبية أو ما يعرف بالأنظمة الاعتقادية
belief system
تضم المعارف الشعبية و الخرافات والأساطير والطب الشعبي و السحر والاعتقاد بالأولياء (كالاستغاثة الشائعة في اليمن بالولي ـأحمد بن علوان (2) أو الخمسة أهل الكساء (3) و الفأل والتطيرّ والتشاؤم والتفاؤل بظواهر أو وقائع معينة والإيمان بالأحلام و الرؤيا والهاتف والحسد والعين والاعتقاد بالكائنات الفوق طبيعية و العوالم الماورائية وإمكانية التأثر بعالم الجن “النظرة، المس، التلبس”. فالمعتقد الشعبي يتجاور مع الأسطورة و الخرافة فهي جميعاً من نسق ذهني وتخييلي واحد. ومن هنا، فالثقافة الشعبية عموماً ترتبط بشيئين جوهريين هما: بنيات الفكر والخيال المتحدّرة من التنظيم الاجتماعي الذي يتحدر بدوره منها والبنية الاستيهامية ( 4). بطبيعة الحال فالمعتقدات الشعبية اليمنية مضفورة من عناصر أسطورية وتراثية وأشكال من التدين الشعبي (تدين العوام المتشكل خارج السلطة الدينية الرسمية) وما تبلور في اللاوعي الجمعي من ثقافة مجتمع زراعي تقليدي.

عمل فني للفنانة عهد الحضرمي

لفظ خرافة، في العربية، هو لفظ تحيزي لأنه يقدم حكماً قبليا عن الفكرة أو الممارسة الشعبية باعتبارها نوعاً من الخرَف. مع أن هذه الفكرة أو الممارسة الشعبية يجب أن تخضع للدراسة كغيرها من الظواهر بحيث تستبان وظيفتها التعبيرية والرمزية التي أكسبتها قبولاً وتداولاً لدى الجماعة بفعل توارثها عبر الأجيال وذلك بوصفها تلبية لحاجة الإنسان إلى تفسير ما شذّ عن المألوف. وفي المنظور العلمي هذا لا ينبغي أن نتعامل مع الخرافة بمنطق الصح أو الخطأ أو الحق أو الباطل بل ينبغي أن يتم التعامل انطلاقاً من وظيفتها التعبيرية والدلالية في سياقها الثقافي والاجتماعي المخصوص.

هناك معتقدات مرتبطة بفكرة أو معرفة ما تدخل في إطار ما فوق الطبيعي
“superstition”
وتتعلق بالاعتقاد بكائنات ماورائية هي غالباً في المعتقد الشعبي من عالم الجن كونها ناظرة غير منظورة، قادرة على تقمص أشكال حيوانات أخرى كالكلب الأسود، أو القط الأسود أو الحردان على سبيل المثال. وهناك نوع آخر من هذه المعتقدات الشعبية يرتبط بموضوعات أو” وحدات أسطورية ” هي غالباً كائنات هجينة تحمل أعضاء إنسان وحيوان أو مسوخ وبعضها يظهر في حكايات خرافية مثل “الجرجوف” الذي هو وحش يأكل لحوم البشر كما ظهر في قصة شعبية يمنية والبعض الآخر يعتقد بوجودها أو إمكان ظهورها. وتختلف الخرافة أو الأسطورة الشعبية في اليمن عن مثيلاتها في الميثولوجيا اليونانية مثلاً، وذلك ما أشار إليه عبدالله البردوني: ” إذا كانت الأسطورة اليونانية تعتمد على الآلهة و البطولة الإلهية، فإن الأسطورة أو الخرافة العربية في أي شكل تعتمد على خوارق الجان كنظر ميتافيزيقي ” (5).

يعتدّ المجتمع اليمني بمعتقداته الشعبية بقوة، فمثلاً يتداول الناس في بعض مناطق اليمن لفظ ” أمانة!” كصيغة لليمين المشددة حتى قيل أن ” الأمانة بسبعين يمين ” أي أن القسم بالأمانة يعادل سبعين يمينا بالله. كما يدرك المجتمع اليمني دور قوة الاعتقاد في تصورنا للأشياء حيث يقول المثل اليمني ” من اعتقد بالحجر نفعته”.

من الكائنات الخفية الشهيرة في المعتقدات اليمنية الصياد” وتختلف مسمياتها وصفاتها من منطقة إلى أخرى، فكل منطقة لها كائناتها الخرافية أو تصوراتها الخاصة عن كائنات شائعة لدى الجميع وهذا ينطبق على كل الكائنات الفوق طبيعية في المعتقد اليمني لكن من المتفق عليه عموماً انها امرأة طويلة القامة، ذات شعر طويل، متهدلة الأثداء ولها ساق حمار أو كما يقال شعبياً “رجل من الإنس ورجل من الجن”.  وتظهر في مناطق أخرى بصفة عجوز حدباء الظهر واسمها “أم الصبيان” اي أم العفاريت، وفي مناطق أخرى اسمها “الدجرة”. ومن المعروف لدى الناس أن لكل مكان “صياد” وأحيانا تكتسب الصياد صفة المكان الذي تعيش فيه فقرية المعزج (6) – مثلاً – لها “صياد المعزج”. عادةَ تسكن “الصياد” قرب عين ماء عند دغل أو مدخل أحد الأحراش. ويقول البعض أنها عادةً تستحم ليلاً في جداول الماء وتظهر لمن يرد على عين الماء ليلاً، لكنها أيضا تسكن الخرائب وتطل على العابرين أو السراة في الليالي المقمرة وتعرف أسماءهم وتحاول أن تتحدث معهم. يحدث أن “تركب” الصياد شخصاً وعندها يصبح ممسوساً وبحاجة إلى علاج أو سحر لطردها. يقول المثل الشعبي “حير الصياد على الذليل” أي أنها تستطيع الإيقاع بمن يخافها.

العمل الفني لعهد الحضرمي

هناك أيضا “البده” هي كائن خرافي شبيه بالصياد وهي امرأة عجوز عارية الصدر ومن يجرؤ على مص ثدييها يسلم من أذاها. ويقال في بعض المناطق اليمنية أنها تمسخ الرجل الذي يطيعها إلى حمار وهي تقريباً كائن يقابل النداهة (7) في الريف المصري.

“عدار الدار” من الكائنات الخفية التي تسكن الدور مع الناس وليس له أوصاف واضحة لكن يعتقد البعض أن من يقبض على خصيتي العدار فإنه يدله على مكان فيه كنز. ومن الكائنات التي تسكن البيوت “جارة البيت” وتسمى في مناطق أخرى “جارة الشهدة” والشهدة هو اسم الركن الواقع في المطبخ الذي توجد على سطحه فتحات خاصة بخروج دخان الطبخ فهي تعمل عمل المدخنة، وهي قد لا تظهر للقاطنين في المنزل لكن يستدل على وجودها بالأصوات الغريبة، وهي أيضا قد تسكن البيوت التي هجرها أهلها أو سافروا لفترة ليعودوا إلى البيت وقد سكنته “جارة البيت”.

من الكائنات الخرافية أيضاً “الشجيح” كائن شبحي “يشجح: بالعامية تعني يعترض أو يحجب”، ومن الاسم يتضح أنه كائن يعترض طريق العابرين لإرعابهم ولا تتوافر روايات كثيرة عن أوصافه أو هيئته المتخيلة ربما بسبب غياب صورة ذهنية واضحة عنه يمكنها مع الوقت أن تترسخ وتمتلك قدرة إيهامية في الذهن.

“أبو كلبة” في بعض المناطق يسمى “أبو عصعص” (العصعص هو عظم الذنب) وهو كائن له أعضاء حيوان كالذيل أو بعضه إنسان و بعضه كلب و يظهر في الأرياف و الوديان النائية.

 فعل الاعتقاد هو الإحالة الثانية لمصطلح المعتقد الشعبي. المعتقدات المرتبطة بفعل الاعتقاد معتقدات متعلقة بممارسة ما وهو غالباً تأثير مشروط بظروف معينة. والمعتقد هنا إما أن يدعو لتجنب التقاء تلك الظروف حتى لا يحدث التأثير الضار (التجنب هنا هو ممارسة سلبية فيها كف عن فعل شيء وليس إتيان فعل) أو يدعو لإحداث تأثير متعمد من خلال عناصر معينة بهدف دفع أذى أو ضرر حاصل أو محتمل (ممارسة إيجابية فاعلة). المعتقد – هنا – يفترض وجود علاقات خارجة عن الإدراك الحسي أو القانون الطبيعي للأشياء. من أفعال الاعتقاد ما هو متعلق بعناصر من الطبيعة كالنجوم حيث يُعتقد في مناطق يمنية أن عد النجوم سلوك ضار فالشخص الذي يعدها ستظهر على جلده أو يديه ثآليل كما ينصح بعدم ارتداء الملابس “المنجمة” أي التي جففت أو نشرت بعد غسلها على ضوء النجوم. عندما يموت الشخص المولود من برج الحمل، يجب على أقارب الميت تكليف أشخاص بحراسة القبر لعدة ليال مالم فإن جثمان الميت سيتعرض للنبش من قبل حيوان خرافي يشبه الحمل. وعندما يقتلع الشخص أحد أسنانه، عليه أن يرميه في وقت مبكر من صباح اليوم التالي نحو “عين الشمس” اعتقاداً بأن ذلك سيضمن له نمو سن جديدة قائلاً عند رميها: “يا شمس بعطيك سن لبن وتعطيني سن حمار”، ولعل هذا الاعتقاد له جذور من حضارة سبأ القديمة التي كانت تعبد الشمس.

شق آخر من أفعال الاعتقاد يتعلق بعناصر طبيعية (نباتية، حيوانية) لطرد العين و الحسد: تعلق  الجدات على أعناق الأطفال قطعة قماشية يوضع فيها قليل من الملح والحبة السوداء و تسمى “قحطة” حماية لهم من العين  وفي بعض المناطق توضع على معاصم الأطفال فصوص من الثوم وهذا موجود في ثقافات كثيرة حيث البهارات والمواد الحارة تستخدم في طرد العين والأرواح الشريرة التي يعتقد بوجودها عند الشعوب البدائية تقابلها في المعتقدات اليمنية  العين أو الجن و الشياطين الذين يعملون على إفساد حياة الانسان ـأو تعطيل ما تحصل له من خير. أما المواليد الجدد فتوضع في المكان الذي هم فيه أو حول المهد نباتات عطرية محلية كالشذاب أو المشموم (الريحان) او التبخير بالشبَ (شب الفؤاد وهو حجر كربوني)، أيضاً يعلق البعض في الريف قطعة من شبشب قديم على أعناق الماشية أو حيوانات المنزل و ذلك طرداً للعين الشريرة.

إذا ازدادت الخلافات الأسرية داخل المنزل، تقوم الجدات بإحراق ظلف أو شعر حمار في الطابق السفلي من المنزل طرداً لنزغات الشياطين التي تشحن النفوس بالتباغض. وجدير بالذكر أن كلمة “نزغة” تطلق في العامية اليمنية على الشخص الماكر او الذي يحيك الدسائس، وهي لفظة قرآنية ارتبطت بأفعال الشيطان. اعتقاد آخر بأن الشخص المصاب بالفجعة ” الفجيعة ” أي الفزع الشديد تتم مداواته بأن يشرب بوله. إذا شعرت بحكة في قاع القدم فهذه إشارة إلى قدوم ضيف في الأيام القليلة القادمة وإذا شعرت بحكة في راحة اليد فإنك ستحصل على مال عما قريب، أما إذا رفّ طرف عينك فهذا فأل سيء، وإذا أصابتك نوبة سعال مفاجئة فتلك إشارة إلى أن شخصاً ما يذكرك بالسوء.

يتضح مما أوردناه من أمثلة أن المجتمع اليمني يمتلك مخزوناً من المعتقدات الشعبية التي تحتاج إلى تسليط الضوء من أجل توثيقها ومن ثم دراستها بمختلف أبعادها النفسية والاجتماعية والوجودية. وكونها وليدة الخيال فإنها أيضاً مادة  خام خصبة لها جمالياتها القابلة للتوظيف الابداعي فنياً وأدبياً.

*جميع المعتقدات الواردة هنا هي تحديداً من مناطق وسط اليمن.

.صفوان الشويطر: كاتب وباحث 


حواشي ومراجع:

  • ,Martha C.Sims & Martine Stephens, Living Folklore An Introduction to the Study of People and Their Tradition. Pg 56. (2005), Utah State University Press.
  • أحمد بن علوان: (توفي 1267 م) صوفي شهير ومصلح اجتماعي، له عدد من المؤلفات وديوان شعري. من أشهر متصوفة اليمن وأكثرهم حضوراً في الوعي الشعبي.
  • الخمسة أهل الكساء: يقصد بالكساء رداء كبير كان للنبي محمد. الخمسة هم النبي محمد وابنته فاطمة وزوجها علي ابن عم النبي و ابناءهما الحسن و الحسين.
  • مجلة عالم الفكر، عزيز العرباوي، الثقافة الشعبية وآدابها. قراءة في فنون الحلقة بالمغرب، ص121، العدد 2، المجلد 42، أكتوبر –ديسمبر 2015.
  • عبد الله البردوني، فنون الأدب الشعبي في اليمن. ص 36.
  • المعزج هي إحدى قرى عزلة العبس بمديرية الشعر التابعة لمحافظة إب.
  • النداهة:من الأساطير الريفية المصرية، حيث يزعم الفلاحون أنها امرأة جميلة جدا وغريبة تظهر في الليالي الظلماء في الحقول، لتنادي (أو تنده كما يقال بالعامية المصرية) باسم شخص معين فيقوم هذا الشخص مسحورا ويتبع النداء إلى أن يصل إليها ثم يجدونه ميتاً في اليوم التالي.

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق