المجتمع المدني
مقال شائع

تصورات حول اليمن

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

كثيرا ما نسمع أن العالم أصبح قرية صغيرة، وسهولة الوصول للمعلومات والبيانات متاحة في يد غالبية البشر؛ بل ويخيل لنا أننا نعرف الكثير عن كل شيء يحدث حولنا، لكن؛ تخيل أنك  قد لا تعرف طبيعة الحياة المعيشية في مناطق معينة في بلادك نفسها. الكثيرون منا لا يتاح لهم الوصول إلى المعلومة إلى حد ما. و لهذا، فإننا قد نتوقع أن الجميع يواجه نفس الظروف أو يفكر بنفس الطريقة.

وإذا  أن مواطنا يمنيا قد سئل خلال العام الماضي سؤلا من نحو: هل حدث أن عائلتك أعوزها ما يكفي من الغذاء  في وقت ما؟ فإن الإجابات  كانت سوف تتباين بشكل كبير من حضرموت إلى لحج ومن عمران إلى تعز وغيرها من مختلف المحافظات اليمنية. و من هنا يصح لنا أن نتساءل؛ كيف يمكن لأزمة أن تُحل في حين أنه لا يُعرف عنها  الكثير؟

لا يقتصر الأمر فقط على المواطنين، بل يشمل هذا الجهل أصحاب القرار والمعنيين بتحسين الأوضاع المعيشية في المجتمعات المحلية اليمنية والمعنيين بحل الأزمة اليمنية برمتها. إن معرفة وجهة نظر الآخر و تجربته ومدى تباين الأولويات بالنسبة له يساعد كثيرا  في الوصول إلى نقاط تلاقي وحلول مشتركة يتم التوافق عليها.

ومن هنا أطلق المركز اليمني لقياس الرأي العام بالتعاون مع مؤسسة داتا فور تشينج مؤخرا موقع ” تصورات حول اليمن “, الذي يعطي نظرة عامة عن الحياة في اليمن . يغطي الموقع اثنتان وعشرون محافظة من محافظات اليمن. الموقع يعتبر أداة تقارن الوضع المعيشي في مختلف المجتمعات المحلية ويقوم بتوفير بيانات متاحة لجميع المهتمين بالوضع في البلاد. تم جمع البيانات عن طريق مسح واسع شمل عينه من 2000 شخص ما بين سن الـ 15 – 25 من مختلف المحافظات اليمنية. ويعتبر جمع البيانات هذا جزءا من مشروع ” أصوات الشباب في اليمن ” الممول من قبل الاتحاد الأوروبي.

ومن أجل استكشاف طبيعة الحياة الحقيقية للشباب في اليمن تمت محاورتهم حول عدد  من الموضوعات بما فيها الحرب والصراع القائم ومدى تأثيره على حياتهم. وقد استبينت أراء الشباب حول مدى توفر الاحتياجات الأساسية لديهم  كالماء والغذاء والكهرباء  وحول آرائهم بخصوص العلاقات الخارجية و بخصوص الحكومة والسياسة والأمن والتمثيل الإعلامي وأشياء أخرى عديدة.

عدم توفر الإنترنت والكهرباء

طريقة عرض أجوبة الاستبيان في الموقع

من الإشكاليات التي تمر بها عدة مناطق في اليمن  عدم وجود خدمة الأنترنت أو ضعفها في الكثير من الأحيان وكذلك انقطاع التيار الكهربائي؛ و لذلك يستخدم اليمنيون تطبيقات المراسلة الفورية  أو تقنية البلوتوث  لمشاركة الأخبار والقصص والفيديوهات. ولجعل الموقع متاحا وسهل الاستخدام تمت مراعاة  تلك الظروف ليتسنى للجميع تحميل البيانات في هيئة صورة رقمية جاهزة للإرسال عبر البلوتوث دون الحاجة الى الإنترنت. كما أن الموقع  يتيح لمتصفحه إمكانية تحميله كاملا على الهاتف المحمول أو الحاسوب وبذلك يصبح متاحا للاستخدام بشكل تفاعلي كامل حتى في حال غياب الإنترنت. هذا بالإضافة إلى أن الموقع يعمل على كل أنواع الهواتف المحمولة والحاسبات، و هو متاح باللغة العربية والانجليزية؛ بل ويحتوي على تسجيلات صوتية لآراء المواطنين يمكن الاستماع لها من قبل الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في القراءة.

أسوأ كارثة إنسانية في العالم

وطبقا الأمم المتحدة، فإن الحرب الدائرة في اليمن خلّفت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، بداية من انهيار البنية التحتية وعدم توفر أساسيات الحياة من غذاء وماء ودواء إلى العدد المهول من النازحين والكوارث الصحية سريعة الانتشار.[1] في اليمن الكثير من مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة في مختلف القطاعات إلا أن أثرها قد يبدو غير كاف بل و قد يكون ضعيفا. وقد يرجع السبب في ذلك إلى عدم مراعاة خصوصية كل منطقة بسبب قلة توفر البيانات التي تحدد بدقة مدى احتياجات المواطنين في كل مكان،  فوجود البيانات يساعد في وضع خطة تدخل واستجابة تراعي رغبات وتطلعات المواطنين وتحقق الأثر المرجو. والأمر لا ينحصر فقط في الشأن الإنساني بل يتعدى ذلك إلى الحل السياسي للأزمة، فالمعنيون بتمثيل شريحة واسعة من المجتمع يجب عليهم معرفة آراء المواطنين في عموم الجمهورية.

لذلك أصبح متاحا عبر الموقع استكشاف أجوبه المواطنين عبر الخريطة التي تمنح المهتمين وصناع القرار نظرة عامة على مستوى الدولة مع إمكانية مقارنة الأجوبة بين المحافظات اليمنية ؛ وذلك من أجل الوقوف على نقاط التشابه ونقاط الاختلاف. فمثلا إذا كنت مهتما بإجابات محافظة بعينها أو بأجوبة المواطنين المشاركين عموما في موضوع محدد، فإنك تستطيع فعل ذلك عن طريق اختيار المحافظة أو الموضوع من القائمة الإلكترونية. وإذا اثار شيء ما في البيانات اهتمامك وأردت مشاركته مع أهلك أو أصدقائك، فإنه يمكنك فعل ذلك بسهولة عبر مشاركته من خلال تطبيقات التواصل الاجتماعي كفيسبوك أو تويتر أوتطبيقات الاتصال الفوري كتطبيق واتساب.

ماذا تعرف عن اليمن؟

في زيارتي الأخيرة إلى برلين، ألمانيا ،  للمشاركة في مخيم للقيادات الشابة الفاعلة والذي ضم أكثر من 30 مشاركا ومشاركة من مختلف دول العالم، كان أول سؤال سألته كل من صادفني سواء في داخل المخيم أو في الأنشطة التفاعلية حول المدينة هو:  ماذا تعرف عن اليمن؟

كانت الأجوبة تتراوح بين هز الرؤوس للتعبير عن عدم معرفتهم باليمن أو بالتخمين إن كانت دولة في أفريقيا؟ أو هل هي قرية صغيرة في إحدى دول أوروبا!

لقطة من الفيديو الترويجي

بالنسبة لي كانت الحقيقة صادمة! فها أنا قادمة من بلاد تعتبر ” أسوأ كارثة إنسانية في العالم ” محملة بالكثير من الأسى والحزن والمطالبات ومتوقعة كل التعاطف والوعي الكامل بطبيعة الحال في بلادي، ومع ذلك فوجئت بأنه لا يعرفها إلا قلة. وأولئك الذين سمعوا بها مسبقا إما هم ناشطون في المجال الحقوقي والإعلامي أو عرب مهاجرون، ومع ذلك فإن كل ما يعرفونه هو الصراع السياسي الدائر جاهلين تماما الوضع الإنساني وطبيعة الحياة في هذه المنطقة الجغرافية.

الأمر ينطبق على جميع دول العالم، فالمعاناة موجودة في كل مكان وهذا ما أدركته خلال هذه التجربة؛ كنت أتصور أننا وحيدون في حجم الضرر وحجم الصعاب ولكن تبين لي العكس، الظروف تتفاوت ولكنها موجودة في مختلف السياقات! وهنا تأتي الحقيقة الصادمة؛ أن العالم ربما ليس قرية صغيرة كما كنا نتوقع. جميعنا نجهل الكثير عن الأوضاع المعيشية في مختلف أرجاء العالم. وهنا يأتي دورنا في تعزيز فكرة وأهمية إتاحة البيانات والمعلومات بكل شفافية.

يلعب الإعلام دورا كبيرا في الوعي الإنساني، وبالنسبة لليمن فإن معظم القنوات الإعلامية تركز على الصراع والسياسة وخطورة الإرهاب متجاهلة الوضع المعيشي وحقيقة وجود شباب فاعلين راغبين في العيش في مجتمعات مسالمة متعايشة تواكب العالم وتصنع التغيير. وعندما  طرح علي بعض المشاركين في تلك  الفعالية ببرلين السؤال عن الكيفية التي يمكن بها لهم المساعدة في حل الأزمة اليمنية؟، فإن كل ما استطعت طلبه منهم هو نشر الوعي ومشاركة الأخبار التي تبين الوضع الحقيقي للشباب في اليمن للضغط على صناع القرار. و عند عودتي إلى الوطن وعلمي بوجود الموقع شاركته معهم جميعا. لعله يصنع فارقا ولو بسيطا عن تصورات العالم حول اليمن.

الصورة بإذن الكاتبة

 

 

 

شيماء بن عثمان، مواطنة عالمية ويمنية, ناشطة في مجالات الثقافة والسلام وحقوق الإنسان

 

 

 


[1] وثيقة النظرة العامة للاحتياجات الإنسانية في اليمن لعام ٢٠١٩: https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-2019-humanitarian-needs-overview-enar

اظهر المزيد

شيماء بن عثمان

ناشطة ثقافية وطالبة ماجستير دراسات الشرق الأوسط في الجامعة الأمريكية في بيروت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى