مجتمع

إبقاء اليمن على قيد الحياة

 برج السلام، صنعاء ٢٠١٣ الصورة بإذن من أطياف الوزير برج السلام، صنعاء ٢٠١٣ الصورة بإذن من أطياف الوزير

كتبت كلمة ” اليمن” على السبورة، ثم سألت طلابي “ما أول ما يتبادر إلى أذهانكم؟” حدقوا في وجهي والحيرة ظاهرة على وجوهههم. بعد لحظات قليلة، كسرت طالبة في الصف الأمامي الصمت وأجابت، “المجاعة” . سمعت شخصاً آخر يصرخ من الخلف، “آه، صحيح!” ومن ثم دون تردد انضم إليه آخرون، “الحرب، اللاجئون، النزاع”. فقلت، “أي شيء آخر؟” فهز الطلاب الثلاثة والعشرون في Auber 203 (بفرنسا) رؤوسهم جميعا إشارة إلى النفي والتوقف.

من ناحية، شعرت بالارتياح لوعيهم بالنزاع، ولكن من ناحية أخرى، بغض النظر عن عدد المرات التي سبق وأن حدث ذلك، لا يمكنني أن اتقبل فكرة اعتبار اليمن عنوانًا بسيطًا في وسائل الإعلام أو هاشتاج يتم تداوله. أن تكون اليمن اسما يثير الخوف أو الشفقة دون معرفة بالسياق أو التاريخ. يؤلمني كيف أسيء فهم هذه الحضارة العريقة.

لا أسعى بأي شكل من الأشكال لأن أنكر أو أقلل من الوضع المروع في اليمن. فكثيرا ما يقف الآباء أمام أطفالهم دون حيلة، يشاهدونهم وهم يتحولون إلى هياكل عظمية. يضطر الناس إلى دفن جثث الضحايا في هذه البلد باعتبارها جزءا من الأنقاض أو محاولة تخمين إلى أي جسد تعود هذه البقايا بعد حدوث انفجار ما. و فضلا عن ذلك،  أصبح التعذيب والاختفاء القسري عنصرين طبيعيين في الحياة اليومية في اليمن.  بالطبع يجب أن نتحدث عن هذه الفظائع، يجب أن نحمل الناس المسؤولية. ولكن هذه نصف الرواية فقط، وهناك الكثير غيرها أيضا.

وكما قالت الكاتبة النيجيرية، شيماماندا نغوزي أديشي، في حديثها تحت عنوان  “خطر القصة الواحدة”: “الإصرار على هذه القصص السلبية فقط هو تسطيح لتجربتي والتغاضي عن القصص الأخرى الكثيرة التي كونتني. تخلق القصة المفردة القوالب النمطية، والمشكلة مع الصور النمطية ليست أنها غير صحيحة ولكنها غير كاملة. يتعامل البعض مع قصة واحدة وكأنها القصة الوحيدة “.

يجب علينا أن نتحدث عن الحرب في اليمن مع تسليط الضوء على الجوانب الأخرى التي لا تقل أهمية، مثل كيف يستمر الناس في العيش أثناء النزاع، وكيف يتأقلمون، وقدراتهم المبتكرة والإبداعية على الاستمرار في حياتهم اليومية. دعونا نتحدث عن كيفية استمرار المعلمين في التدريس على الرغم من أنهم لم يتلقوا رواتبهم منذ شهور. بل دعونا نتحدث عن كيفية ازدهار التعبير الفني في خضم الحرب، وكيف ظهرت نوادي جديدة للكتاب، والفيديوهات الموسيقية والأفلام والمعارض الفنية. اليمنيون – مثل الكثير من الشعوب التي تعيش تحت وطأة الحرب – يخلقون أيضًا الجمال وسط بشاعة الحرب. إذا لم نقم برواية هذه القصص، فإننا سنفقد أصواتنا؛ سوف نفقد كرامتنا؛ وسوف نبدو وكأننا دون حيلة أو قوة.

 أطياف الوزير الصورة بإذن من بنجاما فياسك أطياف الوزير الصورة بإذن من بنجاما فياسك

لا أريد أن تطغى تقارير وسائل الإعلام على ذكرياتي عن اليمن. أشعر بالخوف من أنني سوف أنسى رائحة البخور في غرفة مزدحمة مليئة بأصوات ضحك النساء وعزف العود، أو طعم ورائحة البطاطا الساخنة مع الكمون والفلفل في شوارع المدينة. تكمن مقاومتي، في خضم الأخبار اليومية عن الضحايا والقتلى، في الحفاظ على اليمن التي أعرفها على قيد الحياة. مقاومتي هي منع ذكرياتي من أن تغرق في وسط كل هذه الدماء. بعبارة أخرى، تكمن في إبقاء الثقافة اليمنية حاضرة في كل شيء أقوم به ونقل جمالها إلى ابنتي. مقاومتي هي كتابة ذكرياتي حتى أتأكد بأنها موجودة بالفعل ولم تكن خيالا. مقاومتي هي الرقص في وجه الشدائد. أدرك أنني أكتب من مكانة شخص  يتمتع بامتيازات كثيرة، وأعيش في فرنسا بعيدًا عن الحرب، لكنني أعرف أن العديد من اليمنيين في الداخل والخارج لا يرغبون أيضًا في أن يتم اختزالهم في ما تنشره وسائل الإعلام. أنا لا أقول دعونا لا نتحدث عن الحرب، بل يجب علينا أن لا نتوقف؛ لكن دعونا نتحدث أيضًا عن ما يبقينا على قيد الحياة.

 ***

نشرت هذه المقالة لأول مرة على موقع La Formoisie.

أطياف الوزير باحثة تعمل كمحاضرة جامعية نهارا وكاتبة ليلا. تعتبر نفسها مواطنة عالمية ولكن عالمها يركز في الوقت الحالي على اليمن. تقيم أطياف في مدينة ليل في فرنسا ويعرفها الكثير من مدونتها الشخصية امرأة من اليمن. شاركت في تأسيس مجموعة المناصرة الإعلامية سند اليمن وكتبت العديد من المقالات التي نشرت على فورن بوليسي، ومبادرة الإصلاح العربي، ومشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، وجدلية، والأخبار، واوبن ديموكراسي، وفير أوبزرفر، حيث نشرت لها مقالتها المعروفة “إنه ليس صراعًا سنيًا شيعيًا، يا غبي”.

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق