ثقافة
مقال شائع

أزمة التنوير اليمني

ملامح البدايات: من الثلاثينيّات إلى الجمهوريّة

في التاريخ اليمني الحديث تظهر بدايات ما يعرف شعبيًا وبحثيًا ب “فترة التنوير” في ثلاثينيّات القرن الماضي مرتبطًا بأسماء كثيرة على رأسها أحمد محمد نعمان (1909-1996) ومحمد علي لقمان (1898-1966) الزبيري (1910-1965) وأحمد المطاع (1907-1948) ومطيع دماج (1909-1971) وغيرهم، ولن تخرج المقالة عن هذا التحديد وستنتقي محطات معيّنة وغير شاملة لمسار التنوير لأنها تريد استخلاص علاماته فحسب ولا تبحث أصول التنوير في القرون الفائتة ولا التأريخ لتفاصيله وقضاياه في الثلاثينيات، مع استحضار ملاحظة أن التنوير اليمني في الثلاثينيّات، بما هو عمليّة تاريخيّة، ناتج بالتأكيد عن تراكمات فكرية سابقة عليه تحتاج إلى بحث يتقصّد كشفها وتحديدها.

قبل مواصلة النقاش نحدد أساس التنوير بالتعريف الكَنتي البسيط. في مقالته الشهيرة في الإجابة على سؤال ما التنوير؟ عام 1784 يقول إيمانويل كَنت (1724-1804) إن “التنوير هو خروج الإنسان من حالة التبعيّة المُسببة ذاتيًا” والتبعية المسببة ذاتيًا هي “عجز الإنسان عن استخدام عقله بدون إشراف من الآخرين” وعليه فإن شعار التنوير هو “استجمع شجاعتك واستعمل عقلك”. هذا التعريف المتفائل، أي تحرير العقل من الخوف والإملاء الخارجي، هو الأساس الفكري والمقصد الأخلاقي لكل مشاريع التنوير، مع الإشارة إلى أن هذا التعريف النظري للمفهوم لم تتسق التوقعات الكامنة فيه مع تجلياته ونتائجه التاريخية، وقد اتضح هذا في نهايات القرنين التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين وكُتِبَ عنه الكثير وعلى رأسه “جدل التنوير” لأدورنو وهوركهايمر، ولكن هذا ليس موضوعنا.

العمل الفني بواسطة شذى التوي

بالعودة إلى موضوعنا، الحركة التنويريّة اليمنيّة آنذاك لم تتمرّد على سياقها التاريخي، وما يقع عليه المرء عند بحث أعمالها ودعواتها هو التطلع إلى تحديث المجتمع، كما فهمه ذلك الجيل، وتحريره من التخلّف، ولهذا تحديدًا يسمى جيل “التنوير”، وهو جيل قادم من خلفيّات مُحافظة اجتماعيًا وفكريًا وظل في الأساس مخلصًا لها حتى النهاية؛ التيار الأقوى في جيل التنوير لم يكن راديكاليًّا في اتجاهه السياسي أو مطالبه الاجتماعيّة وفِكرِه الديني، ولكن الواقع الاجتماعي المتدهور وطبيعة السلطة المتخلّفة جعل مطالبه تبدو ثوريّة.

ارتبطت النشاطات الأولى لجيل التنوير بالتعليم والتحريض على القراءة، وهذا ملمحٌ ملازم لكل حركة تنوير تعي ذاتها حركةً نخبويّة ذات واجب اجتماعي؛ فإذا كان التنوير هو تحرير العقل من التخلف، يصبح نشر التعليم والثقافة الوسيلةَ الفضلى المُستَنتَجة. نجد هذا عند رموز تنويريّة أخرى مثل بطرس البستاني (1819-1883) في لبنان، وخليل السكاكيني (1878-1953) في فلسطين، وكوندورسيه (1743-1794) في فرنسا، وغيرهم.

 أسس الأستاذ النعمان في مطلع الثلاثينيات مكتبة للمطالعة وحاول نشر تعليم بعض المواد الحديثة للناشئة في منطقة الحجريّة، وتولى على فترات متقطعة إدارة شؤون المعارف (التربية والتعليم) في المملكة المتوكليّة، وإن لم يكن ثمة نظام تعليمي حديث أساسًا! والشيخ الصوفي والمتنوّر عبد الله الحكيمي أسس المدرسة الإسلاميّة في بريطانيا، ومحمد علي لقمان نادي الأدب العربي عام 1925 في عدن. ثم حصل التطور المتوقع والصحيح -ولكن الخطر كما سنوضح لاحقًا-وهو إدراك أن الإصلاح الاجتماعي يحتاج السلطة السياسيّة. في هذه المرحلة انخرط دعاة الإصلاح في العمل السياسي وأصدروا الصحف، مثل “صوت اليمن” و “فتاة الجزيرة”، “الفضول” و”الحكمة”، ويظهر في الأخيرة ضغط مسألة التخلف السياسي والاجتماعي؛ فمنذ صدور المجلة عام 1938 وحتى إغلاقها عام 1941 نشر عبد الوهاب الوريث وأحمد المطاع 18 مقالًا بعنوانٍ ثابت “الإصلاح”. كما حاول أغلب رموز التنوير التقرب من السلطة ودفعها لإصلاح ذاتها في الشمال، وتحصيل الحقوق السياسية من الإنكليز في عدن. وبعد فشل تلك الجهود في الشمال حاول تغيير السلطة من داخلها ولكن بالقوّة، وفشلت هذه المحاولة أيضًا، والتي تعرف ب “ثورة الدستور” في فبراير 1948.

بالتوازي مع هذا المسار، تميّز ذلك الجيل بتنظيم جهوده داخل مؤسسات قُطريّة وجهويّة، مثل حزب الأحرار اليمنيين، الاتحاد اليمني، نادي الاتحاد الأغبري، هيئة الاتحاد والترقي العريقي، نادي الشباب اللحجي. ورغم انخراط حركة التنوير في النشاط السياسي المعارض وتشرد قادتها بين السجون والمنافي طوال ثلث قرن، لم تَحِد الحركة في كل مراحلها عن مهمّة نشر التعليم، وتطورت مشاريعها بهذا الخصوص مع نهاية الأربعينيّات حيث بدأت بعض الهيئات المذكورة آنفًا بإيفاد البعثات لتعليم التلاميذ في مدارس وجامعات مصر ولبنان، وهؤلاء المبتعثون هم مِن مَن أداروا البيروقراطيّة في شمال اليمن بعد ذلك. وكانت آخر مشاريع حركة التنوير عشيّة ثورة سبتمبر 1962 إنشاء كليّة بلقيس في عدن.

الطريق إلى الأزمة (1962-1994)

دخل التنوير في اليمن مرحلته الجديدة وبدايات أزمته مع تشكّل الجمهوريّة في الشمال والجنوب. وإن كانت الثورة لإقامة الجمهوريّة امتدادًا موضوعيًا لنضال جيل التنوير، إلا أن الأخير لم يكن مُفجّرها أو حتى متفائلًا بها، لأنها كانت بثوريّتها تناقض نهجه الإصلاحي؛ فالجيل الذي قاد الثورة كان ذا تكوين فكري واجتماعي مختلف، وحتى انقلاب 5 نوفمبر 1967 الذي شارك فيه رموز جيل الإصلاح لم يكن إلا محاولة يائسة لمقاومة الزمن، وكان انقلاب ١٣ يونيو (الحركة التصحيحيّة) عام 1974 في الشمال، وسيطرة الجبهة القوميّة عام 1967 على السلطة في الجنوب، المسماران الأخيران في نعش جيل الإصلاح.

الجمهوريّة كانت تحمل في تكوينها مهمات تنويريّة مثل نشر التعليم الإلزامي، وقد اضطلعت النُّخب البيروقراطيّة بإنجاز هذه المهمات، وكان هذا مفصلًا في التاريخ اليمني: ورث التكنوقراطي هموم التنوير من المثقّف والوجيه الاجتماعي.

في مقالته لماذا فشل مشروع التنوير؟ يرى المؤرخ المصري شريف يونس أن حلم التنوير المصري كان بناء الدولة الوطنية التي ستنجز “التنوير”، ولهذا كانت الدولة الناصريّة بالنسبة للتنوير نجاحه الكبير و”نهايته” في آنٍ معًا.

 هذا التحليل يصح في مجمله على الحالة اليمنيّة مع تفصيلٍ لازم. الدولة يجب توريطها في عمليّة التنوير لأنها الطرف الأقدر على تكوين بنيته التحتية: فرض التعليم، التنمية الاقتصادية، تمدين الأرياف، توفير الخدمات، الجامعات ومراكز الأبحاث، محو الأميّة، دعم الإنتاج الثقافي وغيرها. المشكلة الأساسيّة هي أن النخب اليمنيّة المثقّفة سلّمت مع الوقت بأن التنوير دور الدولة، وأن لا شراكة لها مع الدولة في مهمة تحرير العقل وأن لا دور لها بمعزلٍ عن البيروقراطيّة، وهذا أصلًا يصدر عن خلطٍ بين التنوير والتحديث بسبب تقاطعهما التاريخي؛ فالأخير عمليّة لها مراحل يمكن قياسها وتفرز نتائج محددة وهي فعلًا مهمة الدولة أولًا، أما الأول فهو مهمة لا تنتهي واحتكار جهاز الدولة لها يقود إلى كوارث. وهذا الخلط مفهوميّ ولغوي أيضًا؛ فقد دَرَج المثقفون اليمنيون في السنوات الماضية على وصف أنفسهم بالحداثيين، في حين أن مضمون وصف “الحداثي” حين يشرحونه تعني التنويري، وكذلك يسميهم خصومهم من الإسلاميين على سبيل التهكم بالحداثيين! وربما لا ينتج هذا عن خلط مفهومي فحسب بل وعن رواسب تاريخيّة أيضًا؛ فكما أشرنا سابقًا كان أغلب رموز جيل التنوير قبل 1962 من المحافظين المتديّنين.

ويرى البعض أن أزمة التنوير تكمن في غياب التمييز بين المثقف والسياسي، وهذا في رأيي غير صحيح من الزاويتين التاريخيّة والنظريّة؛ فالمثقّف بحكم تعريفه متورّط في المجال العام وبالتالي في الشأن السياسي، بل ويمكنه خوض غمار السياسة باعتبارها كفاحًا من أجل المجتمع وليس باعتبارها مهنة، وهذا ما يميزه عن الأكاديمي والخبير والأديب و..إلخ، والنخب اليمنية على هشاشة تكوينها ليست من البدائيّة بحيث لا تمايز فيها بين الثقافي والسياسي، وإنما تعريف ومهام المثقف تفرض عليه التورط في المجال السياسي. علاوة على أن أي مشروع تنويري في الدولة الحديثة، كما يمكن الاستنتاج نظريًا وكما ثبت تاريخيًا، يجب أن يمتلك أفقًا سياسيًا محرضًا على النضال الاجتماعي، بدون هذا يُختَزَل التنوير إلى مجموع نقاشات في دوائر نخبويّة، ولكن لا يمكن أن يتحول إلى مشروع. إذن، المشكلة هنا عدم تمييز دور المثقف من دور التكنوقراط في مسألة محاربة التفكير الخرافي ونشر العلم وتحرير العقل، والنظر إلى التنوير على أنه “وظيفة” ستؤديها الدولة، وعلى المثقف التفرغ لنقاش الشأن العام أو الإنتاج الثقافي، وفي أحسن الأحوال الدخول في جهاز الدولة ومشاريعها التحديثيّة.

 اعتبار التنوير مرحلة وليس أفقًا ومعادلته بالتحديث هو بداية العطب في التنوير اليمني؛ فقد انصبت بعد ذلك جهود -ويجب أن نقول تضحيات-المثقفين والمسيسين اليمنيين حول الجمهوريّة (في السلطة والمعارضة) باعتبارها الأداة الوحيدة لتنوير المجتمع وليس ممارسة تنوير المجتمع بنشر التعليم والتثقيف والانطلاق في الأرياف ونحو مهمشي المدن.

في الفترة بين 1962 و 1990 أنجزت البيروقراطيّة اليمنية في الشطرين خطوات تحديثيّة مثل نشر التعليم المدرسي، محاربة الأميّة، إنشاء جامعتي صنعاء وعدن، ابتعاث الطلاب إلى الخارج، الخطط التنموية الخمسيّة، إصدار المجلات الثقافيّة (الإكليل، الثقافة الجديدة، …. ) إنشاء مراكز الدراسات (مركز الدراسات والبحوث اليمني التابع لجامعة صنعاء، ومركز البحوث والتطوير التربوي في عدن)، إنشاء قنوات تلفزيونية رسمية وإذاعات..إلخ، وبسبب هذا النشاط لم يكن واضحًا فداحة احتكار الدولة القمعيّة لمشاريع تنوير المجتمع وعدم تمييزها من التحديث. ولكن في حرب 13 يناير 1986 وبعد انتصار نظام صالح في حرب 94 اتضحت الكارثة: أظهر النظام وجهه المتخلّف، بل واستطاع بسهولة تكريسه وهدم ما بُنيَ في المرحلة السابقة عبر تهميش التكنوقراط الذين شُغلوا بسؤال التحديث في المرحلة الجمهوريّة وتصعيد نخبة جديدة من داخله مستعدة للتأقلم مع مرحلة التخلف والتكديح التي دشنها النظام، مع تمتين التحالفات مع قوى معادية لمُسلمات الإصلاح الاجتماعي وانتهاج سياسات اقتصاديّة تكديحيّة. في حين كانت الأحزاب السياسية التي زعمت تمثيلها للتحديث قد سُحقت، والنخب المثقفة كانت قد سَلّمت منذ عقود مهمتي تحرير العقل والتأسيس الأخلاقي للحرية إلى الدولة.

هذا الفراغ المُريع هو أزمة التنوير اليمني.

نخبة الأزمة/أزمة النخبة (1994-2011)

بعد سؤال ما الأزمة وما جذورها الفكريّة والتاريخيّة يأتي سؤال مكرسات الأزمة في أفكار وسلوك مجتمع المثقّفين منذ بداية استقرار النظام ونخبه الجديدة بعد حرب 94. نعتقد أن النخب المُحبطة في هذه المرحلة تعاورتها ست مشكلات رئيسة:

١- العزوف عن تشكيل مؤسسات؛ حيث لا تنتظم جماعات المثقفين داخل مؤسسات مدنيّة مستقلة أو مدارس فكريّة-أكاديمية ذات إنتاج منتظم يمكن أن توفر مساحة لحوار عقلاني ينتج سياسات ورؤى تنويريّة. ورغم أن ثورة فبراير 2011 وطفرة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي شجّعتا المثقفين على القيام بممارسات تشاركية مثل توقيع العرائض، لم يتبع هذه الممارسات استنتاجات بخصوص وضع إطارات مؤسسية للعمل في المجال العام. وحتى اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وهو مؤسسة نقابيّة ذات ثقل رمزي ديمقراطي وأسسه أهم جيل من المثقفين المُسيّسين في تاريخ اليمن الحديث، لم يطوّر بعد حرب 1994 طموحات واضحة لنشر العقلانيّة والتفكير العلمي والتحديث الأخلاقي، وفي سنوات انتعاشه الإنتاجي، في العشر السنوات الأخيرة قبل ثورة فبراير 2011، كانت همومه ثقافيّة نقابيّة بحتة خاصة حين استطاع النظام السياسي تهشيمه. ثم أجهز انهيار الدولة وانتعاش العصبيات ما تبقى من حيويّة فيه فأصبحت “قلعة التنوير المفترضة” مرتعًا للنزعات المعادية للعقل من كل لون.

٢- مفهوم جديد ل “التنوير”: مؤخرًا، ظهر تطوّر جديد وهو اعتبار التنوير “دعوة”؛ فتجد مثلًا بعض المثقفين يتحدث عن ضرورة إدخال العقل في حياتنا، وجمال التفكير العلمي وأهمية القراءة، وهو حديث يُصحَب أحيانًا بأفكار عنصرية عن الإنسان اليمني تبريرًا لفشل النخبة وجهلها بمجتمعها. التنوير هنا مديح للعقل والعلم وليس ممارسة عقليّة أولًا ونضال اجتماعي والتزام سياسي. حال هؤلاء، كما يقول شريف يونس، مثل المهندس الذي عوضًا عن ممارسة الهندسة وتعليمها يقضي وقته في عقد ندوات في مدح جمال وأصالة الهندسة!

نلحظ هذا حاليًا في التحليل السياسي؛ فالتنوير هنا يصبح قدح التحليلات ووجهات النظر الانتهازية والمناطقية والطائفيّة.. وهذا وظيفة الواعظ وليس المتنوّر؛ فالأخير يفترض به عرض تحليل سياسي عقلاني بأدوات علمية يحفّز القُرّاء على الدخول في نقاش عقلاني، أي على استخدام عقولهم واستعمال أدوات التفكير المطمورة في التحليل.

٣- ضد التورّط في القضايا الاجتماعية وتفضيل النشاط الكتابي الفردي. هذا موقف ناتج عن المشكلة ٢؛ المثقف هنا يعيش في المدينة ويفضّل الكتابة في مجلات ثقافية أو صحف. ولقياس الأثر الواقعي لهذه الكتابات علينا استحضار حقيقتين: الأولى أن قرابة ثلثي سكّان اليمن في الأرياف -وأرجح أن هذه النسبة ازدادت بسبب الحرب-والثاني أن نسخ المجلات الثقافية، مثل مجلة الثقافة الصادرة عن وزارة الثقافة اليمنيّة، تتراوح بين 1500 و2000 نسخة للعدد الواحد، في بلدٍ يقارب تعداده السكاني 29 مليون نسمة.

وعليه، من يريد نشر الثقافة في الشرط اليمني عليه تنظيم إقامة مكتبات صغيرة في الأرياف التي لا تصلها المطبوعات بسبب رداءة البنية التحتية وفساد الدولة، وتنظيم حملات شعبية لمحو الأميّة ولزيارة المدارس ولتكوين الجمعيات تشجيعًا للأطفال والمراهقين على المطالعة، خاصّة إذا ما علمنا أن في اليمن كلها، بحسب إحصاءات وزارة الثقافة عام 2014م، 15 مكتبة فقط مخصصة للأطفال والمراهقين، وموزعة على أربع محافظات فحسب!

من يريد نشر العقلانيّة عليه أن ينظّم حملات سياسية للضغط على النظام ومقارعة الإسلاميين ديمقراطيًا لتغيير بعض المناهج الدراسيّة، والتي لا تمهّد في رأيي للتطرف الديني كما يقول البعض، ولكنها تعوق التفكير العقلاني، عوضًا عن الشكوى من سيطرة الإسلاميين على جهاز التربية والتعليم. أيضًا كيف لمثقف أن يخلع على نفسه لقب التنويري وهو يشاهد عشرات الآلاف من المواطنين يعانون من الإقطاع في الأرياف أو التمييز العنصري والأميّة والتهميش -داخل دولة مهمشة أصلًا-دون أن يشارك بعمل واحد لتعليم هؤلاء أو لتغيير أوضاعهم والنضال معهم لإعادة صياغة الجهاز القانوني والثقافة الاجتماعيّة التي تضطهدهم؟!

٤- مشكلة رأس المال

من دروس جيل التنوير المهمة ضرورة تحالف رأس المال مع حركة التنوير؛ فكل مشاريع جيل الإصلاح كانت مدعومة من تجّار متنوّرين وكان بعضهم جزءً أصيلًا من الحركة الوطنية وليس داعمًا لها فحسب. جازم الحروي (1922-2004) مثلًا هو الذي ظل ينفق على نشاطات حركة الأحرار اليمنيين في عدن، وهو الذي اشترى المطبعة التي أدارها النعمان وأصدر منها صحيفته، وبعض التجار والأعيان في مدينة عدن هم من وفروا المقرات والمساكن للهيئات السياسية التي تشكلت حينها. ونذكر من التجار أصحاب النشاط السياسي المعارض والتنويري الأهلي  أحمد عبده ناشر (1917-1996) ومحمد علي الجبلي، وعبد الغني مطهر وأحمد ناجي العديني (1921-1974) وحتى التاجر المقرب من بيت الإمامة الخادم غالب الوجيه (أعدم عام 1948).

من ضمن تغييرات النظام لسياساته وتحالفاته الاجتماعيّة منتصف التسعينيّات واكتمال ملامحها عام 2001، كان إضعاف البرجوازيّة الوطنيّة التي دعمت حركة التنوير وبناء الجمهورية واستبدال قطاعٍ فيها بطبقة برجوازيّة جديدة مراكمتها لرأس المال معتمدة على هِبات النظام والعلاقات الزبائنية معه. ولهذا فهي لا تعرف الأخلاق المهنيّة والالتزام التنويري الذي تكوّن في البرجوازيّة السابقة.

في العشرين سنة الماضية لم تستطع النخبة المثقفة تكوين تحالفات مع قطاع قوي في البرجوازيّة. ورغم أن الأخيرة، لأسباب أشير إليها آنفًا، ليست مشغولة بالهَمّ الاجتماعي وليست مبادرة في الحياة الثقافية، لا يعني هذا أن التفاوض مع رأس المال لدعم مشاريع تنويريّة مستحيل، ولكن غياب تجمعات للمثقفين مهمومة اجتماعيًا ولها طابع مؤسسي وخطط واضحة لا يسمح بتطوير تحالفات من هذا النوع.

نتيجة لذلك تبقى صلة رأس المال محصورة مع المثقّف الفرد وعلى شكل علاقات رعاية إنسانية وليس حتى ثقافية.

٥- معادلة أزمة التنوير بأزمة الإنتاج الثقافي

مشكلة الإنتاج الثقافي ليست أزمة التنوير بل جزءٌ منها؛ العمل الثقافي يصبح تنويريًا بطريقتين:

أن يكون فرصة لنقاش نخبوي يشكّل التأسيس النظري لمشروع تنويري، وأن يصل إلى أوسع قطاع ممكن من الأفراد بحيث يمكنهم التفاعل معه والاستجابة لتحريضه على تبني قيم وأفكار عقلانية وأخلاقية.

العمل الثقافي (قد) يكون متنوّرًا في ذاته، ولكنه لا يكون تنويريًا إلا إذا اخترق المجتمع.

٦- عدم تكافؤ العلاقات مع المنظّمات الدوليّة

في فترة الإحباط التي تكرّست في منتصف التسعينيّات كانت المراهنة على المنظمات غير الحكومية التي تموّل من جهات دوليّة المَهرَب الأول عند المثقفين والمسيّسين، وترافق هذا مع اختزالهم التنوير إلى جانب واحد وأصيل فيه وهو التنوير السياسي. كان هذا مهربًا من كل المشاكل السابقة وليس حلًا لها؛ مشروع التنوير أولًا محلي بالضرورة، ويُبنَى على فهم ذاتي للإشكالين السياسي والاجتماعي، وهو لا يطابق بالضرورة فهم ولا جدول أعمال المنظمات المانحة. كما أن الأخيرة، ولأسباب كثيرة، كرّست أحد أعتى عوائق التنوير في اليمن وهو المشكلة الجهويّة المنتجة للعصبيّات المتخلّفة وذلك عبر تماهيها مع مركزيّة النظام السياسي وتمييزها الجهوي لمناطق معينة في تواجدها ومجال نشاطها ودعمها المنظمات غير الحكوميّة المحليّة، كما أن الأخيرة غالبًا مؤسسات جهوية/مدينيّة لا تعمل قُطريًا أو حتى في الأرياف.

نتيجة لغياب المشروع الواضح للمنظمات الأهلية وعدم حصولها على تمويل كافٍ من البرجوازية المحليّة، تضطر إلى موائمة أولويّاتها لكي تناسب أولويّات الممولين الدوليين، فتجد مثلًا عددًا كبيرًا للمنظمات المهتمة بالديمقراطية وحقوق الإنسان في حين أن تلك المشغولة بالثقافة والتعليم أضعف بكثير؛ فقد بلغ عدد المنظمات الأهليّة عام 2014م 8,300 منظمة، في حين أن ثمّة 1,155 هيئة ثقافية أهليّة (مراكز، فرق غنائيّة، نقابات، جمعيّات، ..إلخ) في نفس العام ومنها فقط  174 منظمة ومؤسسة غير حكومية مهتمة بالشأن الثقافي، وبعضها لا يمارس نشاطات منتظمة بسبب الحاجة للتمويل، وبعضها مسجل ولكنه لا يمارس أي نشاط لأسباب مختلفة منها الفساد، وهذه بيئة يصعب أن تقوم فيها لجهود نشر العقلانيّة والعلم قائمة.

التنوير السياسي، ومن معالمه نشر الثقافة الديمقراطية والنضال من أجل المواطنة والعدالة الاجتماعيّة والعلمانيّة والحريّات، مسألة حياة أو موت كما أثبتت فظاعات القرن العشرين ومآسي المنطقة العربية اليوم، ولكن شرط التنوير السياسي هو تطوير الثقافة الديمقراطيّة بالممارسة داخل المؤسسات الحزبيّة والمنظمات المدنيّة وحشد قطاعات اجتماعيّة للانخراط في التنوير السياسي والنضال في سبيل تعميم قيمه، وهذا أمر لا تؤديه ندوة في فندق فاخر أو ورشة لبضعة عشرات من أبناء الطبقة الوسطى، على أهمية هذه النشاطات.

التنوير السياسي محصلة صراع وليس مجموع فعاليّات.

 آفاق وكوارث (2011-…)

كان اندلاع ثورة فبراير عام 2011 إيذانًا بمرحلة جديدة فيها إقبال على العمل السياسي والانخراط في نقاشات الشأن العام وإصدار الصحف ونشر الكتب وإقامة النوادي الثقافيّة. ظهرت طلائع شابّة من جيل جديد، وهو الجيل نفسه الذي فجّر الثورة، مهتمة بالثقافة والتعليم واللغات وتعميم المعرفة التاريخيّة الوطنية والثقافة الديمقراطيّة، ومقارنة الإحصائيات بين عدد الهيئات الثقافية الأهليّة عام 2007 ونظيره عام 2014 يؤكد هذه الحقيقة. ظهرت بعد الثورة نوادٍ ثقافيّة تدور فيها نقاشات سياسية وثقافيّة جيدة ومبشرة، ونوقش في مؤتمر الحوار الوطني الديمقراطية والمساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعيّة، كما ظهرت مشاريع تنويريّة وطنيّة مثل مشروع أرشيف اليمن، والذي يهدف إلى تقديم الكتب والدراسات اليمنية -والتي تبحث شؤونًا يمنيّة-إلكترونيًا وتوفيرها مجانًا للقرّاء، وإنشاء مراكز أبحاث مثل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجيّة ومركز أبعاد للدراسات، وغيرها.

العمل الفني بواسطة شذى التوي

المشكلة الرئيسيّة بهذا الخصوص هو أن النخب المثقفة، بسبب أزمتها المشروحة أعلاه، لم تستطع تجسير المسافة بينها وبين تلك المبادرات، وظل المديح إسهامها الرئيس في مواقع التواصل الاجتماعي، رغم أن ثمة إمكانيات جيدة لتوسيع هذه المشاريع وربطها بخبرات النخب وأفكارها، ولنأخذ أرشيف اليمن مثلًا: لماذا لا يبحث المثقفون والباحثون فكرة توفير الدعم المالي والتسهيلات الإدارية لمشروع أرشيف اليمن لرفع مطبوعات مركز الدراسات والبحوث اليمني إلكترونيًا؟ هذا الأمر لو تم سيحفّز نقلة نوعية في صناعة السياسات والدراسات والأبحاث اليمنية التي تعاني عدم توافر المراجع رغم وجودها.

 ولكن، رغم هذه المبادرات المبشّرة، لا يزال نشاط الطلائع الشابّة حتى الآن مستقيلًا من النضال الاجتماعي ومهمة نشر التعليم -المحور التاريخي للتنوير اليمني-رغم الأزمة التعليميّة التي تعيش فيها اليمن منذ عقود والتي استحالت عاهة مستدامة بفعل الحرب، ولا يزال محصورًا بين الفضاء الإلكتروني ونوادي المدينة.

حدثت أيضًا بسبب الثورة قفزة اجتماعيّة لا تقل أهمية عما سبق وهي استخدام الإنترنت؛ بينما كانت نسبة المستخدمين عام 2010 م 1.8 % من السكان، تضاعفت أكثر من سبع مرات في عام 2012 ووصلت إلى 14.9 % ثم بلغت عام 2016 قرابة 25 % واستقرت عند هذه النسبة مع فارق ضئيل في الأعوام التالية. هذه نسبة هائلة تشير إلى عمل أهلي واسع لتوفير الطاقة إذا استحضرنا إحصائيات قطاع الطاقة والكهرباء في اليمن ثم الحرب التي أهلكت البنية التحتية المتهالكة أصلًا. هذا التطوّر فتح آفاقًا وسبب مشاكل؛ فقد فتح الباب أمام المتنورين لنشر قيم حديثة وكتب وأفكار ومشاريع عند أعداد كبيرة من الأفراد، ولكنه في ذات الوقت فتح الباب أمام عتاة الشعبوية والتفكير الخرافي (العلماني والديني) ليغزوا قطاعات اجتماعيّة كاملة بمجهود بسيط وبلا ضوابط تحريريّة.

نتج عن هذا نسخة سُوقيّة من التنوير -متصلة بتيار ثقافي مُحبط في الثقافة العربية انتشر بعد هزيمة 67-واصلت فهم التنوير ك “دعوة” ولكن مع منسوب عنصري أعلى، مع تميُّزها  بتراكم ثقافي شبه معدوم، وبانعدام النشاط الاجتماعي واستخدام الشتائم واحتقار النساء والتفسير الثقافوي للتاريخ ومعاداة المجتمع وكراهيته، بمعنى أن أصحابه لا يفعلون شيئًا باستثناء نشر العنصريّة باعتبارها نقدًا للذات. ورغم هذا الطابع الغوغائي للظاهرة، رموزها الأشهر ليست من مَن يُسمون “البسطاء” بل مهنيون وأكاديميون يمنيون مقيمون في الخارج ومثقفون وشباب من الطبقة الوسطى وسياسيون في هيئات حكوميّة عليا.

 هذه السطحيّة المضفورة ببؤس الواقع وانفلات وسائل التواصل الاجتماعي سهّلت تحول رموز هذه الظاهرة إلى نجوم، وهذه ظاهرة عالميّة سببها كامنٌ في بنية وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية.

وسائل التواصل الاجتماعي تخلق النجوم، وقد انزلق قطاع من النخبة المثقفة فيها إلى عالم النجوميّة وفقد السيطرة على نفسه؛ حيث أصبح منسوب ادعاء التميُّز ونشر الديماغوجيا والحرص على الظهور المستمر حتى بدون أفكار ثم التخلي عن إنتاج الأفكار لصالح الظهور المستمر والمعاداة العمليّة للتفكير النقدي رغم التشدق بأهميته طول الوقت_ الضامن الوحيد لبقاء حالة النجوميّة التي تتغذى على “إثارة الجدل” الغوغائي على حساب كل شيء آخر. ونحن هنا نتحدّث عن أكاديميين ومثقفين بعضهم يعمل في مؤسسات جامعيّة غربية مرموقة. إضافةً إلى الأضرار التي تسببها هذه النجوميّة على التفكير النقدي وتشويشه على أخلاقيّة أفكار مثل الديمقراطية والعلمانيّة والحريّات الشخصيّة، ثمّة كذلك أضرار عمليّة. لننظر مثلًا إلى أزمة التعليم العالي في اليمن: بسبب الظروف الراهنة، انهارت المؤسسة الأكاديميّة اليمنيّة، ورغم فداحة هذه المأساة، لا أتذكر أني رأيت نقاشًا جديًا بين الأكاديميين النجوم في وسائل التواصل الاجتماعي المقيمين في الداخل والخارج حول سبل إنقاذ الجامعة اليمنية والمجتمع الطلابي، بل ولا حتى دعوة لهكذا نقاش، بينما يقضون ساعاتٍ كل يوم في التشديد على أهمية التعليم في نهضة الأمم وتخلف الجامعات اليمنية والسخرية ثقيلة الظل والرد على المديح والشتائم.

لستُ ضد الخلاص الفردي وتحقيق الذات، ولكن تصعيد الخلاص الفردي، المحكوم بشروط كثيرة غير ذاتيّة، إلى تصريح يسمح بالتعالي على الآخرين وادعاء التنوّر الزائف يحوّل الشأن العام إلى نادٍ للنجوم.

إن النجوميّة، خاصةً تلك المجّانيّة، معادية للتنوير.

خاتمة: تنوير جديد 

إنجازات ثلاثة أجيال طوال مائة عام في التنوير والتحديث والعمل الثقافي والنضال السياسي يجب أن تُحتَرم وتدرس؛ النظر إلى الماضي على أنه فشل وظلام حكمٌ غير صحيح، كما أنه يتسبب في قطيعة تمنع تراكم الجهود واستيعابها، وتراكم الخبرات والأفكار شرطٌ مهم من شروط التنوير؛ لا أحد سيخترع العجلة في هذا المضمار وكل من سيبدأ من الصفر حكم على نفسه بتفاهة الغرور وعلى مشروعه بمستقبل عنصري في حال نجاحه أساسًا.

ولكن يجب أن يرافق هذا الاستيعاب لجهود الماضي اليأس النهائي من النخبة الحاليّة؛ ما وضعنا الآن إلا تجسيدٌ لفشلها التاريخي، أيًا كانت مقاصدها ومع الاعتراف بمجهوداتها.

هذه المقالة كانت فحصًا نقديًا سريعًا لمأزق التنوير أملًا في تحفيز نقاش بين المتنوّرين في هذا الجيل لمراجعة الماضي وبناء تنوير جديد في هذه المرحلة، وذلك لأن تحديات التنوير لن تجابه إلا حين نعمل على حل أزمته، وهما عمليّتان وليسا مرحلتين؛ بالإمكان التفكير في صياغة مشروع التنوير والعمل عليه اجتماعيا ومجابهة تحدياته في آنٍ واحد، بل ربما هذا التزامن هو الواجب وليس الممكن فحسب.

أثبتت الحرب حقيقةً واحدة: جميع المشاريع التسلطيّة والمعادية للعقل في اليمن فشلت فشلًا ذريعًا على المستويين الاجتماعي والأخلاقي: الطائفيّة والجهويّة والعنصريّة والأصوليّة والسلطويّة، وفي مناخ كهذا يمكن لتنوير جديد أن يتخلّق ويتجذّر اجتماعيًا وسياسيًا إذا استحضر حقيقة أن التنوير لا يعرف اليأس، لا لأنه غير إنساني، ولكن لأنه لا يعرف أمَل الاكتمال أو علامات النجاح النهائي، ولأن التنوير في كل العالم يجابه التحديات؛ في العالم ما بعد الصناعي يقف التنوير أمام تحدٍ مزلزل: الشعبويّة والعنصريّة ومعاداة الديمقراطية ورفض الحريات الجنسيّة وتدمير البيئة وإفقار المجتمع ومعاداة الأخلاق في العلم (أبحاث الذكاء الاصطناعي وتعديل الجينات وتجارب الاستنساخ).

لقد قال إيمانويل كَنت إن عصره ليس عصرًا متنوّرًا، ولكنه عصر التنوير. وهذا يصح على اليمن بالأمس واليوم وغدًا، لأن عصر التنوير لا ينتهي.

الصورة بإذن من الكاتب

 

 أيمن نبيل، كاتب يمني مقيم في ألمانيا يكتب في عدة صحف ومجلات يمنية وعربية.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق