fbpx
النساء والنوع الاجتماعي
مقال شائع

أثر الغُربة في الأغنية الشعبية لدى المرأة اليمنية

كان الاغتراب للإنسان اليمني عبر التاريخ هو الملاذ الوحيد لطلب الرزق وتوفير لقمة العيش، ليس من الفترة القريبة فحسب بل منذ حلّت باليمن اللعنة الإلهية عند تهدم سد مأرب وتفرقت أيدي سبأ في أصقاع الأرض، وتوالت على اليمن النكبات من الغزاة  والتشرذم الاجتماعي، ومن بعدها حُكم الأئمة وهلم جرَّا .

 ويرى الأستاذ الشاعر الراحل عبدالله البردوني أن الاغتراب ضرورة ، إما لطلب العيش ، أو ابتغاء النجاة من عدو.[1] ويرى الأستاذ عبدالرحمن سيف إسماعيل أن دوافع الاغتراب متنوعة ومتعددة ، منها معيشية ومنها نفسية ، ومنها للبحث الأمن والأمان بعيدا عن الظلم والقهر والاضطهاد الاجتماعي.[2]

 ولم ندرك معاناة المرأة اليمنية التي تحملت عناء ذلك الاغتراب إلا منذ  النصف الأول من القرن الماضي حينما وصلت إلينا تأوهات المرأة ومكابدتها لصعوبة الحياة من خلال تعبيرها عن تلك المعاناة بأبيات شعرية تعبر بها عما يعتلج في داخلها من ضيم. قد أثَّرت حركة هجرة المواطن اليمني  للبحث عن الرزق في أصقاع العالم على المؤدى الغناني الشعبي للمرأة اليمنية خاصة في الريف ، زوجةً وأختاً وابنة ، فالمرأة اليمنية في الريف تتحمل أعباء تلك الغربة ،إذ يثقل حِمل المسؤولية عليها في تدبير شؤون الحياة من فلاحة الأرض ، وتربية الأولاد ، والعناية بالمواشي ،وجلب الحطب ، وغير ذلك من الاشتغالات اليومية لتصريف الحياة بتفاصيلها .

العمل الفني ل سعد الشهابي

لقد كان الاغتراب سبباً في استدرار المرأة لهذه الأغاني التي تعبر فيها عن ثِقَلِ المسؤولية ، ناهيك عن حرمانها زوجةً من زوجها ، وأثناء سنوات اغترابه عنها وهجره لها ،  وقد فاضت مشاعرها بأغنٍ خاصة وموجهة للرجل المُغترب ، فتعددت أجناس الأغنية الشعبية لديها، و من ذلك أغنية المهاجل العلانية ، وأغنيتها عند طحن الحبوب في (المطحن) وأغنيتها عند جلب الماء ، بالإضافة إلى الأغنية العاطفية التي تعبر بها عن اشتياقها لزوجها. وقد تعددت أغراض هذه الأغاني ، فمنها : الدعاء للحبيب ، والرسائل إليه ، الغرام والشوق إلى المحبوب ، وطلبه للعودة إليها مستغنية به عن كل مغريات الحياة .

أولاً الدعاء؛ تقول :

ـ وَدَاعتكْ واحافِظُ الودائع   *   تحفظ حبيب قلبي من المصائب

ـ مودع الله من سرح طريقه  *   الله معه و”أبو علي” رفيقه

ـ مودع الله من سافر أذى اليوم  *  يا ذا السحاب ظلي عليه من الحوم

ـ مسافرين الله يتم سفركم      *   والعافية تردكم بلدكم [3]

ـ أسعد مساك ياللي مساك فلَّه * ياللي مساك يسوى اليمن بكله

ـ أسعد مساك والله ما قد نسيناك * يا روحي الغالي كَرْهَن لقيناك

ـ أسعد مساك ليله من بعد ليله  * يا للي جبينك سُكره وهيله[4]

ـ وداعة الله من سرح بذي اليوم * ياذي السحابة ظللوه علوه من الحوم[5]

ومن أغاني المرأة في مهاجل العلان قولها :

ـ يفتح الله عليك يامن تركت البوادي *  قد تركت المليح في كل مهجل ووادي

ـ يا طيور الحلى نسأل من الله يوديه  * لا كتاب لا جواب ولا جزمنا نوصيه

يا حبيب القلوب  نسأل من الله يوديك * لا كتبنا بخط ولا جزمنا نوصيك

ـ أنعم الله مساك يا ذي على الحس ما انساك  * جدد الله كساك أما من الشر نجاك

ثانيا الرسائل؛ تقول :

ـ كتبت لك مكتوب بالتواريخ       ** أشتي جواب والا ارسل الصواريخ

ـ كتبت لك مكتوب بعد مكتوب    ** أين الجوابات يا قليل الاسلوب

ـ كتبت لك مكتوب قدوه من الضيق ** الخط من دمعي  واغريت بالريق

ـ كتبت لك مكتوب مغري بكاذي    ** نقشت بالعنوان خاتم عذابي[6]

ـ كتبت لك بريشة الجراده         ** مع العدم ما زد لقيت بياضه

ـ  مكنت لك مكتوب لا أنت فاهم ** أشتي وصالك ما اشتي الدراهم

ـ شلو سلامي للرياض عاني      ** لا عند أبو عبده وأبو تهاني

ـ شلو سلامي قسموه هديِّة      ** لا عند أبو سينا وابو هنيِّه[7]

ـ طائر مخف على تعز مخلف ** قل للحبيب هذا شجن مكلِّف[8]

ومن مهاجل المرأة في العلان قولها :

ـ يا بريد اليمن سنِّب لذا الخط شله  ** بلغ الغائبين كل يروح لخله

ـ يا بريد الحجاز بلغ سلامي بقرطاس ** بلغ الغائبات بالليل لا يدروا الناس

ـ يا حمام اسفحين لا فوق جبله وردين ** بلغين لي سلام ودورين ساجي العين

العمل الفني ل سعد الشهابي

ثالثاً الغرام والشوق إلى المحبوب؛ تقول :

ـ عَمَرْتُ لك مسجد وصرح في الباب * لانت المصلي صل بين الأكعاب

ـ قل لي وجب واسير معك ديارك     * واسير معك لجنتك ونارك

ـ شاعاهدك بالخمس والرحاحه     *  العهد باقي والمحبه طاحه  [9]

 ـ ما اشتي بزاكم ولا اشتي التبنان * أشتي حبيب قلبي شبعت طنان

ـ أشتي حبيبي في جبل مقفي        * لو هو على اللقمة كدمه تكفي[10]

ـ شاقلكم بالصدق والصراحة      *   ما بش مع العاشق سلا وراحه

ـ شا سايرك لوما تزل باجل      * وأبكي عليك  لوما املي المواجل

ـ خلي حلف وأنا حلفت بعده    *   ما نفترق لو غاب طول دهره[11]

وا دردوه تسجد لك القنابل      *   البرد أجا مو ينفعوا الكنابل

صدرك بياض والكاتبات بناني * ريقك عسل يا سعد من سقاني[12]

ومن مهاجل المرأة في العلان قولها :

ـ خل خليتني مثل الجمل في شدوده   * لا هني مرقده ولا لقي من يقوده

ـ والنبي والقسم ما احد من الحب يسلم  * لو قرأ لو كتب لو كان سبعين (مُعمم)

ـ والنبي يا العلف لو يربطوني بمخلف * بين شوك السنف ما فارق الغصن الاهيف

ـ يا كحيل العيون روحي بروحك معلق * امتثل للحبيب وأخفض جناحي وارفِّق

رابعاً  الشوق لعودة الحبيب؛ تقول :

ـ ما شاش زنان نيلون ولا مقارم      *    ولا سلوس فضه ولا خواتم

ـ هجرتني ما هجروا البنادق           *   سيبتني واني صغير نافق  [13]

ـ ساجي العيون لا أبراك مني الدهر    * وجيتك فرحه وسيرتك قهر

ـ ساجي العيون وأسعد مساك مع الطير * الله يجمع بيننا على خير[14]

ـ الليل أهيم والنهار بطوله               * ونمت وأنا منتظر وصوله

ـ اسعد مساك وِقْرَ الجمل يكفِّيك         * يا مالي الغالي الله يوديك[15]

ـ أهلاً بمن ملا قليبي أشجان            * بخطوته ضوَّى جميع الاركان

ـ أهلاً وسهلاً بالذي نحبه              * القلب معه والعين مشتغله[16]

ومن مهاجل المرأة في العلان قولها :

ـ يا طيور الحلى نسأل من الله يوديه * لا كتاب لا جواب ولا جزمنا نوصيه

ـ بلغ الغائبين كلٌ يروِّح لخلَّه       * إن يجي (يصل) لا رجب ولا فغيرة يشله

ـ كتبت لك مكتوب بخط فاهم        * أشتي وصولك لعن أبو الدراهم

هذه الأبيات بتصنيفاتها الأربعة تشي بالشوق إلى الحبيب الذي ترك زوجته لسنوات طوال فحُسِبتْ زوجةً مع وقف التنفيذ ، وتعبر عن الحب والاشتياق لزوجها مؤكدة أن الحب سمة إنسانية لا يستطيع أي إنسان الاستغناء عنه وفي جسده عرق ينبض ، هذه الأبيات التي سقناها لقارئنا الكريم هي أبيات من الذاكرة الشعبية للمرأة اليمنية وقفنا عليها في كثير من الكتب ومن شفاه النسوة في الريف ، تلك المرأة التي لم تحضَ بنصيب من التعلُّم ، لكن الشعور لا يخص من قرأ وكتب ونال حضاً من التعلُّم بل كل البشر على هذه البسيطة ، وقد عبرت  عن ذلك أجمل تعبير بقولها :

ـ والنبي والقسم ما احد من الحب يسلم  * لو قرأ لو كتب لو كان سبعين (مُعمم)

وهذا يعني أن الحب لا يستثني أحداً مهما بلغ من الرتب العلمية والقضائية ، والمعرفية ،ولعل هذا التعبير التلقائي من امرأة في قرية نائية، وبالتأكيد تكون أمية،  أبلغ وأصدق من قول كبار الشعراء؛ لأنها شخصت حالة إنسانية فطرية فطر الله الناس عليها، بل وتقول أيضاً :

ـ يا قضاة البلد منَّه بظلمي تقلد     * لا صلَح له ولد ولا شفع له محمد

العمل الفني ل سعد الشهابي

وكلمة منَّه في بعض لهجات اليمن تعني (من هو) أو من الذي بظلمي وتقلد يعني تسبب، هذه المناجاة للحبيب والشوق إليه تبثه المرأة اليمنية حتى اليوم في مغاردها وأغانيها في مناسبات جلها زراعية وفلاحية. وهناك أبيات كثيرة ومتعددة تشير إلى هذا الحنين الوجداني والشوق إلى الأحبة  .

 يصل بها الحد في الشوق إلى الحبيب أنها تخرج من العتاب إلى الإنذار والقول الصريح بأن زوجها إذا لم يأتِ إلى شهر رجب  ــ وهذا الشهر كان أكثر الشهور يشهد عودة المغتربين اليمنيين من السعودية لاعتبارات كثيرة منها اخضرار الأرض، وقرب قدوم شهر رمضان ، وقرب حصاد المحاصيل الزراعية وغيرها ــ فإنها ستفسخ عقد زواجها منه وتبحث عن زوج آخر يكون إلى جانبها .

ومن أغاني الفراق والشوق للحبيب الغائب أغاني الأعمال الأخرى غير العلف(الشرف) وهي تؤدى عند طحن الحبوب أو على منابع المياه أو عند إطعام البقر أُكلها وغيرها من الأعمال اليومية التي تتولى القيام بها عند غياب الزوج ، لكن تلك الأعمال لا تشتكي منها بل تشتكي من غياب وفراق الزوج عاطفياً ، وتضرب صفحاً عن تلك الفلوس التي يأتي بها تقول في الأبيات السالفة:

مكنت لك مكتوب لا انت فاهم ** أشتي وصالك ما اشتي الدراهم

وهذا يعني ـ من وجهة نظرها ـ أن الفلوس التي يذهب من أجلها لا تجلب السعادة للزوجين ، وأن قربهما من بعضهما هو أهم من تلك الدراهم التي يأتي بها عند عودته إليها من المهجر .

ولم تقف عند هذا الحد؛ بل لقد رفضت كل المغريات المادية والمعنوية في سبيل وصوله وحضوره من غربته والجلوس إلى جوارها حتى وإن كانت بشكل مؤقت  تقول:

أشتي حبيبي في جبل مقفي        * لو هو على اللقمة كدمه تكفي

مشتيش مكتوبك ولا الصدارة * أشتوه يروِّح للبلاد زياره

قلبي جريح والفؤاد يحرق     * من الذي قال للحبيب يسرح

نقف بهذه الدراسة عند هذا الحد كي لا نَشقُ على قارئنا الكريم رُغْم ما في هذا الموضوع من ثراء عاطفي واجتماعي تكشف عنه أشعار المرأة الريفية في اليمن. ومن أراد المزيد فعليه ببعض المصادر المدرجة في هذه المقالة ففيها منجم من النصوص التي تكشف عن بوح قوي وفي بعض الحالات جريء للنساء الريفيات اللاتي حرمتهن الحياة من حق إنساني فطري وهو العيش مع من يفترض أن يكون رفيق الحياة في سرائها وضرائها.


[1] ـ أنظر : عبدالله البردوني ، فنون الأدب الشعبي في اليمن ، دار البارودي ، 1998م ، ص280

[2] ـ  أنظر :عبدالرحمن سيف اسماعيل ، الأغنية الشعبية أبعادها الثقافية والاجمالية ، الهيئة العامة للكتاب ، 2012م ص153

[3] ـ ـ عارف الحيقي ، ديوان الأغاني الريفية اليمنية ، د.ن. ، 2004م ص126 ،127

[4] ـ فاطمة القمادي ، نجود شندق ، أصداء من الذاكرة الشعبية أغاني صنعانية تراثية ، مركز عبادي 2013م

[5] ـ عبدالرحمن سيف اسماعيل ، الأغنية الشعبية أبعادها الثقافية والجمالية ، الهيئة العامة للكتاب ، 2012م ص157

[6] ـ القاضي علي أبو الرجال ، محمد قاسم المتوكل ، شذرات غنائية من الذاكرة الشفوية اليمنية ، المركز الوطني للوثائق ، 2009م ص103

[7] ـ أصدى من الذاكرة الشعبية ص145

[8] ـ الأغنية الشعبية ص159

[9] ـ ديوان الأغاني الريفية اليمنية ص104

[10] ـ أصدى من الذاكرة الشعبية ص136

[11] ـ شذرات غنائية من الذاكرة الشفوية اليمنية ص46 ، 67

[12] ـ الأغنية الشعبية ص70

[13] ـ الأغنية الشعبية ص158 ،157 ،156

[14] ـ شذرات غنائية من الذاكرة الشفوية اليمنية ، ص61

[15] ـ أصدى من الذاكرة الشعبية ص113 ، 114

[16] ـ الأغنية الشعبية ص202

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى