fbpx
تاريخ

الملَّاح باطايع: ربَّان حضرمي يستخدم الشِّعر بدلًا من خرائط جي بي اس

منذُ الطفولة وحتى زمنٍ قريب، والبحر بالنسبة لي ليس إلا مكانًا يأتيهِ الصغار طمعًا في الاغتسال، أو رغبةً في رمي بعضهم بما تيسَّر من كثيب، ويهرول إليه الشباب حتى لا يفوتهم منظرُ الحِسان وهُنَّ ماشيات على الرمال، أما كبار السن فإنما يشدّونَ الرحال إليه عسى أن تهِبَّ نسمةٌ فتُطفئ نيرانًا نشَبتْ في الحنايا، هكذا كان العهدُ لسنوات، ثم قدَّر الله أن يقع بين يديَّ مرجعٌ بحري بيَّنَ لي أن البحر أكبر مما يظن المرء، وأوسع مما يتصوره البعض، فكما كان الفضاءُ مسرحًا لسباق التسلُّح النووي في فترة الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي؛ كان البحر مضمارًا تتنافس فيه السفن إبَّانَ حملات الكشوف الجغرافية في القرن الخامس عشر للميلاد.

عند الحديث عن الملاحة البحرية في التاريخ العربي، تتبادر إلى الأذهان بعض الأسماء، من أبرزها الملاح أحمد بن ماجد السعدي (1421م -1500م) الربَّان الذي لقَّبه الخليجيون بأسد البحر، ومما لا جدال فيه أنه يحق لأهل الخليج أجمع أن يتفاخروا بما حققه الملاح أحمد بن ماجد السعدي من إنجازاتٍ في علم الملاحة، وبمثل الحال يحق لنا –نحن اليمنيين- أن نُباهي أمم العالم بالملاح الحضرمي سعيد بن سالم باطايع (1180هـ -1273هـ) (1766م – 1856م) ، الربان الذي ولد وعاش ومات في مدينة الحامي، تلك البلدة التي سميت بالحامي نظرًا لكثرة ينابيع المياه المعدنية الحامية في أرجائها، ولاحتمائها بين الهضاب الجبلية حتى لا تُرى للبحارة من عرض البحر، وذلك مما جنبها غزو العدو البرتغالي للموانئ اليمنية والخليجية في القرن العاشر الهجري. (1)

الصورة بإذن من أحمد الهجري

تقع مدينة الحامي على بُعد 90 كيلو مترًا من مدينة المكلا، هذه البلدة التي وهبها الله أسرارًا تبوح بها للزائرين، تُحدِّثهم أن الأطفال هنا يُفطمونَ على رائحة البحر، وحين تكتمل عملية النمو، تتعهَّد الأمهات بتعليمهم مهارة المشي على الأرض، والسباحة على الماء، لكأنَّهُنَّ يُرسِّخنَ في أذهانِ الصغار عمق العلاقة بين الطين والماء، وإن كان هذا واقع الفتيان في مدينة الحامي، فلا عجب إن أضحى رجالها مرجعياتٍ يهتدي إليها الباحثون في الملاحة البحرية، من بينهم يستحوذ الملاح باطايع على أكبر قدرٍ من الشهرة، وهو ما يدفع البعض لطرح تساؤلاتٍ عن سبب الشهرة التي يحظى بها الملاح باطايع، ولربما يقول البعض مُتهكِّمًا: وماذا عمل باطايع حتى تُسمَّى باسمهِ ثانويةٌ حكومية، وفرقة للتراث الشعبي في مدينة الحامي؟! (2)

نبوغ منذ مرحلة الفتوة

الإجابة عن هذا السؤال تردُّنا إلى زمن الصبا، يوم كان الملاح باطايع فتًى يصاحب أباهُ في رحلاته البحرية، يذكرون أنه عندما كان خادمًا مساعدًا في السفينة، أخطأ ربان السفينة في الإرشاد إلى الدرب الصحيح المؤدي إلى جزيرة زنجبار، فأدرك الفتى الصغير أخطار هذا الإرشاد الخاطئ، فتجرَّأ وواجه الربان، وأعلمَهُ بخطئه بما عرفه من ربابنة سابقين عمل تحت خدمتهم، فأعجب الربان به، ومن ذلك اليوم صار للصبي –أي باطايع- شأنٌ يُذكر. (3)

ولما تجاوز مرحلة المراهقة، وبلغ مرحلة الشباب، تبيَّنَ للملاح باطايع أنَّ البحر ليس مُجرَّدَ مسطحٍ مائيٍّ تسير عليه السواعي مُحمَّلةً بالبضائع، إنه مدرسة الحياة التي جرَّبَ فيها منهجه الملاحي الذي يعتمد على  التجربة الشخصية والعلوم النظرية، وبعد سفرٍ طويل، وجهدٍ مُضنٍ، تكوَّنتْ لديه ذخيرة معرفية عن البحر ومسالكه، والنجوم ومواقعها، والشمس وحركة انتقالها، ولكونه ممن يؤمنون بأن زكاة العلم نشره؛ قرَّر الملاح باطايع نقل خبراته إلى مرتادي البحر، يدفعه للقيام بذلك إيمانه بأن الإرشادات البحرية التي كتبها الملاح أحمد بن ماجد السعدي يغلب عليها الطابع العلمي الجاف (4)، الذي قد يبدو صعب الفهم بالنسبة لثقافة النواخيد والربابنة الاعتياديين، فهؤلاء يحتاجون إلى إرشادات بحرية مُبسَّطة وسهلة الحفظ والتطبيق. (5)

يحكي المؤرخ محمد عبد القادر بامطرف (1915م – 1988م) أنه ركب البحر يومًا مع القبطان (النوخذة) شيخ محمد باعباد في رحلةٍ بحرية إلى مدينة عدن منتصف القرن العشرين، وبينما كانت السفينة بالقرب من جبل شمسان المحاذي لميناء عدن، سمع -أي بامطرف- النوخذة شيخ باعباد يُدندن بأبياتٍ رباعيةٍ من الشعر الشعبي في أذن نائبه على مسمعٍ من ركاب السفينة، فتطلعت نفسه إلى معرفة هذا الشعر الذي يبدو غير مفهومٍ له، حتى قام النوخذة باعباد بشرح تلك الأبيات مؤكدًا أنها مما ذكره الملاح باطايع في منظومتيه الشعريتين اللتين سعى من خلالهما إلى وصف طريقين بحريين(6)، المنظومة الأولى جاءت في وصف الطريق الملاحي من ميناء سيحوت إلى جزيرة زنجبار شرق قارة إفريقيا، كتبها في سنة1802م حين كان يبلغ من العمر 37 عامًا، يقول فيها:

الصورة بإذن من أحمد الهجري

سيحوت منـــــــــــها شمرنا بالعشي

من بعد ما قــد قضينا كل شي

والقبض في (مطلع العقرب) وفي

من بعـــــد ليــــــله نـــــوفي كل زام

ويفهم من هذه الرباعية الشعرية أن الملاح باطايع أقلع من ميناء سيحوت في الناحية الشرقية بحضرموت بعد أن أخذ العدة اللازمة للسفر، وسيقبض الطريق ويلزم السير في نجم العقرب لمدة ليلة أو زام، والزام كلمة هندية تعني المسافة المطلقة في البحر، وتعادل ثلاث ساعات في الأحوال المتوسطة، ثم يكمل الملاح باطايع وصف الطريق:

وذي جزاير كياما يا فهـــــــــيم

طوله طواله تبعـــــــها واستقيم

(أم الخوادير) في المجرى تقـــــــيم

وأشجار في البر تنظرها قيام

وهنا يدعو أرباب السفن إلى السير في خطٍّ مُستقيم حين يعبرون جزائر كياما، وهي جزائر صغيرة قريبة من سواحل شرق أفريقيا، يتخذ الملاحون ثلاثًا منها كمعالم في مجاريهم البحرية، ثم تليها جزيرة أم الخوادير التي تكثر فيها أحراش نخل إبليس الطويلة، وعندما تكون السفينة على مقربةٍ من جزيرة زنجبار، يوجِّه الملاح باطايع المسافرين بضرورة الدخول إليها في وضح النهار:

(أم الدجاج) الجزيـــــرة والتجار

وعقبها هي جزيرة زنجبـــــــــار

وكن مساير مع ضوء النهار

إلى (متوني) ودام الملـــــك دام

و(أم الدجاج) و(متوني) هي جزر تم تسميتها بهذه الأسماء من قبل الملَّاحين والبحارة، وتقع هذه الجزر على مقربة من زنجبار، وتشتهر جزيرة أم الدجاج بأشجار النارجيل المعروفة بجوز الهند.(7)

ولما لاحظ الملاح باطايع تفاعل النواخيذ مع المنظومة الأولى التي تكوَّنت من تسعةٍ وعشرين رباعية، نظم منظومةً ثانيةً تصف الطريق البحري من ميناء مسقط إلى ميناء المخا، يقول فيها:

من يوم نولم                 وكل بحري تنســـــَّم

قل للمقدَّم                 بُرِّح حبال (الصريهِّ)

ويُفهم من هذه الرباعية أنه بعد ما يأخذ الطاقم قسطًا من الراحة، ينبغي على المُقدَّم -بوصفه المسؤول عن السفينة- أن يُجهِّز حبال (الصرية) وهي عمود يقام في السفينة يُشَدُّ عليه الشِّراع حتى تجري السفينة، وتُعْرَف في اللغة العربية بالصارية، بعد ذلك تسير السفينة حتى تصل إلى مدينة المكلا، وهناك يقول باطايع:

هذي المكلا               (الشوش) والهم ولَّى

أهلا وسهلا                فيها أمان الرعيِّهْ

ولربما خصَّ الملاح باطايع مدينة المكلا بهذا المديح تقريضًا لحكامها حينئذٍ من أسرة الكسادي اليافعية التي تولَّت إمارتها على عهد الملاح باطايع في القرن التاسع عشر، والشيء بالشيء يُذكر فقد وقعت مدينة الحامي في تلك الفترة -أيضًا- تحت إمرة الحكام الكساديين، وحين تشرع السفينة بالخروج من مدينة المكلا، يستذكر الملاح باطايع أحد الصالحين بمنطقة بروم، فيقول:

الصورة بإذن من أحمد الهجري

اشمر وزاحم                بروم فيها مزاحم

والخير زاحم               بلـــغه مني التحيِّهْ

وفي هذه الرباعية إشارة إلى العلَّامة العبد الصالح مزاحم بن أحمد باجابر الذي ولد في العام 736 هـ وتوفي في سنة 817 هـ، وسكن ميناء بروم حين كان الملجأ الأهم للسفن الشراعية من ريح الشمال في عموم الساحل الحضرمي، وحين تصل الرحلة إلى النهاية يُبشِّر الملاح باطايع أرباب السفينة بأن باب المندب –وسمَّاه هنا باب اليمن- وجزيرة ميّون قد أصبحا قريبين، وعن ذلك يقول:

باب اليمن ذاك           (ميّون) ترجع بيسراك

والله يرعــــــــــــاك           والقبض نجـــــم الثريَّــــهْ (8)

وعلى الرغم من مرور أكثر من 180 سنة منذ أن نظم الملاح باطايع منظومتي الإرشاد، فإنَّ الملاحين اليمنيين وملاحي الخليج العربي لا يزالون مُنتفعين بهما في أسفارهم إلى يومنا هذا. (9)

بقي أن نشير إلى ما يتداوله البعض في المجالس الشعبية عن الملاح باطايع، بأنه حين فقد بصره في آخر العمر، استطاع –بإلهامٍ إلهي- أن يُحدِّدَ بُعد السفينة عن قاع البحر، عن طريق شم تربة ذلك المكان، وحين يهب النسيم على جبهته يُدرك -بحاسةٍ سادسة- ما إذا كانت الرياح هبوب رخاء أو نذير عاصفة، بخواصٍ تنم عن العبقرية والإلهام الإلهي. (10)

والحق أن هذه القصة ليست للملاح باطايع كما يُشاع (11)، ولربما نُسبت إليه بسبب الشهرة التي نالها داخل الوطن وخارجه في ما يخص الملاحة البحرية، وضريبة الشهرة تقتضي أن تُنْسب للمشاهير أقوالٌ لم ينطقوها، وأعمالٌ لم يقوموا بها، فكما ينسبون كل طُرفة لجحا، وكل رواية للأصمعي، تُنسب أساطير البحر للملاح باطايع.

والحق أن حضرموت –والوطن أجمع- غنية بالتراث الشفهي، ولعله من قَبيل الوفاء أن نبادلها الوفاء بتوثيق ما نستطيع توثيقه حتى لا يندثر يومًا فنندم ولات حين مندم!

 

 

قائمة المصادر:

  • بامطرف، محمد عبد القادر، الشهداء السبعة ص39، مطبعة الجمهورية – بغداد 1974م.
  • بتصرف- من تقريظ الأستاذ عبد الرحمن عبد الكريم الملاحي في مقدمة كتاب الكشف عن جوانب من حياة الملاح باطايع.
  • الملاحي، عبد الرحمن بن عبد الكريم، ملامح من التداخل المعرفي بين ربابنة اليمن وعمان، ص 79، وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان، ط، 2006م
  • مقالة على موقع (الباحثون السوريون) بعنوان: الربان أحمد بن ماجد وعبقريته في الملاحة البحرية، مُتاحة على هذا الرابط: https://www.syr-res.com/article/9070.html
  • باهارون، محمد بن علوي، الكشف عن جوانب من حياة الملاح باطايع، ص 35، مركز البحوث والدراسات الكويتية، الكويت.
  • باهارون، محمد بن علوي، ميناء الحامي في عيون الباحثين والمؤرخين العرب والأجانب، ص 16، دار الحامي للدراسات والنشر وخدمة التراث.
  • بامطرف، الرفيق النافع على درب منظومتي الملاح باطايع، ص40، مطبعة السلام، عدن.
  • نفسه ص 52

9)باهارون، محمد بن علوي، الكشف عن جوانب من حياة الملاح باطايع، ص 34، مركز البحوث والدراسات الكويتية، الكويت.

10) باهارون، محمد بن علوي، ميناء الحامي في عيون الباحثين والمؤرخين العرب والأجانب، ص 54، دار الحامي للدراسات والنشر وخدمة التراث.

11) تُنسب هذه القصة لملاح حضرمي يُدعى عوض بن أحمد بن عروة، كما أشار إلى ذلك الأستاذ محمد علوي باهارون في كتابه الموسوم (ميناء الحامي في عيون الباحثين والمؤرخين العرب والأجانب).

اظهر المزيد

محمد باعيسى

مُحرِّر أخبار بتلفزيون حضرموت الحكومي، مهتم بالسرد والشعر والتاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى