fbpx
فن
مقال شائع

فن الراب في اليمن

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

مضت أكثر من ستة أعوام من الحرب، أصبح اليمن  بسببها بلداً منعزلاً عن العالم في كثير من المجالات. غير أن هذه العزلة  قد استثنت عددا من الفنون التي برزت كأدوات فعالة في إيصال الرسائل التي  تناهض الحرب أو تحرض على استمرارها.  وبصورة خاصة، فقد استغلت أطراف الحرب أشكال الفنون البصرية والسمعية المختلفة لتمرير رسائلها لاسيما الفنون السمعية التي حازت على انتشار ملحوظ في الأوساط الشعبية. وفي هذا السياق حظيت الزوامل الشعبية  باهتمام خاص  فقد رافقت طلقات الرصاص ودوي المدافع من أجل شحذ همم المقاتلين وتجنيد المزيد من المدنيين. استحوذت هذه الزوامل على الكثير من المساحات التي كانت قبل الحرب  تتسع  لأنواع الفنون الشعبية الأخرى و تطرب مستمعيها في المنازل والشوارع والمقاهي والمواصلات العامة. أصبحت الحرب بعد أن طالت مدتها مادة طاغية ومسيطرة على الكلمات والألحان في الأغاني والزوامل والشيلات.

 لكن، على الرغم من ذلك، فإن عشرات الفنانين اليمنيين قد تجاوزوا عقدة الحرب، وظلوا يصدحون بأصواتهم مرددين مختلف الألحان الغنائية التقليدية وغير التقليدية داخل بلادهم وخارجها مستفيدين من الوسائل التي أتاحها لهم التطور التكنولوجي وازدياد عدد مرتادي وسائل التواصل الاجتماعي التي توفر مساحات سهلة الاستخدام وغير مكلفة مادياً. بشكل عام، يمكننا القول إن إنتاج وتذوق فنون الغناء والموسيقى لا يزال جزءا مهماً من حياة اليمنيين باختلاف توجهاتهم السياسية والفكرية. ومع ذلك، فإن هناك أشكالا من الفنون التي أخذت في الانتشار النسبي في مرحلة ما قبل الحرب، ثم تراجعت شعبيتها في زمن الحرب. وأحد أهم هذه الفنون التي لم نعد نلمس وجودها هو فن “الراب” بنسخته اليمنية الذي كان يحوز على اهتمام العديد من المراهقين والشباب في مختلف المناطق اليمنية. فما هي الأسباب التي أدت إلى انحسار فن الراب اليمني؟ وهل كان للحرب دور في تراجع هذا الفن؟ وما حال منتجي وفناني الراب اليمني بعد سنوات من الحرب؟

العمل الفني لشرف الحوثي

نشأة الراب وانتشاره في السياق العالمي

راب  Rap هي كلمة إنجليزية ذات معانٍ واستخدامات عدة. في عامية أمريكا الشمالية على سبيل المثال، يستعمل البعض الكلمة للتدليل على الكلام أو المناقشة بطريقة حرة وسهلة وسلسة  بينما يرى البعض الآخر أن معناها الأدق هو”الإيقاع الشعري”. أما قاموس كامبريدج فهو يعرف الراب بأنه نوع من أنواع الموسيقى الشعبية ذات الإيقاع القوي المصاحب لكلمات تتوالى كأنها في معرض الحديث بالشكل الذي يميزها عن الأغاني ذات التركيبة التقليدية التي يلتزم مؤدوها بمرافقة اللحن ومواكبته. ففن الراب يعتمد الموسيقى الصاخبة التي عرفت باسم الهيب هوب Hip hop، مع مقاطع لكلمات جريئة يتم ترديدها مع الالتزام بالقافية و دون الحاجة لتقييدها بلحن معين.

تاريخياً، عند تقصي الموطن الأصلي لموسيقى الراب، يذهب الباحثون  إلى أن أول من ابتدعه هم القريوت griots في غرب أفريقيا، وهم مؤرخون ورواة قصص وشعراء ممن اعتمدوا على السرد الشفهي للتأريخ لماضيهم ونقل أحداثه للأجيال الحديثة عبر رواية القصص  الملحنة بقافية محددة  تؤدى على قرع أصوات الطبول. واستمر تناقل هذه العادة عبر الأجيال حتى انتقلت من القارة الأفريقية إلى القارة الأمريكية حين تمت عمليات استعباد الأفارقة ونقل الملايين منهم عبر السفن إلى أوروبا وأمريكا الشمالية . وفي حينها بدأ الأفارقة الأمريكيون باستخدام الراب كوسيلة للتعبير عن الجرائم التي ارتكبت في حقهم والآلام التي قاسوها خلال فترة استعبادهم.

موسيقى الراب، في بداياتها، لم تكن معروفة لدى عموم الناس بمختلف أجناسهم، حتى ظهرت في الأحياء الفقيرة التي كان يسكنها الأمريكان السود خصوصا في حي برونكس في نيويورك خلال فترة السبعينات من القرن الماضي. في ذلك الوقت، كانت الأغاني تركز في محتواها على الحفلات وقضاء الأوقات الممتعة، ومع مرور الوقت تغير نمط كلمات الراب لتصبح  أكثر ميلاً  نحو التعبير عن العداء والضغينة تجاه الطرف الذي تغمره الأغنية بالشتائم والإهانات. بهذا ترسخت صورة نمطية لمؤدي الراب ساعد في تعزيزها المظهر الخارجي الذي اعتمدوه من ناحية الملبس وطريقة الأداء. وعلى الرغم من معارضة قطاعات معينة من المجتمع الأمريكي لهذا النمط الموسيقي الذي اعتبروه دخيلا عليه، فقد نجح فنانو الراب في فرض فنهم الجديد وفي حيازة  مكانة مهمة في تاريخ الموسيقى الأمريكية. وكان على رأس الأسماء التي أوصلت الراب إلى الشهرة الشعبية منسق الموسيقى و الدي جي DJ “كول هيرك”، الأمريكي من أصل جامايكي الذي يعتبره الكثيرون مؤسس فن الراب الحديث.  استخدم هيرك أسلوباً جديداً  لإيصال رسائل معينة كانت بعض مواضيعها تروي قصص العمال الفقراء، وتحكي عن العنصرية، وكان البعض الآخر من رسائلها يمجد أفراد العصابات وموزعي المخدرات.

في نهاية التسعينيات تم الاعتراف بالراب كنمط من أنماط الموسيقى ووجد طريقه إلى الانتشار العالمي بداية في أوروبا ثم باقي قارات العالم حتى وصل إلى الوطن العربي، وبالتحديد  المغرب،  ففلسطين،  فمصر، فلبنان. وكانت ثورات الربيع العربي فترة ذهبية لاشتهار مؤديي الراب على مستوى بلدانهم ومحيطهم الإقليمي، وبات الراب العربي موضوعاً خصباً للنقاش على كثير من منصات الانترنت خاصة في خضم انتشار أغانٍ  تحوي كلمات ثورية تشجع الشباب على الخروج ضد الظلم والطغيان، وانتزاع حقوقهم السياسية والاقتصادية.  ومن أبرز فناني الراب العرب الذين ماتزال شعبيتهم ثابتة في البلاد العربية فرقة إي جي راب سكول، وفرقة الهرمل، والطفار، والرأس، وبوكلثوم.

العمل الفني لشرف الحوثي

الراب في اليمن

بدأ الشباب اليمني المقيم داخل البلد بالتعرف على فن الراب، بصورة واسعة نسبيا، بعد دخول الانترنت إلى اليمن في أواخر التسعينيات ومطلع الألفية الثانية. ويُعد حجاج عبد القوي، أو “أي جي AJ”، من أوائل الشبان العرب واليمنيين الذين بدأوا غناء الراب في وقت مبكر؛  فقد كان يكتب ويغني الراب في مطلع التسعينيات في الولايات المتحدة الأمريكية البلد الذي هاجر إليه والد حجاج فترة السبعينات واستقر فيها مع أسرته. وحين بدأ حجاج كتابة وأداء أغاني الراب الخاصة به، حاز على شهرة واسعة في الولايات المتحدة كونه ابتكر أسلوباً جديداً في الراب وهو دمج الإيقاعات الغربية السريعة، بالألحان اليمنية التراثية، وبسبب الشهرة التي حققها حجاج خلال فترة قياسية، وافق عدد من  كبار فناني الراب العربي تقديم أغانٍ مشتركة معه.

وفي منتصف الألفية الثانية قرر حجاج العودة إلى اليمن وتقديم أغانٍ استخدم فيها ذات الأسلوب الفني الذي اتبعه في الولايات المتحدة، إضافة إلى إدخاله كلمات عربية بلهجة منطقة جُبَن الواقعة في محافظة الضالع اليمنية. وهكذا حقق نجاحاً كبيراً حفزه على تكرار التجربة في أغنيات أخرى تهافتت شركات الإنتاج الفني اليمنية على تسجيلها. وفي ذلك الحين ساعد حجاج الذي اختار مدينة صنعاء مقراً لإقامته، العديد من الشباب اليمنيين الموهوبين كفرقة جابا جامز، على إطلاق أغنياتهم السريعة، ومن ضمن هؤلاء الفنانين الشباب كذلك  شاهين المشهور باسم “كاوي”، و”وليد ورعد”. وبعد نجاحهم أسسوا جميعاً فرقة “وحوش اليمن” التي حققت نجاحات لافتة. أصبح المراهقون والشباب اليمنيون حريصين على شراء اسطوانات أغاني الراب اليمنية لحجاج عبدالقوي  وفرقة وحوش اليمن التي استخدمت نفس النمط الذي كان يقدمه حجاج في أغانيه والتي قدمت أسلوباً غير متطابق مع راب الولايات المتحدة من ناحية الأداء وكذلك من ناحية تجنب الألفاظ النابية.

في العام 2009، التقيت بحجاج عبدالقوي في صنعاء، وحدثني عن ما عاناه في بداياته حين لم يتقبل من هم من فوق الثلاثين عاماً في اليمن فن الراب.  كما أخبرني أن الكثير من الشباب اليمنيين من أبناء الطبقات المتوسطة والغنية (وتلك مفارقة كون الراب خرج من أوساط المقهورين والطبقة الكادحة)كانوا أكثر من يُقبل على الاستماع إلى أغاني الراب التي يؤديها. وهو الأمر الذي شجعه على الاستمرار، وعلى تشجيع فنانين يمنيين على المشاركة في أغاني الراب، مثل حسين محب الذي شاركه في أغنية”يمن بلادي العظيم”. وكانت تقام حفلات صغيرة مجانية لحجاج عبدالقوي وزملائه في المركز الثقافي بصنعاء وفي ساحات حديقة السبعين وبعض ساحات الكافيهات والمعاهد والمتنزهات بمنطقة حدة في العاصمة صنعا،  وكان يحضرها مراهقون وشباب.

العمل الفني لشرف الحوثي

بين 2009 و 2010، زاد عدد مؤديي الراب من الشباب اليمنيين خاصة المغتربين في المملكة العربية السعودية وعدد من دول الخليج. وبث التلفزيون اليمني الحكومي أغاني راب لعدد من الشباب اليمني لأول مرة، ومنها أغنية “بلادي ياناس الجمهورية اليمنية” التي رحبت كلماتها بضيوف اليمن الذين حضروا الدورة العشرين لكأس الخليج العربي لكرة القدم  التي عُقدت في ملاعب محافظتي عدن وأبين.

في 11 فبراير 2011، اندلعت الثورة الشبابية في اليمن، وكان للشباب المؤدين للراب مشاركات في ساحات الحرية والتغيير بعد أن أتاحت الثورة المجال للكثير من المواهب الشابة. وقد وجد بعض هؤلاء الموهوبين في الراب متنفساً للتعبير عن غضبهم ونشاطهم الثوري مستخدمين منصات الساحات ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر وبث أعمالهم.

ومنذ تلك الفترة حتى العام 2015، لمعت أسماء يمنية شابة في سماوات فن الراب، بثت أعمالها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحصدت ملايين المشاهدات. ويأتي  ضمن تلك الأسماء ساري كيلر، سايكل، طاهر اكس، واوي، ديجي ياسر، ليجند كيلر، اليونغ، راندر. وغالبية هؤلاء يمنيون مقيمون في السعودية ودول الخليج العربي. إضافة إلى أسماء أخرى حققت شهرة واسعة، ومن بينها إم سي نيو، محمد صائل، عماد نادر، عبد الرؤوف المطري، أمير مدهش، صخر غالب العدني، جمال العتمي، أحمد صدام وغيرهم الكثيرون الذين برزوا وقدموا أغانيهم المصاحبة لرقصات الهيب هوب الاستعراضية في حفلات تخرج طلاب الجامعات الأهلية، وفي حفلات الأعراس في صنعاء وعدن وتعز. وقد اعتبرت تلك الفترة المرحلة الذهبية التي ازدهر فيها فن الراب في اليمن، لكثرة إنتاج أغاني الراب، ولكثرة المتابعين للفن الجديد داخل البلد وخارجها.

انحسار وانتكاسة

حين اندلعت الحرب عام 2015 غادر العديد من الشباب اليمنيين إلى خارج بلادهم بحثاً عن الأمن والأمان، ومنهم العشرات من فناني الراب. وظل من بقي في اليمن إما مطاردا، أو معتقلا، وظل البعض الآخر ينتج أغاني راب بحذر شديد وبما يتوافق مع رغبات السلطات سواء في المناطق الشمالية التي تسيطر عليها جماعة الحوثي، أو المناطق الجنوبية والشرقية التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة المعترف بها دولياً.

في حضرموت (شرقي اليمن)، عانت فرقة ساوث كوست التي تضم خمسة من شبان مدينة المكلا، من الاضطهاد حينما سيطر تنظيم القاعدة على عاصمة محافظة حضرموت عام 2015. منع التنظيم اقامة الفعاليات الفنية، ومنها إنتاج أغاني الراب وإقامة الحفلات الخاصة بالفرقة. وبعدما تحررت مدينة المكلا عاودت الفرقة نشاطها الفني من خلال إحياء الحفلات والمهرجانات التي كان معظمها ينظم بشكل طوعي دون مقابل مالي.

العمل الفني لشرف الحوثي

وفي إحدى الحفلات التي تقيمها فرقة “ساوث كوست”، تفاجأ أعضاء الفرقة بقدوم رجال أمن حكوميين على متن أطقم أمنية. اعتقل جميع أعضاء الفرقة بتهمة أداء الراب ورقص الهيب هوب، ولم يفرج عنهم إلا بعد أن أخذت تعهدات خطية منهم بعدم استمرارهم في الرقص.

خلال حديثي معه قال لي مغني الراب وراقص الهيب هوب محمد الأميري المقيم في حضرموت “الراب والهيب هوب ليس مجرد رقص عابر يمكن أن يشاهده أي شخص ويمضي، هو بالنسبة لي ولغيري من الشباب المحب لهذا الفن  أسلوب حياة، هو رسالة سامية نعبر فيها عن ذاتنا، عن حياتنا، عن معاناتنا، عن أملنا، عن حاضرنا ومستقبلنا”. أما أحد منتجي الراب في صنعاء، فقد أكد لي تعرضه لمضايقات من قبل أشخاص اعتبروا الراب مخالفاً للدين وعادات وتقاليد اليمنيين. وبسبب ذلك قرر أن يعتزل أداء الراب خوفاً على حياته. وكانت أماني يحيى وهي أول فتاة يمنية تغني الراب قد غادرت اليمن بسبب تلقيها تهديداً جاء فيه أن غناءها للراب خارج عن عرف المجتمع والدين، كما أفادت في تصريحات صحفية أدلت بها لوسائل إعلام عالمية.

كبلت الحرب في اليمن الكثير من الفنانات والفنانين بينما أطلقت العنان وألهمت آخرين. مصير الراب في اليمن ما يزال مجهولاً خاصة وأن ميلاده في اليمن لا يزال حديثا بالمقارنة مع صنوف الغناء والفن الأخرى. وبالتالي، فإنه لم يتمكن بعد من الوصول إلى فئات أوسع من الجماهير قبل الحرب. وعلى ذلك يبدو أن هناك أجيالاً مازالت تؤمن بأهمية هذا الفن وتسعى لأن يكون لها مكان وسط هذا الدمار. ولعل استمرار الفنانين على أداء  هذا الفن هو في حد ذاته  بمثابة الدفاع  عن الحق في حياة مختلفة حرمتهم الحرب منها.

اظهر المزيد

علاء الدين الشلالي

صحفي مستقل، ومعد ومقدِّم برامج. الشلالي حاصل على بكالوريوس في الإعلام، ودبلومات في الصحافة والعلاقات العامة والإعداد والإخراج التلفزيوني والإذاعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى