fbpx
النساء والنوع الاجتماعي

حق المرأة اليمنية في حيازة جواز سفر:

كيف أصبحت العادات والتقاليد مرجعية مصلحة الجوازات والهجرة؟

في هذا التقرير الصحفي نناقش جانب من تبعات الوصاية التي يمنحها العرف في اليمن الرجال على النساء وهذا الجانب، بالتحديد، هو الحرمان من حقهن في استخراج وثيقة جواز السفر دون “ولي أمر”. ونستعرض أحوال نماذج من النساء اللاتي يعانين من كون مصلحة الجوازات والسفر تستند، عمليا، في معاملتها للمرأة إلى العادات والتقاليد وليس إلى مقررات القانون اليمني.

نص القانون: لا فرق بين ذكر وأنثى

يعترف دستور الجمهورية اليمنية النافذ منذ العام 1991 بمساواة النساء مع الرجال في الحقوق والواجبات التي تنص عليها القوانين. وقبل ذلك صادقت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي سابقا) على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة ” سيداو” في العام 1984 وبحكم اتفاق الوحدة اليمنية تم الإبقاء على كل المعاهدات والاتفاقية الدولية التي التزمت بها اليمن بشطريها قبل قيام الوحدة.

لكن منذ قيام الجمهورية اليمنية، ولأكثر من ثلاثة عقود، تشترط مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية على المرأة موافقة وليها من الرجال لمنحها وثيقة سفر دون أي سند قانوني بل وفي إجراء يتعارض مع  المادة رقم ( 6 ) من قانون ( 7 ) بشأن الجوازات لسنة 1990 التي تنص على الآتي:

تُصرَف جوازات السفر العادية ووثائق السفر لكل من بلغ سن السادسة عشر من العمر ممن يتمتعون بجنسية الجمهورية اليمنية، أما القصَّر فيضافون في جواز سفر أحد الأبوين إن كان مسافراً بصحبته”.

واقع الحال: إجراءات تمييزية وانتقاصية

وعلى الرغم من وضوح هذا النص، فإن النساء، في واقع الحال، يفتقرن إلى الحماية من إجراءات مصلحة الهجرة والجوازات التعسفية وتعرضّهن للإهانة من قبل موظفي المصلحة حين يقدمن على إجراء معاملات استخراج جوازات السفر بأنفسهن.

هذا ما حدث مع عايدة التي حاولت بشتى الطرق إقناع موظف المصلحة بحاجتها إلى استخراج جواز سفر يمكنّها من إتمام تعليمها خارج البلاد. فقد أصر الموظف على حضور ولي أمرها، بالرغم من أنها أبرزت شهادة وفاة والدها، وأفادت بأن ليس لها إخوة ذكور. عرضت عايدة اصطحاب والدتها لإتمام المعاملة، إلا أن الموظف رد عليها بالقول ” أمك عادها تشتي ولي أمر خاص بها”.

هذه اللغة المهينة لا تميز بين النساء في أي فئة عمرية، فهن قاصرات في عرف المجتمع حتى وإن كنّ غير ذلك في نظر القانون. بل تساوى المرأة بالطفل القاصر في الاستمارة الرسمية التي تُصدرها مصلحة الهجرة والجوازات بغرض تقديم طلب الحصول على جواز سفر.

فمن ضمن البيانات المطلوبة في الاستمارة، اسم ولي الأمر بالكامل وصلة القرابة إن كان طلب إصدار جواز السفر لامرأة أو طفل. هل يُعقل أن تتساوى المرأة البالغة بالطفل القاصر الذي يجهل مصلحته؟ وهل يعقل التعامل مع النساء البالغات كملكٍ خاص للرجال، فتبقى المرأة أسيرة وصاية الأب ثم في كثير الأحيان أسيرة زوجها؟

وصاية أسرة الزوج على الزوجة

تفرض مصلحة الهجرة والجوازات على المرأة في حال غياب زوجها خارج البلاد أن تحصل على وكالة موثقة من زوجها لأحد أقاربه أو أقاربها الذكور لمرافقتها ومنحها الإذن في الوثائق الرسمية المطلوبة لاستخراج جواز سفر لها.

روت لنا سلمى، إحدى السيدات اللاتي مررن بهذه التجربة أنها تمكنت من استخراج جواز سفرها فقط حين ذهبت إلى المصلحة برفقة والد زوجها الذي كان يحمل وكالة موثقة من ابنه للسماح لها باستخراج وثيقة سفر. حكاية سلمى ما هي إلا نموذج لانتقال ملكية المرأة إلى رجل قريب آخر حتى بالوكالة كما هو الحال مع بيع وشراء العقار.

في مثال آخر يجتمع فيه ظلم العرف مع قصور القانون هو تمتع الأب حصراً بحق الوصاية على أطفاله، وبعد الطلاق يظل الأب الوصي القانوني ، وفي حال وفاة الأب تنتقل الولاية إلى الجد بحسب المادة ( 42 ) من القانون رقم ( 45 ) للعام 2002 بشأن حقوق الطفل ، ولا تملك الأم أي حق في تقرير مصير أطفالها التي أنجبتهم، وهنا تبدأ شكل آخر من أشكال معاناة النساء.

وهذه المادة تناقض مادة أخرى في القانون اليمني؛ فهي، كما بينا في مقالة سابقة، لم تأخذ  في الاعتبار نص  “قانون لائحة الجوازات الذي من المفترض العمل به،  حيث  يكفل القانون وفق المادة ( 10 ) فقرة ( أ ) للعام 1994 للأم أو الأب إضافة ابنائهما إلى جوازات سفرهما بموجب شهادة الميلاد والبطاقة العائلية أو أي وثيقة رسمية تدل على ثبوت النسب ، وإذا كان الأبوين منفصلين وتنازعا حول أحقية كل منهما بإضافة الابناء إلى جوازه يٌلزم إحضار قرار من المحكمة المختصة، وبما لا يتعارض مع القوانين واللوائح النافذة، وذلك وفق الفقرة ( ب ) من لائحة الجوازات في المادة ( 10 )”.

وهنا، يأتي التساؤل من واقع المعاناة؛ كيف للأم أن تستخرج جواز سفر لأطفالها وهي ليست ولية أمرهم بنص القانون المشار إليه آنفا؟

عاشت السيدة أم جمال تجربة مريرة تعيشها الكثيرات من الأمهات، فبعد وفاة زوجها في الحرب الدائرة باليمن قررت الانتقال للعيش في إحدى الدول العربية باحثةً عن حياة كريمة بعيدة عن ويلات الحرب، إلا أنها واجهت معضلة وقوف والد زوجها ضد قرارها مما شكل عائقاً أمام إمكانية استخراجها جوازات سفر لأبنائها كون جدهم هو قانونياً ولي أمرهم.

تقول أم جمال : ” انا أنفق على أولادي بعد وفاة والدهم ، واتحمل كل الأعباء من أجلهم، وكانوا يذهبون لزيارة جدهم في العطل الصيفية وعطلة نهاية الأسبوع، وعندما قررت السفر مع أبنائي، جن جنون جدهم، مما جعلني أواجه مشاكل لا حصر لها في سبيل استخراج جوازات سفرهم ولم أتمكن من ذلك إلا بعد معاناة طويلة فقط لأني الأم، والأم في القانون اليمني لا تملك حق الولاية على أطفالها”.

اتهامات مستندة إلى أقوال فقهية

تواجه النساء الناشطات الكثير من الاتهامات والتنمر والانتقادات جراء مطالبتهن بتنفيذ القوانين التي يصب مضمونها  في صالح المرأة بحجة مخالفتهن للدين وأنه لا يحق للمرأة السفر إلا بمحرم.  هذا مع أن الفقهاء مختلفون حول تفاصيل هذه القضية؛ ففي حين يحرم تيار منهم سفر المرأة دون محرم، فإن هنالك تيارا من الفقهاء يرون جواز سفر المرأة دون محرم إذا كان الطريق آمنا.

في هذا الصدد تقول الأكاديمية والناشطة السياسية أروى الشميري ” أتحدث دائمًا في جميع الورش والندوات عن ضرورة تطبيق القانون من أجل منح المرأة حقها في الحصول على جواز سفر ، لكن للأسف واجهت وغيري من الناشطات الكثير من المضايقات ” .

العمل الفني لنور جهاد

حملة جوازي بلا وصاية

و اطلقت مجموعة من النساء الناشطات والحقوقيات مطلع شهر أكتوبر من العام 2021 حملة بعنوان ” جوازي بلا وصاية “. وهي حملة نسوية تعمل على إلغاء التمييز ضد المرأة في مصلحة الجوازات اليمنية ، التي تمنع المرأة استخراج جواز سفر إلا بموافقة ولي أمرها.

وقد لاقت الحملة جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي بين معارض وناقد للحملة و مؤيد وداعم لها. وواجهت الكثير من النساء في هذه الحملة حملات تشهير وإساءة عبر منصات التواصل الاجتماعي لمجرد مطالبتهن بتطبيق القانون .

وفي منتصف شهر مارس 2022 تحققت أولى أهداف حملة ” جوازي بلا وصاية ”  بالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة  والمتمثل بصدور توجيه رئيس مجلس وزراء الحكومة الشرعية معين عبد الملك إلى وزير الداخلية ووزير الشؤون القانونية وحقوق الانسان بمراجعة الإجراءات والاشتراطات المعيقة لحصول المرأة على جواز سفر وتطبيق القانون و إزالة كافة الإجراءات المعيقة للمرأة في استخراج وثيقة سفر. تم ذلك بعد لقاء عضوات الحملة برئيس مجلس الوزراء.

إن قرار رئيس مجلس الوزراء وسرعة استجابته لتطبيق قانون الهجرة والجوازات ما هو إلا نتاج لنضالات النساء وتضافر جهودهن في المناصرة لعقود كانت آخرها هذه الحملة.

ما بعد الحملة وقرار رئيس الوزراء

في بلد مزقته الحرب وانقسمت الحكومة الواحدة إلى حكومتين، وأي قرار تصدره الحكومة فهو ينفذ في نطاق سيطرتها، فتوجيهات رئيس مجلس الوزراء معين عبدالملك لم يتم البدء بتفعيلها إلا في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا، بينما ما زال العرف فوق القانون في مصلحة الهجرة والجوازات في مناطق سيطرة جماعة أنصار الله ( الحوثيين ).

نحن نحيا في واقع لا زالت فيه أبسط حقوق المرأة مرتبطة بقرارات وسياسات الرجال، و تطبيق القوانين هو كذلك بيد الرجال بل ووفق أهوائهم إن لم يكن هناك إلزام ورقابة من قبل مؤسسات الدولة وسلطاتها القضائية والتشريعية والتنفيذية.

دون حماية الدولة للنساء فستظل النصوص القانونية حبيسة الجريدة الرسمية دون تغيير ملموس على الأرض وبذلك تستمر معاناة النساء في الاستفادة من حقوقهن القانونية دون استجداء موافقة الرجال ومراضاة النظام الاجتماعي الذكوري.

ما تأمله النساء والناشطات القائمات على حملة ” جوازي بلا وصاية ” هو تنفيذ وتطبيق القرار على المدى البعيد، بعيدًا عن التقاليد والأعراف البالية التي ترى أن النساء غير مؤهلات للحصول على حقوقهن التي أصبحت أمرا مفروغا منه في كثير من أنجاء العالم.

ولعل هذه الحملة مع ما رافقها من جدل مجتمعي أن تكون بداية لتغيير النظرة النمطية للمرأة وتستبدل بنظرة أخرى تكون فيها المرأة إنسانا كامل الأهلية لها شخصيتها المستقلة، وتتمتع بكافة الحقوق المدنية التي تكفل لها الكرامة بموجب كونها مواطنة في بلد مرجعيته القانون ويعيش في القرن الواحد والعشرين.

فهل ستنتصر روح العصر وروح القانون على الأعراف والتقاليد المجتمعية؟!

 

اظهر المزيد

رانيا عبدالله

صحافية؛ معدة وكاتبة محتوى، وعضوة في شبكة صحفيون من أجل السكان والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى