fbpx
ثقافةفن
مقال شائع

أغاني الزراعة في محافظة البيضاء اليمنية

محافظة البيضاء من المحافظات الغنية بالتراث الشعبي الشفوي، وهي كذلك من المحافظات المهملة في هذا المجال في الوقت ذاته. فتراثها الشعبي غني ومتنوع؛ وما زال كثير منه مادة خامًا، لم تجمع، ولم تدرس. ومن أنماط هذا التراث أغاني الزراعة، وهي مقطوعات شعرية قصيرة تقال عند ممارسة أعمال الزراعة. وهي مادة جيدة لدراسة اللهجة، وتوصيفها، ومقارنتها، وهي مادة جيدة كذلك لدراسة حياة الناس من خلالها وفلسفتهم وعاداتهم وثقافتهم.

تعتمد أغاني الزراعة على أمرين: الإيقاع، والدلالة. فالإيقاع يجب أن يتناسب مع حركة الجسم أثناء العمل في الزراعة، فإيقاع قصائد أو مهاجل الشرياف يختلف عن إيقاع قصائد الحصاد (الصراب)،  فقصيد الشرياف بطيء في إيقاعه، بقدر ما يأخذ الورقة من القصب، ويضعها في يده، وقصيد الصراب إيقاعه سريع، بقدر قطع المنجل للقصبة.

 وبعض المواسم تتميز بأن لها أغاني تقال في الصباح عند البدء في العمل، لها إيقاع مختلف، وتتغير هذه الأغاني عند الظهيرة بإيقاع آخر، وتتغير ويتغير الإيقاع عند المساء والمشارفة على الانتهاء من العمل. والإيقاع عامل حافز على العمل، فالإنسان (وحتى الحيوان، الإبل على وجه الخصوص) يحفزه الحدو والغناء. والعنصر الثاني: الدلالة، وترتبط دلالة أغاني الزراعة في محافظة البيضاء بالموسم الذي تقال فيه، وتدعو أحيانا إلى النشاط والهمة والإنجاز في العمل، وتكون بعضُها أقوالَ الحكماء، تحتوي على حِكَمٍ عامة، أو متعلقة بالموسم، أو بأمور الأرض والزراعة بشكل عام.

سكان محافظة البيضاء عاشوا على الزراعة، وهي زراعة موسمية؛ لذلك ارتبطت هذه الأغاني بالمواسم، فلكل موسم أغان (مهاجل) تخصه، وتناسبه إيقاعًا ودلالة، تشدو بها أصوات الرجال، وترتلها النساء، تسمعها من كل مزرعة (جربة) في وديانها، وتردد جبالُها صداها.

العمل الفني ل لينا العمودي

وهذه المواسم هي:

الأمطار والسقاية وما يتعلق بها

يدخل في هذا القصائد أو المهاجلُ التي تقال في استقبال المطر والسيل، فإذا أقبل المطر قام المزارعون يجمعون ماشيتهم وحاجياتهم لحمايتها من المطر مرددين:

المَطَر وَالسَّيل([1]) جَانَا … يَا مَرَة سُوِّي عَشَانَا

وبعد نزول المطر، ونزول السيل يبدأ المزارعون في سقي مزارعهم، وأحيانًا إذا لم ينزل مطر يسقونها بمياه الأمطار، ويرددون:

يَا مَسْقِي بَعْد السَّيل … يَا وَلَد الوَيْل

تأتي أمطار الخريف في محافظة البيضاء بشكل شبه يومي، وتهطل بدون سابق إنذار، أي بدون رعود أو بروق، ولا تكون غزيرة، بل رشاش على فترات طويلة، لكن هذا المطر يغدر أحيانًا فيأتي غزيرًا؛ فإذا بدأ هذا الرشاش ينزل تداعى الناس إلى مواشيهم في المراعي لإرجاعها إلى البيوت، ويسعون إلى إنجاز أعمالهم بسرعة، وهم يشدون بمثل قولهم:

دَجَن دَجَن يا خَرِيفْ … عاد الرُّوَيعي ضَعِيفْ

حراثة الأرض (العمل)

تترك الأرض بعد سقيها (سواء سُقيتْ بالمطر أو من مياه الآبار)، ثم يبدأ موسم العمل، وهي المرحلة التي تحرث فيها الأرض، وتقلب فيها التربة، وتُنقى من الشوائب، وفي أثناء قيام المزارعين بهذا العم تشدو أصواتهم بمثل هذا المهجل:

حَوْم المَقِيل اسْهَر الْعَيْن … وَسَى فِي الْعَيْن غِمَّاش

ويرددون الأغاني التي فيها التوكل على الله، وتقال غالبًا في الصباح، عند بداية العمل، مثل قولهم:

وَاحْنَا نُقُوْل اليَوْم يَا حِبَالِه … يَا مَن بَسَط شَمْسِه عَلَى جِبَالِه

ومثله قولهم:

بَسْرَح تَوَكَّل عَلَى الله … هُو ذِي عَلَيْه الوَكَالَة

بَسْرح: أي سأسرح، والمعنى سأخرج في الصباح، وهو ضد “رَوَّح”، التي تعني العودة.

وقد يأتي موسم العمل، ويكون أحد المزارعين محتاج إلى ماشية لحراثة الأرض؛ بسبب مرض ثوره أو جمله، فيضطر إلى استعارة ماشية غيره، لكن بعض المزارعين يستنكف عن الاستعارة بسبب مَنِّ أصحابه، فيعمل على ثوره الضعيف، ويردد مشيرًا إلى هذا المعنى:

بَعْمَل عَلَى ثَوْر زَاحِف … وَلَا تِكِلَّاف لَصْحَاب

والعمل هنا المقصود به “حراثة الأرض”.

وترتبط بعض الأغاني بحكايات معينة، ويرددها المزارعون للتسلية، أو للتلميح إلى شيء معين، منها هذه الأغنية التي تحكي أن أحد المزارعين وجد ثورًا ضالًا، فأخذه، وذبحه، وأمر امرأته أن تجهز له (مرق) – أي: شربة اللحم – وعندما كانت قادمة به إلى زوجها الذي يعمل على ثوره في المزرعة، كان صاحب الثور جالسًا عند زوجها، ويسأله: هل رأى ثورَه الضائع؟ فقال وهو يعمل، وكأنه يشدو بإحدى أغاني الموسم حتى لا ينتبه صاحب الثور:

يا مَسْلَمِة يَا بِنْت مَسْلَمَانِي … رُدِّي المَرَق وِادِّي لَنَا زَوْمَانِ … رَعَي صَاحِب الثُّوْر جَالِس عَلَى لَوْدَانِ

أي ردي شربة اللحم (المرق)، وجلبي لنا بدله (زوم)، خليط اللبن والدقيق.

الذري (التَّلِيْم)

بعد حرث الأرض وتسويتها وتنقيتها ينتظر الناس موسم الذري أو المذاري؛ ليقوموا بعمل اسمه (التَّليم)، وهو اسم على ذري الحب في الأرض. ومن علامات دخول هذا الموسم رياح (نواد) تهب من جهة معينة، وبشدة وطريقة معينة يعرفها المزارعون، فإذا هبت تلك الرياح قاموا إلى الذري مرددين:

هَزَّت نَوَاد المَذارِي … يَا ثَوَر لَا مَنْتْ دَارِي

وكأن هذا إعلان منهم ببدء هذا الموسم. ويرددون في هذا الموسم العديد من الأغاني، يتعلق بعضها بالطريقة الصحيحة للذري، مثل قولهم:

يا ذَارِي الحَبّ رِقْه … على الخُطَى والمَذَارِي

أو الأغاني التي تتعلق بالتوكل على الله، ودعائه بأن يبارك في الذري؛ ليصبح زرعًا كثيرًا بحصاد وفير، فيرددون مثلًا:

يَا لله مِنْ إيْدِي وَلَيْدَك … وَاتْلَقَهَا يَا كُرَيْمَان

فكلمة “كريمان” هي “الكريم”، وهي صفة لله تعالى في المهجل، وبدلًا من تعريفها بـ(ال)، وهو نظام التعريف في العربية، جاء التعريف بـ(ان)، وهو نظام التعريف في اليمنية القديمة.([2])

وقولهم:

تَلَمْتَهَا حَبًّا حَطِيمًا يَابِسْ … وَاصْبَحْ بِصُنْعْ الله وَرَقْ مِتْلَامِسْ

في الذري (التليم) يكون العمل أكثر جدية، والوقت قصيرًا؛ لذلك يسعى المزارعون إلى أن تكون ماشيتهم (الإبل والبقر) التي يستخدمونها في الذري قوية ومدربة، فيرددون في أثناء الذري هذا المعنى للتنبيه عليه:

هَزَّت نَوَيْدَه يَا عَذَاب الذَّارِي … وَيَا عَذَاب مَن كَان ثَوْرِه وَارِي

ولما بدأت الآلات بالظهور، ورأوها أسرع وأكثر إنجازًا، عَدُّوها أفضل من بعير ضعيف، أو ناقة خاملة، لذلك يرددون وهم يذرون الحب على الآلات أو على المواشي:

لَا اشْتِي جَمَل فَاتِر وَلَا اشْتِي نَاقَه … اشْتِي مَكِيْنَة وَرْبَعَة سَلَّاقَة

وتتضمن بعض أغاني التليم ترويحًا عن النفس بالغزل أو التلميح به، مثل هذا المهجل:

سَعْلَيْك يَا طَيْرِي عَلَى الزَّرِيْبَه … اقْرُب تَقَرَّب مَا عَلَيْك رِيْبَه

الْكَلْب مَاشِي وَالرِّجَال غِيْبَه … مَا هَلْ مَعَانَا جَارِيَه غَرِيْبَه

مَا تِعْرِف التَّمْرَه مِن الزَّبِيْبَه

والـ(طيري) المقصود به العصفور، وهو تورية عن المتغزل بها.

العمل الفني ل لينا العمودي

الشَّصُور (الشَّعُور)

الشصور (وفي بعض المناطق يسمى “الشعور”) هو إرجاع تراب التلم على جذور الزرع عندما يرتفع من الأرض؛ حتى لا يسقط عندما يكبر. ويردد المزارعون مهاجل معينة وهم يقومون بهذا العمل، مثل قولهم:

يَا وَارِدًا وَاليَوْم وَارِدْ … يَا حَمَايِم غِرِدَان … يَا وَارِدًا وَالحَوْض صَافَي … مَا يِلَاه الغَارِفِي

وقولهم:

سِلِّمْهَا وِاسْلَم يَا مَالِي … سِلِّمْهَا لِلْسَّيْل الدَّاوِي

وقولهم:

نَجَّاكِنْ الله يَا بَنَات نَاجِي … نَجَّاكِن الله وَانْكِن نَواجِي

ويقولون أحيانًا مهاجل يَشّدُّونَ بها همتَهم وهمّةَ مواشيهم، كهذا المهجل:

مَرْوَح الليل يا مَرْوَح الليلة … مَرْوَح الليل إلى حَيْثْ كُلّ ليلةْ

الشِّرْيَاف

يأتي بعد ذلك موسم الشرياف، وهو أخذ الورق من الزرع، وجمعه على شكل حزم، وإطعام القليل منه الماشية، وادخار الباقي إلى موسم القحط. وللمزارعين مواسم يقولونها وهم يقومون بهذا العمل، ويتعلق بعضها بالشرياف وموعده المناسب، كقولهم:

سَرَحْت شِرْيِف … وَمِن فَوْق المَفَارِق سَبُوْل

أي أن الشرياف لا يكون إلا بعد أن تظهر السبول (السنابل) في الزرع، وتظلل رأس المزارع من الشمس، كما يؤكد المهجل التالي:

قَال ابْن دَهَّام يَوْم النُّوْر يَوْم القَبُوْل … يَوْم المَشِرْيِف يَظِلِّي فِي ظِلَال السَّبُوْل

وهذا المهجل منسوب لأحد الحكماء الذين يأخذ عنهم المزارعون، ومن أقوله التي يرددونها، وتتعلق باستعجالهم لغروب الشمس حتى يرجعوا إلى أهلهم:

قَال ابْن دَهَّام يَا عَيْن الشُّمُوْس انْتَحِي … مِن مَيْد نَاوِي قَد المَضْنُوْن مَا دَام حَي

وهناك حكماء آخرون يردد المزارعون أقوالهم، كما هو الحال مع المهجل التالي الذي يقرر طبيعة النفس البشرية:

قَال ابْن بَحْرَان يَا رُمَّان مَحْجَر وَبَيْح … البَيْح مَا بَاه والمَحْجَر قَرَح فِيْه صَيْح

أو قول الحميد بن منصور:

قال الحُمَيْدْ بْنَ مَنْصُور … يا هِمَّتِي مِنْ عِيَالِي

ذِي لا حِمِيَّوا مِنْ الشَّمْسْ … اتْنَاقَلُوا لِلظَّلَالِ

ويتزامن مع هذا الموسم موسم (الدِّجَّار)، وهو قطف اللوبيا (الدُّجُر) وغليها وأكلها، أو ادخارها، ومن الأغاني التي تقال عند الدجار:

رَوِّحِينا مِن اللَّيلِ يا سَمْرَةْ … وَإِنْ سَمْرَةْ تِلَوَّتْ بِلَغْصَانِ

الصراب (الحصاد)

وهو آخر مواسم الزراعة، وفيه يقطع الزرع من الجذور، وتفصل السنابل عن القصب، وتجمع السنابل في أماكن مخصصة، استعدادًا لفصل حبوبها وتنقيتها من الشوائب وتخزينها. ولهم في هذا الموسم أغان يرددونها في أثناء العمل، مثل قولهم:

مَعَي جِربِة عَلَى الغَيْل … التِّلْم يِدِّي غَرَارَه … والشَّاجِبَة تِقْضِي الدَّيْن

ويُروى بالتصغير:

معي جُرَيِّبَة على الغيل…

وقولهم:

سَقَاهَا السَّيْل … وَعَقَّب خَيْر … وَمَوْلَاهَا يُعُوْد الخَيْر

وقولهم:

وَالْيَوْم يَا الله وَالَيْوم دَايْم … بَكَّر مِن امْصُبْح يَرْعَى الغَنَايْم

وفي صراب الذرة ينقسم العمال إلى فريقين: فريق يقطع القصب من الجذور، ويمدده على الأرض، وفريق آخر يقطع السنابل (السبول) من القصب المدد، ويضعه في أواني أو أكياس، فيردد الفريق الأول، موجهًا الكلام إلى الفريق الثاني، ويستعجله، ويطلب منه سرعة إنجاز ما عليه من العمل:

أَلَا يَهْل السَبُوْل افْسَحُوْنا … غَابِت الشَّمْس … غَابِت الشَّمْس

ويستعجلون بعضهم من أجل إنجاز العمل قبل غروب الشمس بقولهم:

غَابِت امشَّمْس يَا عَم صَالِح … وِانْت عَادَك تُجُر امَّدَاعَة

وقد يتغنون مفتخرين بجودة المحصول ووفرته، كقولهم:

قُلَيِّمَة يَا الْجِعَيْدِي … يَا مَا جَلَمْنَا وَعَادِه

وأخيرًا هذه الأغاني لها قيمة كبيرة، فهي جزء أصيل في التراث الثقافي للمجتمع، فبالإضافة إلى قيمتها العملية الآنية (أي بوصفها محفزًا على العمل للمؤدي لها)؛ فإنها تمثل مادة ثقافية ولغوية مميزة، فقيمتها الثقافية هي حملها لأنساق المجتمع وفلسفته ونظرته للحياة، وقيمتها اللغوية تتمثل في احتوائها على ألفاظ وتراكيب وظواهر لغوية لها أصول في اللغة اليمنية القديمة. فهي تُعدُّ ذاكرة ثقافية للمجتمع في ماضيه وحاضره، ويمكن لكثير من التخصصات الإفادة من هذا التراث، كالدراسات اللسانية، (وخاصة اللسانيات المقارنة)، والدراسات الأنثروبولوجية، والاجتماعية، والثقافية، وغيرها.


([1]) في بعض مناطق البيضاء تقال هذه الكلمة وأمثالها بـ (ام) الحميرية، فيقال “امسيل” بدلًا من “السيل”، وهكذا.

([2]) فاروق إسماعيل، اللغة اليمنية القديمة، دار الكتب العلمية، تعز، اليمن، 2000، صـ83.

اظهر المزيد

علوي الملجمي

مدرس بقسم اللغة العربية بجامعة البيضاء، وباحث في مساق الدكتوراه في النقد الأدبي (السيميائيات الحديثة) جامعة سوهاج، مصر. صدر له ديوان شعر وكتابان و عدد من الأبحاث والمقالات. حاصل على جائزة رئيس الجمهورية في الشعر في محافظة البيضاء للعام 2008. حاز علوي جائزة كلية الآداب (جامعة سوهاج – مصر) للأبحاث 2015.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى