fbpx
رأي
مقال شائع

جدَل المدَنيِّة والعَلمانيِّة في اليمن (1)

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

مع بداية ثورات الربيع العربي بدأ الحديث عن “الدولة المدنية” كأحد الشعارات التي يطالب بها الثوار، ولم تكن اليمن -كواحدة من بلدان الربيع العربي- بعيدة عن ذلك الشعار بل ربما من أكثرها ترديداً له، وقد كانت ساحة اعتصام الثوار مليئة بالندوات والنقاشات والحوارات حول هذا الشعار “الدولة المدنية”، ومع القبول العام له من غالبية الثوار إلا أن مضامينه لم تكن واضحة تماماً عندهم، لكن أهم ما أكسبه قيمة هو تبنيه من قبل قطبي الصراع الفكري القديم حول مفهوم الدولة، وهما التيار الإسلامي والتيار العلماني، ولربما وجد الفريقان في التسمية الجديدة لافتة تجمعهم في الثورة ضد خصم يريدون إسقاطه، متجنبين مسمياتهم وشعاراتهم القديمة التي ربما لا زالت حمولاتها السلبية في ذهن كل فريق منهما لم تتزحزح، حمولات تختلط فيها الحقيقة بالزيف مما أدى لرفض كل فريق شعار الآخر ومضمونه، وهنا جاءت “المدنية” كواحدة من محاولات التقارب بين التيارين، وخاصة أنهم في لحظة حرجة تقتضي منهم التوحد لإسقاط نظام سابق يرون فيه فساداً واستبداداً وفوق ذلك توريث وامتداد لنفس الحكم السابق.

لقد كان شعار “المدنية” مناسباً للتيارين، أما التيار الإسلامي، وأتحدث هنا عن جناح في حزب الإصلاح بالإمكان اعتباره الجناح التنويري في الحزب، والذي برز خطابه في أثناء الثورة واستطاع أن يطغى صوته على صوت الجناح الذي لازال متمسكاً بمواقفه السابقة في “الدولة الإسلامية”، ذلك الجناح المتنور كان إحدى ثمار الحراك الفكري التجديدي للفكر الإسلامي طوال عقود مضت، وساعده في ذلك تقارب أحزاب اللقاء المشترك في اليمن والذي جمع فيه التيار الإسلامي بمذاهبه المختلفة (الإصلاح، الحق، اتحاد القوى الشعبية) والتيار العلماني بأشكاله المختلفة (الإشتراكي، الناصري، البعث)، ونتيجة هذا اللقاء كانت هناك تعاط متخفف ومتقارب إلى حد ما برز في ذروة الربيع العربي اليمني.

تجاوز الخطاب الأيديولوجي:

العمل الفني لغيداء عبداللطيف

كانت السمة البارزة للخطابين طوال عامي 2011و 2012، هو الحديث عن آمال الثوار في الدولة المدنية ومحاولة إقناع أكبر كم من الناس بها، وفي عامي 2013 و2014 ومع الاستقرار الذي جاء بعد تسلم السلطة من النظام السابق بدأ تشكل تيار جديد متفاهم ومتقارب من كل التيارات الموجودة في اليمن، كانت السمة الأبرز فيه أنه يجمع شباباً متخففاً من أحقاد الماضي، ومن الخطاب الإيديولوجي السابق الذي خلق أسواراً بين التيارات ووسع الهوة بينهم، مؤمناً بإمكان تبني خطاب جديد يحقق قيم التعايش والسلام بين أبناء المجتمع، مع احتفاظ كل فريق أو حزب أو تيار بمرجعيته وتصوراته الخاصة، والتي لا تؤثر في الأرضية الصلبة التي تجمعهم، فكنا نشاهد الندوات واللقاءات التي تجمع ضيوفاً متنوعين من تيارات إسلامية ويسارية وقومية بخطاب متزن متطلع لدولة مدنية تحقق الرضى للجميع.

من المدنية إلى العلمانية:

مع نهاية العام 2014 وما حدث من انقلاب أدى إلى استحواذ جماعة دينية-لم تشكل حزباً سياسياً- على السلطة تزعم أن ذلك حقاً إلهياً لها، في انقضاض كامل على كل قيم المدنية. بدأ يتنامى في هذا الجو خطاب علماني يطالب بالدولة العلمانية صراحة كردة فعل على تلك الجماعة، فترك مصطلح المدنية جانباً واعتبر أن الدولة المدنية ليست إلا الدولة العلمانية ذاتها، بينما رأى فريق إسلامي في المقابل أن هناك فروق بين المصطلحين، وأن مصطلح “المدنية” ألصق بمشكلاتنا وسياقنا من مصطلح “العلمانية” الذي نشأ ملتصقاً بالسياق الغربي ومشكلاته وصراعاته، وهناك بدأ النقاش والجدل يتصاعد ويأخذ مسارات مختلفة في التكتل، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي هي الأبرز ، فتكونت مجموعات في وسائل التواصل الاجتماعي لتجمع بين المتفقين على رؤية ما من الرؤى المطروحة، سواء كانت بتصورات الشباب الإسلامي المنفتح أو بتصورات الشباب العلماني، وظهر عند الفريقين أصوات حادة ترفض الآخر لمجرد انتمائه أو اختياره، ولكنها لم تلق قبولاً واسعاً، وظل تأثيرها محدوداً.

أخذ الجدل يتنامى حول إشكالات تفصيلية في المدنية والعلمانية، فماذا يعني كل مفهوم منهما، وما هي سياقاته التاريخية، وما حقيقة الحمولات السابقة للمفاهيم، وما علاقة العلمانية بالإلحاد، وما هي علاقتها بالديمقراطية، وما هي علاقتها بالعلم، وهل هناك ما يعارض قيم المدنية في الفكر الإسلامي، وهل كانت الدول العربية السابقة علمانية أم لا، وهل يمكن أن تكون العلمانية استبدادية في نفس الوقت، ولماذا خفت الحديث عن الديمقراطية، وكيف يكون الفصل بين الدين والدولة، ولماذا نرى دولاً علمانية تظهر بمظاهر دينية؟ كل هذه الأسئلة وغيرها أخذت نقاشات كثيرة عند الشباب اليمني طوال ست سنوات مضت تفاوتت بين المرونة والصلابة في الطرح، لكنها لم تصل بعد لبلورة ما يمكن أن يكون أرضية صلبة للتعايش بين الفئات المختلفة، والسبب يعود هنا إلى دخول عوامل جديدة شجعت الخطابات الحادة الاقصائية، كان أهم تلك العوامل هو الخطاب الإعلامي للثورة المضادة في الوطن العربي والذي أبرز ودعم خطاباً علمانياً حاداً ضد أي إسلامي حتى لو كان صاحب خطاب معتدل يؤمن بالديمقراطية، وفي المقابل عاد الصوت الإسلامي المتشدد بشقيه الشيعي والسني، فمع عودة مشروع الإمامة على يد الجماعة الشيعية المنقلبة على الحكم، عاد في المقابل الصوت السني المتشدد الذي ينادي بتطبيق الشريعة الإسلامية.

العمل الفني لغيداء عبداللطيف

 لكن تلك النقاشات استطاعت أن تقرب وجهات نظر كثير من العقلاء الذين يرون أن لا مجال إلا بالتنازل قليلاً للوصول إلى النقطة المشتركة التي يتفق عليها الجميع، وتحفظ وجودهم ووجود دولتهم.

حدود المفاهيم:

وسيحاول الكاتب هنا إجمال ما جرى من جدل حول الأسئلة المذكورة سابقاً، منحازاً إلى ما يراه الأصوب في كل إشكال وجدل، وما يراه أقرب لتضييق الهوة وتخفيف الصراع بين التيارات والفئات المختلفة، مستعيناً في أحكامه بدراسة واسعة لتلك المفاهيم من أدبيات الفكر السياسي الغربي والإسلامي جميعاً.

أول جدل كان حول مصطلح “الدولة المدنية”، ما المقصود بها؟ إذ قال بعضهم إن الدولة المدنية في السياق السياسي هي الدولة العلمانية ذاتها، فهي التي تفصل الدين عن الدولة، وهي المقابل للدولة الدينية الثيوقراطية التي يحكمها رجال الدين، فكلمة مدني جاءت في مقابل كهنوتي ديني، وهذا ما يجادل به الفريق العلماني، وقال آخرون إن الدولة المدنية هي المقابل للدولة العسكرية، فالدولة المدنية هي التي يحكم فيها المدنيون المختارون من الشعب لا قادة الجيش الذي جاءوا بالانقلابات، وهو ما يجادل به فريق من الإسلاميين، وذهب فريق آخر من الإسلاميين إلى أنها هي الدولة الإسلامية ذاتها في صورتها الصحيحة التي كانت في عهد الرسالة ويمثلها ميثاق المدينة الذي استوعب غير المسلمين، وذهب آخرون إلى أن الدولة المدنية هي الدولة الليبرالية التي تركز على حريات وحقوق المواطنين كأفراد، وقال آخرون هي الدولة الوطنية التي يستوي فيها المواطنون أمام القانون.

وحين نعود لدراسة مصطلح “المدنية” في الأدبيات السياسة الغربية وغير الغربية فإننا لا نجد له ارتباطاً –بحسب بعض الباحثين- بمفهوم الدولة إلا في حالات محدود وبمعان مختلفة عن بعضها بعضاً، فمثلاً، تحاكم الرومان إلى “قانون مدني” لمواطني روما في مقابل قانون غير المواطنين الذي سمي “قانون الشعب”، وذكر هوبز الفيلسوف الإنجليزي في ما كتبه عن مصطلح “السلطة المدنية” و”السيادة المدنية” وقصد بها السلطة خارج سلطة الكنيسة المسيحية، وذكر جان جاك روسو الفيلسوف الفرنسي “الحالة المدنية” في “العقد الاجتماعي” على أنها مرحلة يتَّبع فيها الإنسان مفهوم العدالة بشكل أكثر تطوراً من “الحالة الطبيعية” التي يتَّبع فيها الإنسان غرائزه، وذكر هيغل الفيلسوف الألماني “الخدمة المدنية” التي يدير أصحابها الشأن العام من خلال الجزء البيروقراطي من الدولة منفصلين عما سماه “المجتمع المدني”(1).

ثم جاء جون رولز الفيلسوف الأمريكي وطور مفهوم “الحالة المدنية” عند روسو وطرح نظريته الجديدة في العدالة الاجتماعية، والتي بناها على طريقة العقد الاجتماعي بادئاً من حالة فرضية يكون الناس فيها على ما سماه “الحالة الطبيعية”، وهي حالة ليس لدى الأفراد فيها مجتمع، ويحجبهم ما سماه “ستار الجهل” عن معرفة ذواتهم وتحيزاتهم وعلاقاتهم، وبالتالي فهم محجوبون عن الطرق الأنانية للاستفادة من النظام العام، وليس لديهم عندئذ معلومات حتى عن مستوى ذكائهم أو ثرواتهم أو قدراتهم، ويرى رولز أن الناس في هذه الحالة الطبيعية الفرضية يحتاجون إلى مجتمع يتمتعون فيه بحرياتهم الأساسية وبعض الضمانات الاقتصادية، ثم لا بد بعد ذلك من بناء دولة حديثة من هذه البداية عبر عقد اجتماعي بين الأفراد، وقدم لعض المبادئ كأساس لهذا العقد، كالحرية والتعاون والمساواة واحترام الذات واحترام الملكية الفردية وغيرها، ثم ذكر أنه حتى تُشكِّل هذه المبادئ أساساً للمجتمعات الحديثة فإنه ينبغي لكل شخص أن يرضى بها إذا كنا سنعيد بناء المجتمع من جديد على أساس عقد اجتماعي عادل. وعلى الرغم من عدم إمكانية تحقق الحالة الطبيعية هذه في واقع الناس إلا أن مفهوم رولز عن العدالة الاجتماعية وربطها بالحريات والمساواة وتكافؤ الفرص أثر في الفكر السياسي الفلسفي في القرن العشرين سواء الذين اتفقوا أو الذين اختلفوا معه(2).

العمل الفني لغيداء عبداللطيف

في المقابل فإن الأدبيات السياسية تتحدث بشكل كبير عن مصطلح “المجتمع المدني” وهو مفهوم مختلف عن مفهوم “مدنية الدولة” وإن كان لا يتبعد عن مناخها، فمصطلح المجتمع المدني يشير إلى المجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية التي لها وجودٌ في الحياة العامة وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استناداً إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية. وتمثل نمطاً من التنظيم الاجتماعي والسياسي والثقافي خارجاً قليلاً أو كثيراً عن سلطة الدولة، وتمثل هذه التنظيمات في مختلف مستوياتها وسائط تعبير ومعارضة بالنسبة للمجتمع تجاه كل سلطة قائمة. ونلاحظ من خلال تعريف هذا المصطلح أنه لا يندرج ضمن جدل “مدنية الدولة” إذ الجدل لازال مفتوحاً في هذا الأخير بسبب جدتِّه على الفكر السياسي.

مقاربة التعريف:

ولأنه لم يوجد بعد تعريف مستقر تاريخياً وفلسفياً للدولة المدنية فبرأي الكاتب أنه بالإمكان ملأه بكل القيم التي طرحتها التعريفات السابقة للمدنية، لأن كل واحد من تلك التعريفات تنظر لزاوية على حساب أخرى، وستؤسس تلك القيم لأرضية مشتركة بين التيارين الإسلامي والعلماني، بما يحقق التعايش وبناء الدولة، متجاوزين مصطلحي “إسلامية” و”علمانية” لما تسببه هذه التسميات من استقطاب، وننتقل إلى مصطلح “المدنية” التي تشمل ما نظروا إليه سابقاً من استقلال السلطة عن رجال الدين وعن العسكر في آن واحد، باعتبار كلا الفريقين (رجال الدين والعسكر) لا يمثلان إرادة الشعب ولا يحققان الديمقراطية في جعل السلطة بيد الشعب، لأنهما وصلا للسلطة من غير طريق الانتخاب الحر، ويشمل كذلك الحريات والمساواة لكل المواطنين أمام القانون، ويكون بذلك مفهوم “الدولة المدنية” شاملاً لمبادئ ثلاثة: استقلال السلطة السياسية، وحرية المعتقد والعبادة، والمواطنة المتساوية”. وانطلاقاً من تلك المبادئ ستعرَّف الدولة المدنية بأنها: “الدولة التي تحفظ استقلال السلطة السياسية، وتضمن حرية العقائد والعبادة، والمواطنة المتساوية لجميع أبناء الشعب”.

بظني أن الاتجاه لهذا التعريف ضروري للمجتمعات العربية عموماً والمجتمع اليمني خصوصاً، بما يتميز من إحاطة لكل قيم المدنية التي يمكن أن يتشكل حولها توافق مجتمعي، وبالتالي تحقيق السلام الاجتماعي الذي ينطلق على إثره الشعب للتنمية والنهوض.

 

  • الدولة المدنية، د.جاسر عودة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى 2015، ص 73-74.
  • الدولة المدنية جاسر عودة ص 74-75.

 

 

اظهر المزيد

عبدالله القيسي

أكاديمي وباحث في الفكر والفلسفة، حاصل على الدكتوراه في الفكر الإسلامي، رئيس منظمة تمدن للتنمية الفكرية (اليمن)، يكتب في عدد من المجلات والمواقع، وصدرت له عدة كتب في الفكر الإسلامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى