مجتمع
أخر الأخبار

“أخضر من الله لا مطر ولا شيء”

ذكريات عن زينة النساء في قرى اليمن

تعبر عصريات الأيام الخوالي كموج هادئ في مخيلتي؛ حمام ما بعد الغداء؛ القيلولة الخاطفة؛ ثم الاستعداد لقمة أنثوية. وفي لحظات أتحول إلى الآنسة ألوان: الوجه مطلي بالأصفر “هرد”[1]بشكل كامل، وخصلات شعر سوداء لامعة تنسدل على الجبهة بطريقة هندسية مدروسة تعلمتها من الفتيات، ويخط “ميل” الكحل عينيّ فتبدوان أكبر وأقتم. أحتفظ بالصبغة الأنثوية الحديثة التي غزت القرية في سنوات مراهقتي الأولى “أحمر شفاه السيدة”؛ أضع كمية قليلة جدا منها على شفتيّ وأخرى على وجنتيّ، وأظلل بها جفنيّ متخفية من ملاحظة أمي المنتقدة. أضع عطرا من عطور أمي المختلفة. وبالطبع أرتدي فستانا ملونا خاطته إحدى خياطات القرية، وأرتدي “مقرمة”[2]مزركشة هي الأخرى. أما حذاء “الصندل” فهو أحمر ولا ريب وعليه فص أشد حمرة مثل قلب الوردة. أنتظر نداء الفتيات من الخارج، أحمل مجموعة “دبب الماء”،[3]التي يجب أن أملأها وأنطلق.

العمل الفني بواسطة جمانة الشامي

كان هذا لباس جيل مراهقتي، قبل غزوة العبايات السوداء التي استبدلت كل ما ذكر بعباءة سوداء وبرقع. غير أن جيل مراهقتي يبدو بسيطا جدا في أناقته مقارنة بجيل شباب أمي. أتطلع دوما في صورهن القديمة مبهورة بالجمال والأناقة. من الصور التي أتمنى نشرها، صورة لأمي وعماتي وجدتي يجلسن على السطح، ربما في أواخر الثمانينات، تتربع جدتي في طرف الصورة، مرتدية “الدرع”[4]وشعرها الأحمر مفروق في حقلين متساويين ومشدود فيما يبدو من الخلف. بيضاء البشرة مكتنزة الجسد، لها نظرة امرأة متعالية تعرف ما تريد. وعلى الطرف الآخر من الصورة، تجلس أمي منتصبة في وضعية “نجمة”، تحني ساقيها ببنطال عريض جدا يغطي أيضا قدميها، والفستان حتى الركبتين برقبة مربعة منخفضة حتى حدود الصدر، الشعر أسود لامع يبدأ تحركه من الجانب الأيمن للرأس، يتحدر نحو اليسار مغطيا معظم الجبهة، ثم يعود للوراء مرة أخرى بأن يعبر بجانب الأذن اليسرى التي ستبقيه ثابتا لا ينزلق على الوجه، وعلى الرأس يلتف إيشارب ملون، بطريقة فنية لفته أمي على رأسها بحيث يغطي المنطقة الخلفية من الرأس تاركا الجبهة والعنق والصدر بحرية. وما بين أمي وجدتي تبتسم عماتي: أعناق حرة، فساتين قصيرة وبناطيل عريضة، وجوه ملأى بأنوثة الطبيعة، بجمال الشمس والأشجار، وبرائحة المشاقر[5]التي تنتصب على سطوحهن.

متى تكبر البنت في القرية؟ عندما تمتلك شنطتها- صندوقها الخاص. أتذكر كيف كان هذا الأمر حماسيا ويصنع فارقا بشكل لا يصدق. وكصندوق أسرار حقيقي يغلق بأقفال صفراء صغيرة، وتعلق المفاتيح في أساور بلاستيكية سوداء ترفع حتى ما بعد المرفق، وتظل المفاتيح متدلية هناك في سواعد النساء أينما حللن أو ارتحلن. وفي الصندوق كل شيء: صور قديمة، أشرطة تسجيل، الملابس الجديدة، الهدايا، شيء من نقود، حلي عتيقة، قنينات عطر ممتلئة وأخرى شبه فارغة، حناء وهرد، بخور مبعثر. وإذا كانت الفتاة طالبة مدرسة، فهناك رسائل لا تعد من زميلات المدرسة، وربما من حبيب سري. أما إن كانت عجوزا، فهنا الكنز الحقيقي: كل تراث الماضي مخبأ هناك: عملات قديمة، سجلات ووثائق لملكية أرض تغير مالكوها، مصحف قرآن قديم، مفاتيح لأقفال لم تعد موجودة، ملابس لم تعد تلبس، ولكل صندوق رائحته الخاصة، رائحة الأيام كلها، رائحة الجمال والحب، رائحة الحنين، عطر بحناء وهرد وبخور، تتجمع الروائح كلها وتسكن الصندوق الحديدي وذاكرة النساء.

في قرانا تطلق صفة الأخضر على الأسمر؛ فالبنت خضراء والولد أخضر. وهذه ميزة جمال أكيدة. لم تكن قرانا في الماضي مهووسة بمسائل بياض البشرة. كان الأخضر هو لونها المفضل؛ فالحبيب – الحبيبة: ‘حالي وسط ململم الحواشي، أخضر من الله لا مطر ولا شي’، كما وصفه الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان المعروف بالفضول. وجملة “من الله”، جملة تستخدم في كل شيء ضد كل شيء مصطنع. كان جيل أمي يكره مستحضرات “Fair & Lovely”، التي جلبها جيلي. ويكرهن أحمر شفاه السيدة. ويكرهن الصابون المجفف للبشرة. ويستغربن من الزيوت والكريمات التي استحضرناها للاعتناء بشعرنا وهن اللاتي لم يعرفن غير زيت الجلجل والنارجيل. لم يصدقن كيف استبدل الهرد ب Fair & Lovely”، وكيف تتجرأ الفتيات على وضع أحمر الشفاه وهو الخاص بـ “…” اللاتي لا يجرؤن على نطق أسمائهن بدافع الحياء، لذا كانت جمل ” أنت حلوة من الله” و”أنت بيضاء من الله”، تردد كلما شوهد الكريم المستورد أو أحمر الشفاه في الأرجاء.

لكن وبغض النظر عن هجمة العولمة التي أوصلت Fair & Lovely””، إلى قرانا، فقد ظلت الفتيات محافظات على أصالة أمهاتهن والجدات. ما زال الهرد هو الواقي من الشمس؛ إما أن يطلى بشكل كامل وإما أن يخط في منتصف الوجه بحيث يغطي فقط الأنف وما قابله من الوجنتين. وما زالت المشاقر تغطي سطوح البيوت، وتختبئ أوراقها الخضراء بجانب الأذنين وخلال الشعر لأجل الرائحة ووصل الأرضي بالسماوي. وما زالت النساء تستخدم قناني العطر الصغيرة جدا، وتخط الأخضرين[6]بأطراف الأصابع حول العنق والأذنين. ما زال البخور هو سيد الروائح، والهيل هو معطر الفم. لم يتراجع زيت السمسم عن أن يكون المرطب الأول. وفي كل كوة وطاقة ستجد أحجاما متعددة من “المكاحل”؛ إذ لن تغادر الأنثى الريفية بيتها دون كحل عينيها الذي تطحنه بنفسها. وما زالت النساء تشتري الأقمشة الملونة وتخيطها حتى لو كانت سترتدي عليها العباية. فهنا الجمال شعور من الذات ومن أجل الذات قبل كل شيء.

_______

[1]الهرد أو الورس Curcuma longa     نبات زهري تستخرج منه مادة صفراء تمزج بالماء وتصبغ بها النساء اليمنيات في القرى أجسادهن لغرض صفاء البشرة والحفاظ عليها من لذعة الشمس. وقد تستخدم هذه المادة ممزوجة بغيرها بوصفها بهارا مشهيا للطعام وخصوصا مرق اللحم.

[2] قطعة ثوب تغطي رأس المرأة. وتسمى مقرمة في المناطق الجنوبية والمناطق الوسطى من اليمن.

[3]Hgالدبب أو الدباب جمع دبّة وتطلق في اليمن على أوعية حمل الماء البلاستيكية.

[4] الدرع ثوب نسوي ضافي يغطي الجزء العلوي والسفلي من الجسد وغالبا ما يكون مزركشا ومتعدد الألوان. ترتدي النساء الدرع غالبا في المناطق الجنوبية والوسطى من اليمن.

[5] الشقر أو المشاقر نبات ريحان يستخدمه النساء والرجال في اليمن للتجمل، وقد يستخدمونه لأغراض طقوسية في مناسبات الموت والولادة.

[6] الأخضرين مستحضر للتجميل  طيب الرائحة مركب من عدة عناصر عطرية ومن مادة الفازلين.

 

 

 

.ريم مجاهد، كاتبة يمنية تعيش في التشيكلها عدة مقالات منشورة في عدة مطبوعات يمنية وعربية

 

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق