fbpx
المجتمع المدني
مقال شائع

 لماذا تستهوي الإذاعات المحلية اليمنيين في زمن الحرب؟

في الألفية الثالثة لم تعُد متابعة الناس لوسائل الإعلام التقليدية في الكثير من البلدان بقدر متابعتهم لوسائل التواصل الاجتماعي أو ما يسمى بالإعلام الجديد أو الالكتروني. يذهب إلى هذا الرأي خبراء في الإعلام، ومنهم، على سبيل المثال، عبدالله كريشان في كتابه الصادر عام 2012 “أثر الثورة المعلوماتية الإعلامية في نشر الوعي السياسي لدى الشباب الأردني”.

لكن الأمر مختلف  في اليمن الذي يعاني قاطنوه من حرب مستعرة لسبعة أعوام، إذ ما زالت الإذاعة تحظى بمكانة مرموقة من بين وسائل الإعلام المختلفة  لدى المتلقين، ليس ذلك فحسب بل إن السلطات الحاكمة من جهة والمستثمرين من جهة أخرى  أصبحوا يتنافسون فيما بينهم لإطلاق أكبر عدد من المحطات الإذاعية. وصل عدد الإذاعات في مختلف المناطق اليمنية إلى أكثر من 60 إذاعة. إضافة إلى محاولات حثيثة يقوم بها البعض  بهدف تطوير محطات إذاعية أخرى تأسست في فترة ما قبل الحرب محاولين الحفاظ على حضور جماهيري يشمل المناطق الحضرية والريفية.

بينت دراسة علمية أعدها الدكتور مجيب الشميري أستاذ الإذاعة والتلفزيون بجامعة صنعاء أن 78،8% من الجمهور اليمني يستمعون بمستوى أو بآخر إلى الإذاعات المحلية الخاصة بوجه عام.

وأوضحت الدراسة أن المجال الإذاعي الخاص في اليمن يحظى بوجود جمهور واسع ومتحفز نحو هذه التجارب الإذاعية مما يرشح ظهور استخدامات أكثر تنوعا لها في المستقبل.

وهنا تبرز للمتابع للشأن الإعلامي أسئلة عديدة تحمل علامات استفهام عن الاهتمام المتزايد بالإذاعات رغم الاستعمال الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي في اليمن. من بين تلك الأسئلة: لماذا تزايدت أعداد  تلك الإذاعات المحلية في كافة المناطق اليمنية ؟وهل لتلك الإذاعات علاقة بالنشاط الاقتصادي السائد في البلد؟ و ما الأثر الذي أحدثته تلك الإذاعات على المتلقين؟ وما الفروقات التي تبرز بين الإذاعات الخاصة سواء المجتمعية أو التجارية، من جهة، والحكومية من جهة أخرى، خاصة في المحتوى البرامجي الذي تنتجه، وما مدى إسهام تلك الإذاعات في السلم الأهلي ،وهل للتمويل أثر في كل ذلك ،خاصةً في خطابي السلم والحرب.

أدوار رائدة

يعود تعلق اليمنيين بالإذاعة إلى نهاية فترة حكم الأئمة في شمال اليمن، حيث تأسست إذاعة صنعاء عام 1946  كأول محطة راديو في الشمال. وإبان عهد الاستعمار البريطاني للجنوب، تأسست إذاعة عدن سنة 1954، ومن ثم توالى افتتاح عدد من الإذاعات الرسمية التابعة للحكومات في كلِ من تعز والمكلا وإب وسيئون، والحديدة ،وحجة،  وصعدة، ومأرب، والمهرة، ولحج، وأبين، وسقطرى، وشبوة، عبر مراحل زمنية متفرقة بين إذاعة وأخرى.

لعبت تلك الإذاعات، خاصة إذاعات صنعاء وتعز وعدن والمكلا ، في أربعينيات وحتى سبعينيات القرن المنصرم، أدواراً هامة في تشكيل الوعي الوطني لدى اليمنيين الذين كانوا في مواجهة مع آلة القمع الاستعمارية للإنجليز في جنوب الوطن، وحكم ديكتاتوري رجعي تمثل في أئمة المملكة اليمنية المتوكلية في الشمال.

وكان معظم من يعمل في تلك الإذاعات نخبة من الشعراء والأدباء والكُتاب والكاتبات، أمثال فوزية عمر وماهية نجيب وجمال الدين الخطيب ومحمد بلجون وصفية لقمان ونجاح راجح  والدكتور عبدالعزيز المقالح، وحسين الصافي، وعلي عيضه، والعزي المصوعي، أمة العليم السوسوه ، وغيرهم الكثير الذين أضحوا  من أهم أعلام الإعلام والثقافة والأدب في اليمن والوطن العربي.

وخلال فترة السبعينات حتى العام 2010 ،ظل البث الإذاعي محتكراً بيد الحكومات المتعاقبة في مختلف المناطق اليمنية؛ إذ إن المحتوى المقدم في تلك الإذاعات كان  موجهاً وفق أجندات تشرف على إعدادها تلك الحكومات .

ومع ذلك لم يخلُ المحتوى الذي كانت تقدمه تلك  الإذاعات من برامج كانت معبرة عن تطلعات واحتياجات المستمعين، مثل برامج “مسعد ومسعده، قضايا وأحداث، واحة اليوم..وغيرها” التي كانت تبثها إذاعة صنعاء، وذات الحال في إذاعة عدن، التي كانت تُقدم برامج حققت شهرة واسعة مثل “ما يطلبه المستمعون، صباح الخير، مجلة الأسرة” وجُلها برامج ارتبطت بذاكرة المستمعين لسنوات طويلة، ومثلها كانت تُقدم برامج أُعتبرت متميزة كبرنامج المجلة الرياضية، في إذاعة المكلا، وبرنامج فتاوى في إذاعة سيئون، وبرنامج صباح تهامة في إذاعة الحديدة، وبرنامج خط الشباب الذي كان يُبث من إذاعة الشباب في صنعاء.

العمل الفني ل أماني باحشوان

تعدد بقيود

عقب قيام دولة الوحدة بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي، اتسع نطاق بث بعض الإذاعات الحكومية، وظهرت إذاعات حكومية جديدة في بعض المحافظات، إذ أن نظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح لم يكن يسمح بتعدد الإذاعات المحلية غير المملوكة للدولة، لكن تلك القيود انكسرت حينما انطلقت فعاليات بطولة خليجي 20 لكرة القدم العام 2010 في مدينة عدن، حيث تم الإعلان حينها عن انطلاق بث إذاعة “يمن إف إم”، التي كان يمتلكها أحمد صالح نجل الرئيس الراحل، كأول محطة (FM) غير حكومية في اليمن، ولم تمض بضعة أشهر حتى تم نقل مقر الإذاعة إلى صنعاء، ويصل بثها معظم الأراضي اليمنية.

انفجار ثوري وإذاعي

وفي عام 2011، انطلق في العاصمة صنعاء وضواحيها بث إذاعة “إف إم شباب ” التابعة لاتحاد شباب اليمن، على موجات الإف إم ،كأول إذاعة مجتمعية تبث أيضاً عبر شبكة الانترنت على مدار ساعتين فقط في اليوم.

وتماشياً مع المستجدات الطارئة التي فرضتها ثورات الربيع في الوطن العربي ومنها اليمن، تغير توجه الإذاعات الحكومية وارتفع سقف الحرية في محتوى برامجها، كان ذلك أمراً لابد من حدوثه حتى لا تجد تلك الإذاعات  نفسها مغردة خارج السرب.

وفي ذات الوقت اضطر نظام الرئيس صالح إلى السماح لعدد من المستثمرين والمنظمات المحلية افتتاح عدد من الإذاعات المجتمعية والتجارية، ومن بين تلك الإذاعات” يمن تايمز التابعة لصحيفة “يمن تايمز” و”حياة إف إم” المملوكة لمجموعة الكبوس التجارية.

وبعد تنحي الرئيس صالح عن الحكم في نوفمبر  2011 منحت الحكومة اليمنية عام 2012 وزارة الإعلام الحق في منح الإذاعات المحلية غير الحكومية تراخيص مزاولة العمل حتى إقرار قانون الإعلام السمعي والبصري والالكتروني ولائحته التنفيذية، حينها انطلق بث عدد من الإذاعات التابعة لجماعات دينية وأحزاب سياسية تحت غطاء الاستثمار في الإعلام المسموع كإذاعات” ناس إف أم” التي كانت محسوبة على شخصيات تابعة لحزب التجمع اليمني للإصلاح، كما شهدت تلك الفترة انطلاقة لإذاعة تابعة للسلطة المحلية في العاصمة صنعاء تحت مسمى “العاصمة”.

في زمن الحرب

وفي عام 2014، سيطرت جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء، ومناطق أخرى في اليمن، حينها اُغلقت الجماعة عددا من الإذاعات الخاصة كإذاعتي”ناس اف ام ،وحياة اف ام”في صنعاء، وإذاعة” وديان اف ام في محافظة الحديدة. وسيطرت الجماعة على إذاعات “صنعاء وإب وتعز والحديدة وحجة وصعدة الحكومية”، وجعلتها ذات صوت واحد، ولون واحد يُبين ويشرح للناس سياسات وأهداف الجماعة الحوثية. وتزامن ذلك مع انطلاق عدد من الإذاعات الفتية تباعاً والتي  تديرها أيضاً قيادات في جماعة الحوثي، كالبث الإذاعي لقناة المسيرة الناطقة باسم الحوثيين وإذاعات” صوت الشعب، سام إف إم، ، الهوية، الرسالة، آفاق، وإذاعة 21 سبتمبر العسكرية التابعة لوزارة الدفاع، وإذاعة وطن التابعة لوزارة الداخلية في صنعاء الخاضعتين لسيطرة جماعة الحوثي”.

وفي ذات الفترة انطلق بث عشرات الإذاعات التي قدمت هويتها على أنها مجتمعية، و غالبيتها إذاعات تعتمد في تمويلها على الإعلانات التجارية  وتقدم  الأغاني لتغطية معظم ساعات بثها، وهي إذاعات تعود ملكيتها لرجال مال وأعمال وأصحاب شركات تجارية، بعضهم  تعرضت تجارتهم لكساد بفعل الواقع الجديد للحرب، وكان عليهم  أن يقتنصوا الفرصة لاستثمار أموالهم في مشاريع إذاعية واعدة تُدر عليهم أرباحاً طائلة من خلال الإعلانات التجارية، وهو الأمر الذي يفسر سبب تزايد أعداد الإذاعات المحلية بُعيد اندلاع الحرب في اليمن.

ومن بين تلك الإذاعات : “صوت اليمن ،ايرام اف ام ، بانوراما إف إم، يمن ميوزك، جراند اف ام ، الحكمة اف ام، برق اف ام ، ألوان اف ام، دلتا، هوا اليمن، الهوية، أصالة اف ام ، طفولة اف ام ،سماره اف ام”. إضافة لإذاعة” طيرمانة إف إم” وهي الإذاعة  الوحيدة التي تبث برامجها باللغة الانجليزية في صنعاء. وإذاعة القرآن الكريم المملوكة أيضاً لمجموعة من رجال الأعمال، وإذاعة ” صحتك إف أم” المعنية بتقديم برامج تهتم بصحة المجتمع.

مؤخراً بدأ بث برامج عبر إذاعة صنعاء الحكومية، من إنتاج إذاعة حكومية تابعة لوزارة الزراعة سيتم إطلاقها بعد أشهر في صنعاء متخصصة في شئون الإرشاد والتوعية والتثقيف والإعلام الزراعي.

،كان لابد على خصوم الجماعة من الحكومة المعترف بها دولياً، وأحزاب يمنية أخرى، أن يؤسسوا إذاعات مناهضة ومعارضة لخطاب الحوثيين، عقب العام  2014حينها أطلقت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إذاعتي  صنعاء وعدن اللتين تبثان من العاصمة السعودية الرياض.

وفي تلك الفترة زاد عدد الإذاعات المحلية في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، أضعاف ما كانت عليه قبل تلك الفترة ففي محافظة حضرموت وحدها انطلق بث عشر إذاعات محلية، وهي” الماهر، نهضة، الأمل، نماء، سلامتك، القرآن الكريم، رؤية، تريم، نور الإيمان، الرشد إف إم ” ، إلى جانب إذاعة ” المستقبل” كأول إذاعة تربوية  متخصصة بطلاب المدارس في اليمن ،إضافة إلى الإذاعتين الحكومتين في مدينتي المكلا وسيئون.

وفي محافظات” عدن ولحج وأبين ، وشبوة هنالك إذاعات تجارية وخاصة تابعة لرجال أعمال كإذاعات ” بندر عدن، لنا ،عدن المستقبل، القرآن الكريم ” إلى جانب إذاعات حديثة. وتبث بعض الإذاعات برامج سياسية موجهة، ومنها إذاعة “هنا عدن” وهي إذاعة تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بانفصال جنوب اليمن عن شماله، تساندها إذاعة “الغد المشرق” التي تبث برامجها من دولة الإمارات.

وفي الجانب المناهض لتلك الإذاعات، وجدت إذاعة شبوة الحكومية. إضافة إلى البث الصوتي لقناة “بلقيس” الفضائية التابعة للقيادية الموالية لحزب الإصلاح توكل كرمان الحائزة على جائزة نوبل للسلام.

وفي المناطق الشرقية من اليمن انطلقت العديد من الإذاعات منها الحكومية كإذاعة”مأرب”، والخاصة، كإذاعة ” الاتحادية إف إم، كما شهدت أيضا عودة بث إذاعة “ناس إف أم”.

وفي محافظة تعز، بجانب بث الإذاعة الحكومية التي تسيطر عليها حكومة الرئيس هادي، انطلقت عدد من الإذاعات الخاصة كإذاعة ” الجند إف إم، وطني إف إم”.

وفي سقطرى والمهرة، انطلق بث إذاعة سقطرى الحكومية ،وراديو “تواصل” الخاص. إلى جانب عودة بث إذاعة المهرة الحكومية بعد توقف عن البث لسنوات طويلة.

كل تلك الإذاعات انطلق بثها عقب العام 2014، حتى يومنا هذا لتُخلق واقعاً جديداً في الإعلام المسموع في  مختلف المناطق اليمنية.

العمل الفني ل أماني باحشوان

نظرة تقييمية

قبيل اندلاع الحرب في اليمن بعام، تحدثت إلى الإعلامي اليمني خليل القاهري وهو اليوم عضو في  اتحاد إذاعات الدول العربية، وواحد ضمن فريق التحكيم في مسابقة المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون لهذا العام. دار حديثنا حول واقع الإعلام الإذاعي والتلفزيوني في اليمن،  وأشار القاهري إلى ضرورة وجود إذاعات وقنوات تلفزيونية على مستوى كل إقليم ومحافظة يمنية.

وفضّل القاهري أن تكون تلك الإذاعات والقنوات غير حكومية لأن الإعلام الرسمي من وجهة نظره يعمل بدون آليات وسياسات وفق رؤى يراها المتعاقبون على إدارة المؤسسات الإعلامية لتنفيذ أجندات سياسية خاصة بالدولة ومشاريعها، وبالتالي يبتعد هذا الإعلام كثيراً عن قضايا وهموم الناس على عكس الإذاعات الخاصة أو التجارية التي أصبحت تقترب من بعض قضايا الناس رغم أن غالبيتها  ذات أجندات تجارية وربحية بحتة. وهو الأمر الذي يتطابق مع وجهة نظري الشخصية.

ورغم ذلك التنوع إلا أن دور الإذاعات المجتمعية في اليمن ما يزال قاصرًا. فوفقاً لدراسة صادرة عن مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، فإن ما نسبته 80 بالمائة من برامج الإذاعة تحتوي على مواد ترفيهية،  ولا تحظى قضايا مهمة مثل تلك المتعلقة بالمرأة والطفل والشباب والخدمات الأساسية للمواطنين إلا بما نسبته 20 بالمائة من المحتوى المقدم.

الدور المنشود

من خلال خلاصة أحاديثي مع عدد من خبراء الإعلام في اليمن، ومنهم المذيع المخضرم عقيل الصريمي، ومع أساتذة الإعلام في كليات الإعلام ومنهم  الدكتور محمد الشميري، والدكتور أحمد العجل، وكذلك مع الإعلامي علي صلاح أحمد  الرئيس السابق لقطاع الإذاعات المحلية في اليمن- فإن وجود عدد كبير من الإذاعات المحلية في اليمن  يُعد ظاهرة إيجابية .

وذهب البعض منهم إلى  أن القاسم المشترك بين الإذاعات  المحلية التي انطلق بثها عقب العام 2014،هو تشجيعها على إبراز ثقافة ولهجات وعادات أبناء المحافظات التي ينطلق بثها من أراضيها ،إضافة إلى تبني غالبية تلك الإذاعات لخطاب يمثل وجهة نظر الجهة التي تمولها، وهذا أمر لا غرابة فيه.

لكن الأمر المستهجن هو تبني بعض الإذاعات المحلية خطاب يحرض على العنف واستمرار الحرب. يقول القائمون على تلك الإذاعات خلال لقاءات أجريتها معهم أن  هذا الخطاب يُعد  حقا مشروعا.  فكل طرف يرى أن الطرف الآخر عدواً له، وللوطن.

قديماً لعبت الإذاعات أدواراً هامة في زمن الحرب، ففي بريطانيا كانت إذاعة “بي بي سي” تمارس أنشطة سرية أثناء الحرب العالمية الثانية، تضمنت تلك الأنشطة  بثّ رسائل مشفرة إلى مجموعات مقاومة أوروبية.

وبحسب موقع “بي بي سي”، فإن ذات الإذاعة كانت حينما تريد تُوجَّيه رسائل للمقاتلين كانت  تبث مقطوعات موسيقية بعينها، وحينما يقع هجوم على الانجليز كانت تبث نسخة مسجلة من دقات ساعة “بيغ بين”، وحينما كانت الإذاعة البريطانية تنشر مادة مكان أخرى ، فهذا يعني  أن هدفا مخطئا قد يُنسَف في بولندا.

في اليمن تحرص جماعة الحوثي على أن يكون جهاز المذياع رفيقاً للمقالتين في مختلف الجبهات؛ إذ تبث الإذاعات التابعة للجماعة زوامل  ومحاضرات تحث المقاتلين على الصبر واستمرار القتال، ولا يمكن أن يتكرر ذات المشهد  في الجبهات التابعة لمقاتلي الحكومة.

وفي مناطق آهلة  بالمدنيين لم تستثنِ نيران الحرب الإذاعات المحلية؛ فمنذ العام 2014، قصفت طائرات التحالف العربي ، مقر إذاعة الحديدة ،ومحطات إرسال إذاعة تعز  بالحوبان، كما قصفت ذات الطائرات في صنعاء  أبراج إذاعة صنعاء ،و محطات الإرسال الإذاعي لراديو يمن إف إم .

قبل أيام أقدم مسلحو جماعة الحوثي على إغلاق إذاعة خاصة بالقرآن الكريم في منطقة بيحان بشبوة، الأمر الذي يعني أن تبادل الانتهاكات المرتكبة بحق الإذاعات المحلية في اليمن من كافة الأطراف يهدد استمرار عمل تلك الإذاعات التي  ينبغي أن تكون، في حالتها المثلى، من وسائل التعبير الديمقراطي والنقاش المجتمعي العام.

علي الموشكي، رئيس شبكة الإذاعات المجتمعية في اليمن قال: إنه ومجموعة من مدراء الإذاعات المجتمعية في اليمن يسعون إلى استمرار بث إذاعاتهم المجتمعية التي تواجه صعوبات جمة في تمويل برامجها، على عكس الإذاعات التابعة للسلطات الحاكمة أو التجارية.

في الآونة الأخيرة أنتج شبكة الإذاعات المجتمعية برنامج “بسمة وطن” الذي يبث أسبوعيًا على العديد من المحطات الإذاعية في اليمن، بهدف نشر “ثقافة السلام” و”الدعوة إلى وقف و تعزيز روابط الأخوة والتسامح بين اليمنيين.

استمعت لفقرات برنامج” بسمة وطن”، فأعجبتني فقرة تستضيف طلابا من حضرموت يدرسون في جامعات صنعاء، وطلابا من مناطق شمالية يدرسون في جامعات عدن وشبوة وحضرموت، ويُطمنون أهاليهم أنهم يعيشون بأمان وسلام.

مؤخراً صرحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو)أن الإذاعات أثبتت مرونتها وقدرتها على التجدّد؛ إذ ساهمت في نشر المعلومات الموثوقة بشأن فيروس كورونا، والتوعية بشأن الإجراءات الاحترازية اللازمة لكبح انتشاره.

كما صرح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس  أن “الإذاعة تعتبر وسيلة حيوية لإعلام المتضررين بالحرب ولم شملهم ومدهم بأسباب التمكين. داعياً إلى الاعتراف بما للإذاعة من قدرة على تعزيز الحوار والتسامح والسلام. وقد احتفل العالم للعام العاشر على التوالي بيوم الإذاعة العالمي الذي تحييه عدد من الإذاعات في العالم في  13فبراير/شباط  من كل عام بدعوة من اليونسكو وبمناسبة مرور ربع قرن على اختراع المذياع. عنونت اليونسكو احتفالاتها هذا العام تحت مسمى ” إذاعة متجددة لعالم متجدد – التطور، الابتكار، الربط”.

لم يحتفِ اليمنيون باليوم العالمي للإذاعة هذا العام، لأنهم منشغلون بهموم الحرب التي تسرق كل شيء جميل في بلادهم. ومازلنا نأمل أن يتحمل القائمون على إدارة الإذاعات المحلية مسؤولياتهم تجاه بث الأمل وإشاعة قيم التعايش والمحبة والسلام في وطن عُرفت أرضه ذات يوم بالسعيدة.

اظهر المزيد

علاء الدين الشلالي

صحفي مستقل، ومعد ومقدِّم برامج. الشلالي حاصل على بكالوريوس في الإعلام، ودبلومات في الصحافة والعلاقات العامة والإعداد والإخراج التلفزيوني والإذاعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى