fbpx
المجتمع المدنيالنساء والنوع الاجتماعي

 نقاش حول إلغاء مؤتمر تيدكس سيئون للنساء

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

لفت انتباهي وأنا أتصفح الفيسبوك، قبل شهرين تقريبا، أن فعالية بعنوان “تيدكس سيئون للنساء” ستقام في نهاية شهر نوفمبر الماضي في قصر الكثيري التاريخي بمدينة سيئون في محافظة حضرموت اليمنية. وكان ذلك خبرا مبهجا لي وللكثيرين في حضرموت وباقي محافظات اليمن، لا سيما أنه يأتي في فترة يكافح فيها الشباب والشابات من أجل إنعاش الحياة الثقافية والمبادرات الخلاقة في وجه الركود الناجم عن الصراع وغياب الاستقرار في البلد. غير أن السلطات المحلية في حضرموت ما لبثت أن عرقلت مسار الفعالية. ويأتي ذلك، وفقا لوسائل إعلام مختلفة، استجابة لأصوات طالبت بإلغاء الفعالية كونها تتعارض مع خصوصية المجتمع الحضرمي. فما الذي حدث وكيف يمكننا من خلال ما حدث أن نفتح الباب لنقاش وتساؤلات حول مبادرات التغيير الاجتماعي في اليمن؟

فكرة مؤتمر تيدكس في سياقها العالمي

تيد (TED) هي اختصار لتكنولوجيا وترفيه وتصميم (Technology, Entertainment and Design)، وهي اسم سلسلة من المؤتمرات العالمية التي تهدف إلى التعريف بالأفكار الجديدة الخلاقة من أجل إتاحة المعلومات والتجارب المختلفة لتصبح في متناول الجميع تحت شعار “أفكار تستحق الانتشار”. بدأت الفكرة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1984 ثم تطورت في 2006 مع وجود شبكة الانترنت لتأخذ المحاضرات طابعا عالميا يتشارك فيه شخصيات مختلفة تجاربها في كل العلوم والفنون والأنشطة. وفي 2009 بدأت تيد بمنح تراخيص لعقد مؤتمرات في كل العالم وفي أطر محلية وبعد انقضاء كل مؤتمر يحضره الجمهور، تتاح تسجيلات محاضرات المؤتمرات المصورة على مواقع التواصل الاجتماعي لتصل إلى جمهور أوسع من الذين لم يتمكنوا من حضور المؤتمرات بشكل شخصي.

تيدكس في اليمن

نجحت مجموعة من الشباب والشابات في اليمن في الحصول على ترخيص تيد في يوليو 2012، وبالفعل أقيم أول مؤتمر تيدكس في اليمن بعنوان تيدكس صنعاء في ديسمبر 2012 و الثاني في فبراير 2013 ولقي المؤتمران الكثير من الإقبال من المشاركين والمشاركات وكذلك الجمهور الذي حضر الفعالية في محل إقامتها وحين بثها على الانترنت. ومنذ ذلك الحين تتابعت فعاليات تيدكس في عدد من المدن والجامعات اليمنية. ففي يناير 2014 أقيم مؤتمر تيدكس عدن ومن ثم  تيدكس المكلا في فبراير وتيدكس تعز في مايو وتيدكس شباب@ باب اليمن في أكتوبر من نفس العام. وفي مايو 2015 أقيم مؤتمر تيدكس الجامعة اللبنانية الدولية فرع اليمن وفي نفس الشهر أقيم كذلك مؤتمر تيدكس معين للنساء. أما في فبراير 2016 فأقيم مؤتمر تيدكس جامعة صنعاء ليكون بذلك أول مؤتمر تيدكس يقام في جامعة حكومية في اليمن يتكون فريقه من الأساتذة والطلاب الأكاديميين. وفي نوفمبر 2017 أقيم مؤتمر تيدكس صنعاء للأطفال. و في ديسمبر 2019 أقيم كذلك مؤتمر تيدكس صنعاء للنساء تحت شعار “الجرأة والإبداع.”

 وفي المجمل، فقد تتوالت فعاليات تيدكس في مناطق ومحافل يمنية مختلفة. احتوت نشاطاتها على مشاركات من النساء والرجال والأطفال الذين قدموا قصصاً ملهمة للجمهور نسجوها من واقع تجاربهم مع الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية أو الصحية. شملت الفعاليات مشاركات من جميع الأعمار وكذلك شارك يمنيات ويمنيون من ذوي الإعاقة. كما ساهم أكاديميون من مختلف التخصصات في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم الطبيعية والتطبيقية إضافة إلى الفنون بأنواعها.

تيدكس سيئون للنساء

من هنا جاءت فكرة إقامة مؤتمر تيدكس سيئون للنساء  وجرى التحضير للمؤتمر لعدة أشهر في عامنا هذا حتى يقام في 26 نوفمبر. وقد اضطلعت بهذا التحضير منظمة “حضرميات حول العالم” وهي تجمع لطالبات من حضرموت مبتعثات في دول متعددة يدرسن في تخصصات مختلفة. وهدفت فكرة الفعالية إلى تنفيذ حدث عالمي يبث من قصر الكثيري في سيئون على وسائل التواصل الاجتماعي بطابع حضرمي لنقل قصص نجاح نساء حضرموت إلى بقية نساء حضرموت وغيرهن من النساء في العالم. تضمن البرنامج الذي كان مقررا في الفعالية مشاركة عدد من المتحدثات صاحبات الأفكار والإبداعات المحلية والتي تستحق الإبراز والاحتفاء.  ويتخلل ذلك فقرات فنية وترفيهية. كان من المزمع، أيضا، إقامة معرض للفنون يرافقه سوق للمتاجر المحلية لأصحاب المشاريع الأسرية الصغيرة في قصر سيئون. وكان من المخطط أن يذهب ريع المعرض والسوق للمساعدة في ترميم قصر الكثيري التاريخي. وفي فترة التحضير وفور الإعلان عن خطة إقامة المؤتمر، زاد الدعم وحجم التشجيع من رواد صفحات التواصل الاجتماعي من الشابات والشباب والشخصيات العامة والثقافية واشتد الحماس والترقب للمؤتمر. وبدأت صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بتديكس سيئون للنساء بنشر نشاطات الإعداد للمؤتمر من فتح باب التطوع ونشر استمارات تسجيل المتحدثات المحتملات ممن لديهن قصص نجاح تستحق أن تحكى.  والمغزى العام هو تسليط الضوء على نماذج من نساء حضرموت البارزات في الداخل والخارج. كان الشعور الطاغي في البداية إيجابياً وكانت النظرة العامة خلال فترة هذه التحضيرات أن المؤتمر سيكون عاملا مساعدا كي تدعم النساء بعضهن البعض في داخل وخارج اليمن وليرفعن أصوات تجاربهن ونجاحاتهن عالياً.


إيقاف المؤتمر

بعد فترة وجيزة من ردود الفعل الإيجابية حول فكرة المؤتمر، انهال سيل من التهم على منسقي الحدث بل والحدث نفسه. ومن تلك التهم أن المؤتمر دعوة إلى تغريب المجتمع وسلخ المرأة الحضرمية من هويتها و ”خصوصيتها“. جرى توظيف الدين في تلك الحملة من أجل ابتزاز الناس عاطفياً وتحريضهم وتجريم القائمات والقائمين على الفعالية ووصفهم بالعمالة والتبعية للغرب.  صعّد هذا الأمر من زخم الاعتراض المجتمعي ونقله من وسائل التواصل الاجتماعي إلى الشارع. وتدخلت السلطة المحلية في وادي حضرموت وشكلت لجنة رسمية لدراسة برنامج الفعالية و للنظر في إذا ما كانت تلائم خصوصية حضرموت. وخرجت اللجنة بعدة شروط كان من أبرزها أن يكون وادي حضرموت حصراً هو مكان ولادة وإقامة متحدثات المؤتمر وأن لا يكن مغتربات أو عائدات من خارج اليمن. بعد تدخل السلطات بهذا الشكل،  خرج الفريق المنظم في 3 نوفمبر  ببيان إلغاء للفعالية كون إدارة تيد العالمية قررت سحب الترخيص للفعالية.  وأبلغت الفريق المنظم أن الشروط  التي فرضتها السلطات تعد السابقة الأولى من نوعها لكل فعاليات تيدكس في اليمن منذ بداياتها. واعتبرت هذا التدخل إخلالا واضحا لشروط فعاليات تيد  التي تنص على ضرورة تنظيم الفعاليات باستقلالية  وأن يكون معيار اختيار المتحدثين والمتحدثات هو استحقاق أفكارهم للانتشار في المجتمع المحلي. صمتت السلطة المحلية في وادي حضرموت وفي محافظة حضرموت. أما الجمهور، فقد عبر البعض منهم عن استيائه لهذا الإلغاء، ورأى بعض من علق على الموضوع أن في ذلك انتصارا للقيم التي تحافظ على “خصوصية حضرموت.”

خذلان السلطات للمجتمع المدني

تقدم السلطة المحلية نفسها في محافظة حضرموت، التي تعتبر أكثر المحافظات اليمنية استقراراً بالمقارنة بباقي المحافظات اليمنية اليوم، على أنها داعمة للشباب والنساء. وقد أكدت هذا الأمر مراراً وتكراراً في مناسبات عدة . ومن ذلك مؤتمر حضرموت للمرأة الذي رعاه وحضره عدد من قادة السلطة المحلية وقدموا في ختامه وعوداً بتقديم دعم على أرض الواقع لإدماج النساء في مجالات العمل واتخاذ القرار في القطاعات الحكومية وغير الحكومية. كذلك صدرت عدة قرارات في العامين الأخيرين بتعيين مُمثلي ووكلاء محافظة للمرأة والشباب، وآخرها كان تعيين وكيلة محافظة حضرموت لشؤون المرأة، الدكتورة خليل بامطرف. وقد عد هذا التعيين إنجازاً لنساء حضرموت. المفارقة أن بامطرف كانت إحدى متحدثات تيدكس صنعاء 2013  وكان حديثها آنذاك بعنوان  “بين الألم والأمل“، وأبرزت فيه اعتزازها بنجاحها كامرأة يمنية تغلبت على عقبات بالغة الصعوبة حتى تصل لمكانتها كطبيبة وفاعلة مجتمعية. و امتدت تجربة بامطرف مع تديكس إلى مؤتمر تديكس المكلا 2014؛ فقد  كانت مقدمة فعاليات المؤتمر. وهنا لا نملك إلا أن نطرح تساؤلات عن دور ممثلات النساء في القطاعات الحكومية وغير الحكومية في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية ووجود سلطات تدجن نضالات النساء، وتختزلها في سياسيات صورية. فقمع السلطة لتيدكس سيئون للنساء لم يقابل بأية معارضة علنية من تلك النسوة المعينات في السلطة المحلية أو اللجنة الوطنية للمرأة واتحاد نساء اليمن.


ذريعة الحفاظ على “خصوصية حضرموت” والعنف المستتر وراءها

جرت العادة على استعمال مصطلح “الخصوصية” بشكل مبهم ومطاط، وبصورة تعطي انطباعاً بأن الموصوف له صفات طبيعية غير قابلة للنقاش تجعله مختلفاً عن غيره. ولكن ما هي خصوصية حضرموت؟ وكيف يمكن تأطير وتعريف خصوصية منطقة ما بشكل جمعي لا مجال فيه لإبراز قرارات الأفراد والمجموعات الذاتية؟

انتشرت مؤخرا صورة من العام 1974 للمؤتمر العام الأول للمرأة اليمنية الذي انعقد في مدينة سيئون بدعم من الدولة وبرئاسة الاتحاد العام لنساء اليمن زمن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. في الصورة يظهر شعار المؤتمر “لتناضل المرأة ضد الجهل”. من يشاهد الصورة وهو غير مدرك للواقع الحالي لن يلاحظ فيها أمرا مثيرا للاهتمام؛ فهي صورة لمجموعة سيدات يقفن في منصة لمؤتمر يتعلق بشؤون المرأة في حينها. لكن ما لم أستطع تجاوزه هو “سيئون” الظاهرة بشكل واضح على اللافتة خلف النساء. هذا المدينة التي وقع الاختيار عليها لعقد المؤتمر الأول على الإطلاق للنساء في تاريخ اليمن المعاصر. ماذا يعني انعقاد المؤتمر في سيئون وكيف كان من المقبول في حينها وجود النساء بهذا الشكل الذي أصبح تعريفه في وقتنا الحاضر بأنه ينافي خصوصية المجتمع؟

تظهر هذه الصورة كشاهد ودليل على أن “الخصوصية” هي أمر قابل لإعادة الصياغة بحسب تغير الظروف السياسية والاقتصادية وليس حقيقة جامدة تاريخياً. وهنا أتساءل: منذ متى ارتبطت مفاهيم أصبحت سائدة اليوم في اليمن مثل تمكين المرأة وحقوق المرأة بتهديد “الخصوصية المحافظة” للمجتمع اليمني؟ ولماذا دائماً يجب أن نحافظ على خصوصية منتقاة للمرأة تُعرف بشكل شبه كلي عبر الخطوط التي رسّمها المجتمع لأدوار وصفات جوهرانية تتصل بالنساء؛ سواء منها ذلك المتعلق بلباسهن أوبقدراتهن أو بمحددات حضورهن في الفضاء العام؟

دروس مستفادة ونقاش بناء من أجل مستقبل التغيير

قبل البدء في كتابة المقال سألت عدداً من الناشطات والناشطين الشباب في حضرموت عن آرائهم في أسباب ردود الفعل العنيفة التي أفضت إلى توقيف المؤتمر. رأى البعض أنه كان من الممكن للفريق المنظم والمشجعين للمؤتمر تفادي المعارضة المجتمعية إنْ هم عمدوا إلى الترويج للحدث بشكل لا يستفز “خصوصية” المجتمع الذي يرى أن الحدث أمر غريب ودخيل عليه. ورأوا أن ذلك كان سيتم عن طريق اختيار نماذج من البيئة نفسها لتتصدر المشهد؛ أي تجنب السماح لمشاركات يعشن خارج البلد. في نفس هذا الإطار رأى البعض أن القائمات والقائمين على المؤتمر قد خاطبوا المجتمع بطريقة فوقية؛ ومن ذلك وصم أبناء المجتمع المعارضين للمؤتمر بالجهل والتطرف. ورأى هؤلاء أن الحوار  القريب من الناس والمحترم لأفكارهم كان سيحول دون اللجوء إلى التوظيف الديني لتحريك مشاعر الناس.  غير أن آخرين رأوا أن الفريق المنظم  قد بذل جهداً كبيراً بنوايا حسنة وحرص على اختيار النماذج التي يراها مشجعة وناجحة من المقيمين أو المغتربين، غير أن الفريق لم يضع في الحسبان  احتمالية شن حملة مضادة بهذا الحجم.

ورغم اختلاف الآراء وتباينها، فإن التغيير المجتمعي الإيجابي دائما ما يكون هدفا لتناقض الرؤى. وينبغي على رواد التغيير أن أن يكونوا حريصين في خطاباتهم على مراعاة مقتضى الحال والسياق المحلي حتى يجري التغيير بسلاسة، وحتى يقطع الطريق أمام القوى الرجعية التي تسعى إلى تحريض المجتمع باسم الحفاظ على قيم المجتمع. في المقابل هذا لا يعني أن مسؤولية التغيير تقع كلياً على عاتق الأفراد والمجموعات الناشطة، فعلى الدولة كذلك أن تفي بوعودها وأن تحول توصيات مخرجات مؤتمراتها وسياستها المكتوبة على الورق إلى إجراءات تطبيقية. فالدولة وحدها تملك السلطة لتنفيذ السياسات الداعمة للنساء والشباب وحماية القائمين عليها من عنف القوى الرجعية والمتطرفة.

ختاماً أقول لمن ينشدن وينشدون التغيير، لا تتوقفوا عن المحاولة، فالنضال من أجل التغيير عملية تراكمية. ودعونا نأمل مع الشاعر الكبير حسين أبو بكر المحضار “يا الله عسى الوقت يتبدل ويصلح من حال لا حال.”

اظهر المزيد

شيماء بن عثمان

ناشطة ثقافية وطالبة ماجستير دراسات الشرق الأوسط في الجامعة الأمريكية في بيروت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى