fbpx
أدبتاريخ
مقال شائع

الشاعر اليمني بكر بن مِرداس: العاشق الذي أمرضه طبيبُ الهوى

نتحدث في هذه المقالة عن شاعرٍ يمنيٍّ عاش في المائة الثانية للهجرة، أهملتْ معاجم الشعراء المعروفة في التراث ذكره، مع أنه مُجِيد في فن الغزل وفي توليد الصور، ولم يذكره من الأقدمين إلا مؤرخ اليمن ولسانها أبو محمد الحسن الهمداني (334هـ/945م) الذي نقل عنه مَنْ جاءوا مِن بعده. ولا يُعلم على وجه التحديد تاريخ وفاته، إلا أنَّه كان معاصرا للشاعر الشهير أبي نواس، الحسن ابن هانئ، وقد توفي أبو نواس، كما هو معلوم، سنة (195هـ/810م).

في تراثنا العربي يحمل اسم “بكر بن مرداس” اثنان من الأعلام: أحدهما من شمال الجزيرة العربية من قبيلة تميم، ثم من بني العنبر، وهو بكر بن مرداس بن عقفان التميمي العنبري؛ وهو أحد رواة الحديث النبوي، ويُعدّ أباه مرداسا من الصحابة، يقول عنه ابن عبدالبر: «مرداس بن أبي مرداس بن عقفان التميمي العنبري له صحبة، قال: أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم-، فدعا لي بالبركة. روى عنه ابنه بكر بن مرداس»([1]). أمّا ثاني العَلَمَين، فهو شاعر يمني مبدع من جنوب الجزيرة العربية، وهو من نقصده في هذه المقالة. ونحنُ نذكر هذا الاتفاق في الاسم حتى نزيل أي لبس محتمل قد يعرض للقارئ.

شاعر مجهول أو مدفون بين طيّات المخطوطات

العمل الفني لآمنة المطري

يتحدث عن الشاعر اليمني بكر بن مرداس الأديب الشاعر أحمد بن محمد الشامي فيقول: «من وجهاء هذه الفترة وفحول شعرائها الشاعر الغزل الظريف الذي ابتدع طريقة في التشبيب والغزل نالت إعجاب أكبر شعراء عصره الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس، بل إنه قدمه على نفسه (…) وأخبار شعر ابن مرداس نزرة يسيرة، ولا يزال معظمها مجهولاً، أو موؤداً ضمن أضابير المخطوطات، ورغم أنه قد اشتهر وذهب صيته في الآفاق فلم يذكره المرزباني في معجمه، ولا ابن المعتز في طبقاته، وقد عاش في النصف الأخير من القرن الثاني، وربما أشرف على مطلع القرن الثالث الهجري»([2]).

كما ألمحنا في مفتتح المقال، فقد انفرد بذكر الشاعر بكر بن مرداس العلامةُ الحسن بن أحمد الهمداني في كتابه (صفة جزيرة العرب)، ثم مَنْ جاء بعده، إنما ينقل عنه، فيقول عنه: «كان ظريفاً، آدم، حسن الهيئة والنضارة، وكان له ثياب بعدد أيام مخرجه من منزله في السنة، وكان من تمام مروءته ألا يخرج من منزله، حتى يتفقد شسعي نعله؛ فلم يره أحد منقطع الشسع في طريق، وكان شعره سائراً.

أخبر ابن مرزا الأبناوي عن بعض من حدثه عن أبيه، قال: وافيت الحج، فرأيت في الطواف فتى ظريفاً خفيفَ الروح يعصب به جماعة، فقلت: من هذا؟

فقيل: أبو نواس الحسن بن هانئ، فسلمت عليه، وفاوضته، وخبرته بنَفَاق شعره وأخباره بصنعاء، وسألته شيئاً منه. قال: تطلبني مثل هذا، وعندكم بكر بن مرداس؟! قال فقلت: وإنه عندك بهذه المنزلة؟! قال: أما هو القائل:

يا إخوتي إن الطبيب الذي    ترجون أن يبرئني مُسقِمي

وما أَلا نصحاً ولكنه          عن علم ما بي من سقام عمي

فسائلوه عن عقاقيره        وسائلوه ما الذي احتمي؟

فإنما الطب لمن داؤه        من مِرَّةٍ أو بلغمٍ أو دمِ

والحب لا يشفى بأيّارجٍ     ولا بترياقٍ ولا محجمِ

إلا بشمِّ الحِبِّ أو ضمه      ومج ريقين من فم في فمِ

فيا شفاء النفس من دائها     داوي سقامي وارحمي تُرحمي

فلو بعينيك إذا جنني       ليلٌ وأغفت أعين النوّمِ

طوفي على بابكم باكياً     لحرِّ شجوٍ في الحشا مضرمِ

 لخلت أني طائف محرمٌ   في ساحة البيت إلى زمزمِ

واستيقنت نفسك أن الهوى   أشد ما يعلق بالمسلمِ

فأعتقي عبدك مما به    وأكرمي وجهك أن تظلمي»([3]).

العمل الفني لآمنة المطري

شاعر مولِّد من الطراز الأول

ويعتبر الأستاذ الشاعر عبد الله البردوني بكر بن مرداس من أبدع الشعراء التوليديين، ويقول عنه: إنه لم يكن له من الشهرة في اليمن كما له من الشهرة عند مثقفي العراق في ذلك الزمان، ويذهب إلى أن إعجاب أبي نواس ببكر بن مرداس مرده إلى حبه للجديد، والإجادة فيه؛ وهذا ما توفر عليه شعر بكر بن مرداس، ويرى أن ابن مرداس وديك الجن الحمصي من أثقب المولدين نظراً، وأكثرهم إضافة إلى جماليات القديم([4]).

ويرى الأستاذ البردوني أن بكر بن مرداس لم يكن أول من ابتدع هذه الشكوى في أبياته المذكورة آنفاً، وهو في شكواه هذه متأثر بعروة بن حزام، مع توليد رؤية جديدة ومصطلحات حديثة([5])، حيث يقول عروة:

قبلتُ لعراف اليمامة حكمه     وعراف نجدٍ إن هما شفياني

فقالا: نعم نشفي من الداء كله    وقاما مع العواد يبتدراني

فما تركا من رقيةٍ يعلمانها     ولا خرزٍ إلا بها رقياني

فقالا: شفاك الله اذهب فما لنا    بما حملت منك الضلوع يدان

ونسى الأستاذ البردوني أن يذكر كيف أفاد بكر بن مرداس أيضاً من تجربة عروة بن حزام، فوفر على نفسه عناء الذهاب إلى طبيب يصف له بعض العقاقير؛ فقد عرف أن داءه – داء العشق-لا يشفيه طبيب يجيد وصف العلاج أو يُحسن ذكر الحميات، وإنما طبه في شم المحبوب أو ضمه وارتشاف ريقه.

وكما تأثر ابن مرداس بمن قبله – يتساءل البردوني([6])- فهل أثر فيمن بعده؟ لاسيما ابن الرومي في أبياته التي يقول فيها:

أعانقه والنفس بعدُ مشوقةٌ                  إليه وهل بعد العناق تداني؟!

وألثم فاه كي تزول حرارتي                    فيشتد ما ألقى من الهيمانِ

وما كان مقدار الذي بي من الجوى            ليشفيه ما قد تلثم الشفتانِ

كأن فؤادي ليس يشفي غليله               سوى أن يرى الروحين تمتزجانِ

ولا أدري كيف فات الأستاذ البردوني أن يأتي على ذكر المفارقة بين أبيات بكر بن مرداس وأبيات ابن الرومي؛ فبكر بن مرداس يعرف علته ويعرف دواءه، وهو شخصية سوية، إن انتابها داء الحب، تداوت بالوصل والشم والضم والعناق وارتشاف ريق المحبوب، أما ابن الرومي فلِما اشتهر به من السوداوية، لم تعد تؤثر فيه كل هذ الأدوية المجربة.

ومن الطريف أن نجد أنّ الصورة الشعرية لدى بكر بن مرداس قد طوت الأزمنة لترتسم في أبيات للشاعر اليمني الغنائي عباس الديلمي؛ وهي تلك التي غناها الفنان أحمد السنيدار، وأعادت غناءها الشابة اليمنية سهى المصري والتي يقول فيها:

 يا طيب الهوى بالله داوي لهيبي         اسق قلبي الدوا فالحب كثّر نحيبي

وفيها يقول: أين عذب اللمى فهوه وحده طبيبي؟

ورغم أن التعبير بامتزاج الروحين في شعر ابن الرومي أرقى وأسمى، إلا أننا نقول إنّ مَن لم يشفَ بما ذكره ابن الرومي وبكر بن مرداس وعباس الديلمي، فلا شفاه الله!

 


([1]) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، 1412:3/ 1386.

([2]) تاريخ اليمن الفكري في العصر العباسي، أحمد بن محمد الشامي، دار النفائس، ط1، 1407هـ/ 1987م: 1/75.

([3]) صفة جزيرة العرب، تأليف لسان اليمن الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني، تحقيق محمد بن علي الأكوع، مركز الدراسات والبحوث، ط3، 1403هـ/ 1983م، ص 104-105.

([4]) التوليديون مصطلح نقدي قديم، يستخدمه البردوني في هذا السياق للدلالة على فئة من الشعراء ممن يولدون تجارب وصورا جديدة بناء على الأسس الجمالية القديمة. انظر مقالته: (الشاعر بكر بن مرداس الصنعائي تأثره وتأثيره(. المنشورة في مجلة الإكليل العدد (الأول)، السنة الثالثة عشرة، شتاء 1413هـ/ 1992، ص157-159.

([5]) المصدر السابق، ص158.

([6]) لكن أكد الأستاذ البردوني تأثر ابن الرومي ببكر بن مرداس في مواضع أخرى انظرها في المصدر السابق ص160.

 

اظهر المزيد

وضاح عبدالباري طاهر

باحث مختص في التاريخ الثقافي اليمني. صدرت له أربعة كتب: "ضحايا المؤرخين: ابن خلدون وابن عبيد الله السقاف أنموذجاً" 2007، "رحلة في كتاب ومؤلف"، "العلماء والاستبداد"2010، و"قراءات في التراث والتسامح" 2017. ولوضاح مقالات منشورة في منصات وصحف مختلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى