ثقافة

جهود اللساني “السوسوة” في دراسة المحكيات اليمنية

تأتي دراسة المحكيات (اللهجات) العربية المعاصرة صادرة عن وعي لساني حداثي، يمكن إيجازه بالعبارة التي يختم بها أبو اللسانيات الحديثة أهم كتبه. قال دي سوسير في “المحاضرات”: “إن موضوع اللسانيات الحقيقي والوحيد إنما هو اللغة في ذاتها ولذاتها”. إن هذه الرؤية تمنح كل لغة وكل محكية وكلّ مستوى لغوي -درجةً واحدة من مشروعية الدراسة، إذ يمثل كل ذلك استعمالا إنسانيا للغة، وغرض تلك النظرة الحداثية اكتشاف اللغة في نفسها. وينجم عن هذه الرؤية رفض تفضيل اللغة الرسمية (أو الفصحى) على المحكيات، ورفض تفضيل الاستعمال الأدبي للغة على غيره من الاستعمالات، ورفض عدّ المحكيات تشوّها وانحرافا عن المستوى الرسمي، أو عدّ ذلك المستوى الرسمي الاستعمالَ الصحيح أو الأصح ووضع غيره في مستوى أقلّ.

الصورة بإذن من عباس السوسوة

من السيرة الذاتية للسوسوة

عباس علي محمد السوسوة، من مواليد 1959م، قرية يفرس – مديرية جبل حبشي- محافظة تعز، حصل على ليسانس الآداب في 1981م من كلية الآداب- جامعة القاهرة، ثم حصل على الدكتوراه من الكلية نفسها عام 1989م، عن أطروحته “مستويات اللغة العربية في الصحافة اليمنية المعاصرة 1980-1984م”. أستاذ اللسانيات بكلية الآداب – جامعة تعز سابقا، وأستاذ اللسانيات بجامعة الملك خالد بأبها حاليا. من الأعمال الإدارية التي تولاها: عميد كلية الآداب بتعز 1996-1998م، عميد مركز اللغات بتعز 1999-2001م، عميد كلية التربية 2001-2003م، عميد كلية الآداب بتعز 2007-2011م.

 

تناول المحكيات اليمنية عند السوسوة

يُعدّ البروفيسور السوسوة -فيما نعلم- أكثر مَن تناول المحكيات اليمنية بالدراسة والبحث من الأكاديميين اليمنيين، ولهذا السبب وقع اختيار هذه المقالة على دراسة جهوده، وتبدأ رحلته في هذا المجال باختياره لعنوان رسالته للماجستير “لهجة ذمار – دراسة صوتية وصفية”، ثم إصداره كتابين متخصّصين في المحكيات اليمنية بعد الحصول على الدكتوراه، أولهما: دراسات في المحكية اليمنية(دار عبادي، صنعاء، 2007م، الطبعة الثانية، 198 صفحة من القطع الصغير)، وينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام، ويمثل كل قسم ظاهرة من اللهجات أو مستوى معينا (مثل المستوى الصرفي) ليشمل ذلك القسم عددا من المواضيع في ذلك المستوى، وثانيهما: قد اليمنية-أبحاث في الأبنية والنحو والاقتراض المعجمي(دار عبادي، صنعاء، 2012م، الطبعة الأولى، 209 صفحة من الحجم المتوسط)، وينقسم الكتاب إلى ستة أقسام هي مثل ما تقدّم في الكتاب السابق.

ويضاف إلي جهوده في دراسة اللهجات كتابه: شرح المُشَعططات السبع (دار عبادي، صنعاء، 2012م، طبعة ثانية، 131 صفحة من القطع المتوسط)، وهذا الكتاب مختلف عن سابقيه، بل هو فريد في بنائه في التأليفات المعاصرة، إذ يجمع بين عدد من الأمور: الأدب الشعبي، ومعلومات لغوية تتناول المحكيات اليمنية بدرجة أساسية والفصحى بدرجة ثانوية، والطرفة. تقوم فكرة الكتاب على جمع سبعة أناشيد للأطفال من الموروث الشعبي اليمني عامة، فيثبتها المؤلف بلهجة تعز (مولد ومنشأ المؤلف)، ثم يقوم بشرحها ويتناول ما فيها من قضايا لغوية، وتبدأ الظرافة في الكتاب من عنوانه، فـ”المُشَعطَط” في محكيات يمنية “المُمزق”، وهنا يقوم العنوان على تناص ساخر مع العنوان المعروف “شرح المعلقات السبع”.

الاستقصاء والتتبع في الدراسة

ومما تتميز به دراسة السوسوة تتبع الظاهرة المدروسة في أكبر قدر من مظانها، والحرص على عدم الوقوع في التعميمات ذات الاستقراء المنقوص، ويشهد على ذلك غزارة مصادره التي يستقي منها الظواهر المدروسة، وهي المراجع التي يقع الخلط في لغتها بين الفصحى والمحكية اليمنية أو يقع فيها النقل لنصوص من المحكية اليمنية، فمنها مراجع التاريخ اليمني؛ مثل “درر نحو العين” لجحاف، “حوليات النعمي التهامية” للنعمي، “هدية الزمن” للعبدلي، “الفضل المزيد” لابن الديبع الشيباني، و”تاريخ ثغر عدن” لبامخرمة وغيرها، ومنها دواويين الشعراء اليمنيين؛ مثل “ترجيع الأطيار” للآنسي، “فُل نيسان” لجحّاف، ومنها دواويين شعرية مخطوطة؛ مثل ديوان القارة، ديوان الخفنجي، أشعار عبد الله منقذي لمنقذي، ومنها ما كتب في التاريخ اليمني المعاصر؛ مثل “ثورة الجوع” للذهباني، “الثورة والنفق المظلم” للطيب، “رياح التغيير في اليمن” للشامي وغيرها، ومنها مراجع الأمثال اليمنية؛ مثل “الشائع في أمثال يافع”، ومنها ما ورد في الأغاني اليمنية، سواء أكان من المدوّن؛ مثل” المصدر المفيد في غناء لحج الجديد، للقمندان، أم كان من الأغاني المسموعة المعاصرة، ومنها ما كتب في اللهجات اليمنية أو اللهجات العربية عموما، سواء أكان ذلك في كتابات أكاديمية لعرب ومستشرقين أم في كتابات غير أكاديمية، وهي كثيرة. ويُضاف إلى ذلك ما وقف عليه شخصيا مما سمعه من الرواة، وقد عدّد في مقدمة كتابه “قد اليمنية” نحو ثلاثين روايا بأسمائهم وذكر تاريخ ولادتهم لتحديد الجيل الذي ينتمون إليه.

ومن أمثلة جهده في الاستقصاء ذكرُه في بحثه عن وزني “فِعِّيل” و”تِفِعّال” أنه تتبعها في القرن الرابع في شعر المتنبي وعدد من معاصريه؛ مثل أبي فراس الحمداني وأبي العباس النامي، والسري الرفاء، وكُشاجم، ويتيمة الدهر للثعالبي، فلم يقف للوزنين على أثر. ومن استقصائه ذكره في بحث “الألفاظ الهندية في المحكية اليمنية” أنه قام بالزيارة المباشرة لعدد من المحافظات اليمنية.

العمل الفني بواسطة مها العمري

التنوّع في تناول المحكيات اليمنية

تنوّعت مستويات تناول السوسوة للمحكيات اليمنية، ففي المستوى الصوتي له رسالة الماجستير “لهجة ذمار-دراسة صوتية وصفية”، كما تناول قضايا من المستوى الصوتي في بحثه في المقترض في المحكيات اليمنية من الهندية والتركية، وذلك في التحول الذي يحدث لأصوات الألفاظ عند الاقتراض.

وفي المستوى الصرفي له أبحاث كثيرة، فله بحث في وزن المصدر “فِعّال” والمصدر “تِفِعّال” اللذين يمثلان إحدى خصوصيات المحكيات اليمنية منذ القدم؛ و”فِعّال” (مثل صِبّان، غِسّال)، “تِفِعّال” (مثل تِقِلّاب، تِمِلّاق)، وله بحث في صيغة الجمع “فِعِيل” التي تُعدّ أيضا من خصوصيات المحكيات اليمنية؛ مثل “دِبيب” (ج. دبّة)، “عِجِيل” (ج. عَجَلة)، “قِصِيب” (ج. قصبة)، “وِجِيه” (ج. وَجه). وله بحث في وزن “مِفعال” و”مِفعالة” اسما للمكان ومصدرا، وقد بدأ بذكر أن هذين الوزنين لهما وجود في الفصحى، ولكنهما لا يناظران ما يوجد في المحكيات اليمنية، وإن كانا قد يتماسّان مع الفصحى في بعض الدلالات، فيأتي وزن “مفعال” في المحكية اسما للمكان؛ مثل: “مِحوات” (مكان بيع الحوت)، “مِحراس” (مكان الحراسة)، ويأتي وزن “مفعال” للدلالة على ظاهرة طبيعية؛ مثل “مضياح” (الصخور الملساء التي قد يتضَيّح منها الإنسان؛ أي يسقط)، ويأتي وزن “مفعال” للدلالة على مكان يكثر فيه شيء معين؛ مثل “مطلاح” (مكان يكثر فيه شجر الطلح) وغير ذلك من الدلالات. وله بحث “في أبنية الجموع والمصادر”، ويتناول أوزان ظواهر صرفية صرفية من خصوصيات المحكيات اليمنية، ومن ذلك “الياء الدالة على الإفراد”، وذلك في وزن فُعْلِي: بُقري (الواحدة من البقر)، وفي وزن فُعّالي: غُرّابي (الواحد من الغربان)، وما جاء على وزن “فِعْول” جمعا: طِروَق (ج طريق)، وما جاء على وزن “تَفعُول” مصدرا: تَسْعور (تسعير).

وفي المستوى النحوي تناول النفي المصاحب للشين، وهو ثلاثة أنماط؛ الأول: (ما + المنفي + ش): “ما أقبلش هذا الحكم”، الثاني: (مافيش/ مابش + المنفي): “مافيش/ مابش واحد يقدر يتهرب من القَدَر”، الثالث: (مش + المنفي): “مش على كيفيك”، “هذا مش صحيح”، وله بحث “في الإضافة” في المحكيات اليمنية، ويتناول مسألتين؛ الأولى: الإبقاء على نون المضاف في الجمع “مدرسين المدرسة” و”مهربين المخدرات”، والثانية: فك التركيب الإضافي بالأداة “حق”: “الكتاب حقه” أو “الجو حق هذه الأيام”.

وفي المستوى المعجمي له “الدخان في المحكية اليمنية -دراسة معجمية”، وهو بحث يتناول مفردات حقل الدخان، فيتتبع تلك المفردات بذكر أقدم ما وقف عليه الباحث فيورد المفردة، ويلحقها بالمصدر الذي وردت فيه، سواء أكان في الشعر اليمني أم في كتب التاريخ اليمنية، ومن ذلك “المداعة” وهي النارجيلة أو الأرجيلة، “القرقرة” (صوت المداعة)، “النخس” (نفس شارب المداعة)، “المولعي” (المتولّع بالمداعة وغيرها)، وإذا كانت المفردة مقترضة، فإنه يذكر اللغة المقترض منها، ومن ذلك “التتن” أوراق التبغ، وأصلها من التركية “توتون”، و”البوري” الوعاء الفخاري الذي توضع عليه التعميرة، وأصلها تركية الأصل من “بوروزون، بوريزن”.

وله بحث في مجال الاقتراض في المحكيات اليمنية؛ مثل “الألفاظ الهندية في المحكية اليمنية”، ويصف الباحث دراسته في المقدمة بأنها “أول دراسة تتناول ألفاظا أجنبية من المحكية اليمنية وتدرسها من جوانبها المختلفة”، فهي بذلك -كما يشير هو أيضا- تختلف عمن اكتفى بسرد الألفاظ سردا مجرّدا أو وضع الألفاظ كيفما اتفق من دون إرجاع كل لفظ إلى أصله، فتصبح بذلك ألفاظ إنجليزية وإيطالية مما اقتُرض من الهندية. وبحث “بقايا الألفاظ التركية في المحكية اليمنية”، ويتناول هذا البحث الألفاظ التركية من جهة دلالتها ويشمل ذلك ما ثبتت دلالته منها وما تغير وطرق التغيير. يذكر البحث مجالات الاقتراض، وهي: المجال العسكري “بيادة، لغم، قنبلة، طابور”، مجال البناء “كريك، خرسانة”، مجال المنزل “جردل، طاوة، بردق”، مجال المأكولات “شاورمة، بريك”، مجال الإدارة الحكومية “جمرك، دمغة، بصمة”، وثمة مجالات أخرى قليلة.

ومن أهم أبحاثه ومن أكبرها حجما “المستويات اللغوية في اليمن”. يبدأ هذا البحث بكلام نظري مطوّل على تعريف المستوى اللغوي ومفهوم الازودواجية اللغوية، ويناقش مناقشة نقدية دراسات سابقة في ذلك، ثم يتناول “المؤثرات العامة على الحياة اللغوية في اليمن”، وقد بدأ ببيان دور ثورة سبتمر 1962م في كسر العزلة الداخلية والخارجية، وذلك من خلال سهولة المواصلات والتنقل الداخلي، وانتشار وسائل الإعلام الحديثة، وأقدمها وأخطرها الإذاعة، وانتشار التعليم الحكومي في المدن والقرى، والتجمع الرسمي، والمقصود به تجمع أبناء المناطق المختلفة في مكان واحد؛ مثل الجيش والكليات العسكرية وما شابه ذلك، أو انتقال موظفي الدولة بين المناطق، ثم يتناول ما خلُص إليه في تقسيم المستويات اللغوية في اليمن، وهو تقسيم خماسي: العربية الفصحى، العربية المعاصرة، عامية المثقفين، عامية المتنوّرين، عامّية الأمّيين، وبيّن خصائص كل مستوى معجما وأسلوبا، ونقلَ نصوصا ومنها نصوصٌ مطولة لكل مستوى، خصوصا الأقسام الأخيرة (عامية المثقفين، عامية المتنورين، عامية الأميين) التي تأتي كثيرة الامتزاج بالمحكيات اليمنية.

 

جانب آخر من الاهتمام بالمحكيات اليمنية

يظهر جانب آخر من اهتمام السوسوة بالمحكيات اليمنية في إشرافه على عدد من الباحثين في مرحلتي الماجستير والدكتوراه في مجال اللهجات اليمنية، أو في مستوى خاص من اللهجات اليمنية المعاصرة، ولا يخفى علينا أن طالب الدراسات العليا يكون اختياره لموضوع الدراسة -في أحيان كثيرة- بتأثير من أستاذه، ثم ينعكس ذلك -في أحيان كثيرة أيضا- بتعيين ذلك الأستاذ مشرفا في ذلك الموضوع، ومن الرسائل العلمية التي أشرف عليها استقلالا أو بالمشاركة:

“لغة السوق اليمني- دراسة لسانية اجتماعية”، ماجستير، إعداد: منير عبده أحمد علي، 2008م.-

“لغة المثل الشعبي اليمني”، ماجستير، إعداد: طارق فضل علي الحاج، 2011م.-

“لهجة البيضاء- دراسة في ظواهر صرفية ونحوية”، دكتوراه، إعداد: عبد ربه طاهر أحمد الحميقاني، 2011م.-

“اللهجة اليافعية- دراسة في ظواهر صرفية ونحوية”، دكتوراه، إعداد: سند محمد عبد القوي سالم، 2013م.-

“التعابير الاصطلاحية في لغة الشعر الحميني حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري”، ماجستير، إعداد: عتاب عبد القادر أحمد الفتيح، 2014م.-

“الألفاظ الزراعية في مناطق من محافظة تعز- دراسة دلالية ومعجم”، دكتوراه، إعداد: منير عبده أحمد علي، 2014م.-

“ظواهر صرفية في محكية تهامة- لهجة الحشابرة نموذجا”، ماجستير، إعداد: أحمد علي حسن الحشيبري، 2014م.-

ويأتي جانب آخر من اهتمامه باللهجات في قيامه بمناقشة عدد من رسائل الماجستير والدكتوراة في اللهجات اليمنية بالجامعات اليمنية، وكتابة عدد من العروض النقدية في مجال دراسة المحكيات اليمنية خصوصا والعربية عموما.

الصورة بإذن من الكاتب

نبذة عن الكاتب

خالد عبد الحليم العبسي قاص وشاعر وكاتب وأكاديمي يمني. حصل على الماجستير في اللغة العربية وآدابها من جامعة صنعاء، ثم حصل على الدكتوراه في مجال اللسانيات من كلية اللغات جامعة صنعاء عن أطروحته “مبدأ أحادية النظام وأثره في النحو العربي”. صدر للعبسي عدد من الكتب: “النبر في العربية”، 2010م، وفي أدب الرحلات له: “رحلة إلى كوبا”، 2010م، و”يمني في جنوب شرق آسيا”، 2006م، وله مجموعة قصصية “وآلامٌ أضاعتْ سحرَتها”، وقد فازت المجموعة بجائزة دبي الثقافية 2013م. وخالد عضو في اتحاد الكتاب والأدباء اليمنيين.

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق