fbpx
تاريخ

تذكُّر سبتمبر: أشكال اتصال الحاضر بالذاكرة

ربما كان كل بعث لذكرى قديمة خلّاقًا بالضرورة، أي يعيد بشكل أو بآخر خلقها، ولكن هذا الخلق في المجال العمومي ليس ممارسة بلا سياق سياسي-اجتماعي أو أغراض أيديولوجية. ثمة شكلان رئيسان من التذكّر: الأول هو الاستحضار المتنوّر الذي يعي الفارق بين التاريخ والذكرى ولا يخشى من نشر الوعي به اجتماعيًا لأنه أولًا يعلن توظيفه الذكرى لكي تناسب المستقبل، وثانيًا لأنه بذلك يؤدي مهمة تنويرية أساسية وهي فتح العقول على التفكير النقدي الهادئ بمنعه التعصّب الأعمى للذكرى ضد التاريخ. والثاني هو الشكل الرجعي الذي يهدف إما إلى توثين وضع قائم مهترئ عبر اختزال إحياء الذكرى في الشكل الكرنفالي، وإما إلى توظيف “استرجاع” الذكرى في مشاريع “الرجوع” إلى الماضي، وليس ثمة مناسبة يمنيّة تتكثّف فيها أشكال وأغراض وتناقضات التذكر والإحياء مثل ثورة 26 سبتمبر 1962.

الصورة مأخوذة من موقع المؤرشف حسين العمري http://alamree.net/alboum-sanaa_8.htm

البعث الكبير: سبتمبر المستقبل

 أتت ثورة الحادي عشر من فبراير عام 2011 واجتاحت طول البلاد وعرضها، وكما بعثت قوة الناس وقدرتها على الفعل الاحتجاجي والتدخل الجريء والحاسم في الشأن العام، بعثت الذاكرة، وربما كان بعث الذاكرة شرطًا لا يتم دخول الشعب للمجال العام بدونه، أي تجسير الحاضر للمسافة مع الماضي واستكناه أعماق فيه غابت وغُيِّبت، وكان أوضح ما بعث ثورة سبتمبر ورموزها وأحداثها، تلك الثورة التي كانت قد غدت بالنسبة لليمنيين في أواخر عهد علي صالح مجرد إجازة رسمية ومناسبة يستعرض فيها النظام سطوته على المجتمع بالاستعراضات العسكرية.

 لم يأخذ هذا البعث شكلًا نقاشيًا محمومًا داخل خيم المعتصمين  فحسب، بل وعبّر عن ذاته بصريًا؛ الساحات آنذاك امتلأت بصور لشخصيات يمنية تاريخية تنتمي لحقبة ثورة سبتمبر، وازدحمت الميادين وجدران الخيام بصور قديمة بالأبيض والاسود لوجوه من أجيال مناضلي التنوير والجمهوريّة، مثقفين وسياسيين وعسكريين.

راهنيّة ذكرى سبتمبر كانت في أفضل شروطها: لم يكن خطر الحوثيّة قد استطار بعد، وبالتالي لم يكن تذكر ثورة سبتمبر محاربة لأشباح تطاردنا من الماضي، بل صراعًا ومحاسبة لأحد المنتجات المنحرفة للجمهورية ذاتها وهو نظام صالح، وبالتالي بقي النقاش حول سياسات النظام “الراهن” الذي جوّف الجمهوريّة بحثًا وشقًا لطريق يتجاوز “جمهورية صالح”، وفي كلام آخر كان سبتمبر يستحضر مع انشغال بالمستقبل ولم يستهلك تمامًا في الصراع مع النظام، وما جعل ذلك ممكنًا هو أن ثورة فبراير نفسها كانت تطرح أفقها الخاص: الديمقراطية والمواطنة والعدالة الاجتماعية وبناء هوية وطنيّة ترأب الصدوع التي شقّت المجتمع في آخر عقد من حكم صالح.

الصورة مأخوذة من موقع المؤرشف حسين العمري http://alamree.net/alboum-sanaa_9.htm

كانت قيادات المعتصمين من المسيسين والمثقفين ترى في فبراير امتدادًا أصيلًا لثورة سبتمبر وباقي محطات النضال اليمني لبناء دولة حديثة في القرن العشرين. وكان لهذا التصوّر وجاهة في بعض جوانبه. أولًا ثمة اتصال  تاريخي بين الحدثين؛ يمكن المجازفة بالقول إن ثورتي سبتمبر 1962 وأكتوبر 1963 اضطلعتا بمهمة تحويل السكان في اليمن إلى شعب، وهذا تحوّل جذري في مجمل التاريخ اليمني. اليمن الشمالي لم يكن قبل ثورة 62 مجرد “دولة متخلفة” فحسب كما يشيع في الدراسات التي تتناول التاريخ اليمني؛ رغم فداحته حينها، تخلف البلاد بحد ذاته أمر ثانوي تحليليًا والتوقف عنده وصفًا للدولة والمجتمع آنذاك لا يقول الكثير حول السياق التاريخي والاجتماعي لنضال جيلي التنوير والجمهوريّة ومن ثم فهم دورهما التاريخي، كما أن ذلك التخلف الفادح الذي يتفنن الباحثون عادة في تصوير مداه –وأغلبه ليس مبالغات- يفرض على المثقف تفسيره وليس اعتباره تفسيرًا.

كانت المملكة المتوكلية دولة سلطانيّة وليس دولة حديثة فاشلة، وهذا تمييز حاسم في التأريخ للتحديث في اليمن؛ مفاهيم مثل الخدمة العامة، البيروقراطية، المواطن، الشعب، الدستور، الاقتصاد الحديث (عملة وطنية، بنك محلي)، السجل المدني.. إلخ لم تكن آنذاك مشوهة أو مفرغة من محتواها حتى يكون لوصف البلاد بالتخلف دقة تحليلية. الأمر كان أعمق من ذلك؛ تلك المفاهيم لم يكن لها وجود أساسًا، ولم تبدأ السلطة في التفكير بها إلا مضطرة وبتلاعب وتردد فاقعين في أواخر عهد الإمام أحمد حميد الدين (1891-1962).

إذًا يمكن القول إن اليمن كمفهوم حديث، أي كدولة لها شعب و”تراب وطني” وأساطير تؤسسه، كيان خلقه نضال اليمنيين منذ ثلاثينيات القرن العشرين الذي مر بمركب الفشل والتطوّر، منذ “ثورة الدستور” عام 1948 مرورًا بحركة 1955  وصولًا إلى ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر اللتين أنجزتا المهمة وحوّلتا السكان نظريًا من “رعيّة” إلى “شعب”.

بتعميم مفرط، كان النضال السياسي اليمني التالي لثورتي الستينيّات مُركّزًا في هدفين: الوحدة بين الجمهوريتين –والتي أنجزت عام 1990- وتحويل اليمني إلى مواطن، واستمر تراكم النضال الأخير منذ الستينيات حتى بلغ ذروته بثورة فبراير عام 2011. وعليه يمكن اعتبار الثورتين –أو هدفيهما على الأقل- مرحلتين في مشروع تشكيل دولة جمهوريّة حديثة تمثّل شعبًا تراه مكونًا من أفراد ولا تتعامل معهم أو تعترف بهم إلا بصفتهم مواطنين.

على جانب آخر، كان بعث ثورة سبتمبر عام 2011 مواصلة لمشروعها الضخم (إنتاج الشعب) ومساهمةً في تحقيق مشروع فبراير الطموح (تكوين هوية وطنيّة) في ذات الوقت؛ تخيل ماضٍ جماعي مشترك واستحضاره والمراكمة عليه هو أحد مداميك الهوية الوطنية الحديثة وشرط استمرار “الشعب” في إعادة إنتاج متماسكة لذاته.

الصورة مأخوذة من موقع المؤرشف حسين العمري http://alamree.net/alboum-sanaa_9.htm

أحلام الرجوع

   أُقفلت مرحلة التذكّر المتنور لسبتمبر سريعًا حين غزا شبح الماضي، الحركة الحوثية، صنعاء في 21 سبتمبر 2014 بتسهيلات ودعم سخي من الرئيس السابق علي عبد الله صالح.

من زاويتي السياق والتحليل السياسي-الاجتماعي، كان تحالف الحوثيّة مع صالح ثورة مضادة نموذجيّة في إطار شرط جهاز الدولة والبناء الاجتماعي في اليمن، حتى أن الحوثيين يحتفلون كل عام بـ “ثورة 21 سبتمبر”. ومن هنا كان يوم 21 سبتمبر هزيمة منكرة لثورة فبراير قبل أي طرف آخر، ولكن ضغط الذاكرة وطائفية الحوثيين واتصالهم الأيديولوجي بحقبة آل حميد الدين على مختلف المستويات، وعداء الحوثية لثورة سبتمبر كما يعبّر عن ذلك في قنوات ثانوية وليس على المستوى الرسمي حتى الآن، وثقل الوزن الرمزي للحدث (مثل وقوع تاريخ اجتياحهم لصنعاء قبل أسبوع من الاحتفال بذكرى ثورة 62)_ كل ذلك أعطى الحدث بعدًا جارفًا يصعب إهماله: لقد بدا اجتياح الحوثيين لصنعاء انتقامًا وإرواءًا لغليل ثأر تاريخي عمره نصف قرن من ثورة سبتمبر ونجاحاً فيما فشل فيه “أسلاف الحوثيين” حين حاصروا صنعاء في نهايات خريف عام 1967.

اللافت في الأمر أن هذا التوحد التاريخي بين ثورتي فبراير وسبتمبر بسبب تجدّل حقيقة سياق اجتياح صنعاء كذروة نجاح الثورة المضادة (بقيادة علي صالح) مع ندوب الذاكرة الشعبية التي نكأها خطاب وممارسات وأيديولوجيا الحوثيين (الركن الثاني سياسيًا في الثورة المضادة ولكنه واجهتها والأول خطابيًا)، لم ينتج عنه استحضار موحد وحديث لسبتمبر، بل على العكس من ذلك، ازداد العداء لثورة فبراير شراسة داخل معسكر النظام وبعض القطاعات الاجتماعيّة، وتشظّى الوعي بالتاريخ وانتكس استذكار سبتمبر إلى دَرَكٍ رجعيّ، بدون وعي حينًا وبوعي أحيانًا. الرجعي هنا مقصود بمعناه الأيديولوجي الضيق؛ تذكر سبتمبر منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2014 ثم الحرب الإقليمية عام 2015 تذكر يطمح للرجوع إلى “الماضي”، مع اختلاف في مضمون هذا الماضي المستعاد، وهو عمومًا يدخل في باب العجائب التي يتحفنا بها الواقع السياسي في اليمن: أن يوظف عتاة المُحافظة (تحديدًا الإسلاميّون وقواعد نظام صالح) ثورةً مفصلية، بلا مواربة أو تردد، في الترويج لأحلام رجعية!

وجدت تقريبًا كل القوى المناهضة للحوثية ملاذًا في 26 سبتمبر، واستخدمته لعدة أغراض، وهو استخدام يعادل بين الثورة ومنجزها التاريخي وهو الجمهوريّة. هذا العنوان العريض (الجمهورية) الذي يجمع أهم القوى المناهضة للحوثية يعطي انطباعًا بأن ثمة توافقًا بين القوى السياسية على الأرضية الوطنية، ولكن بقليل من التأمل يتبيَّن أن “الجمهورية” متفق على فحواها إذا عُرّفت بتعريف سالب: الجمهورية هي اليمن بدون نظام ملكي إمامي، وبالتأكيد هي اليمن غير المحكومة بالقوة الحوثيّة، وليس أكثر من ذلك.

أول أشكال الفهم الرجعي لسبتمبر هو اعتبار ثورة 62 ثورة ضد عرق- طائفة وليست ضد حكم طائفي – عرقي، وعليه تصبح الجمهوريّة معاداة لأطراف حقيقية (عائلة حاكمة) أو وهمية (سلالة، طائفة) وليست مفتتح مشروع التحديث في اليمن، وعلاوة على عوار هذا الإدراك سياسيًا وقيميًا فهو أيضًا غير صحيح من الزاوية التاريخية وينم عن جهل مركّب بتاريخ ثورة سبتمبر وسياقها وصنّاعها.

 أصحاب هذا الفهم يمدون خطوطه على استقامتها فيفسرون الواقع الراهن من منظور هاشمي- غير هاشمي فحسب، وهكذا يُهمش كل نقاش مهما كانت حيويته ما دام يقع خارج هذا الاستقطاب، موضوعات مثل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمواطنة وحريات الناس والوحدة وكفاءة البيروقراطية والأسلوب المهني في إدارة الحرب والدولة والإعلام تصبح نقاشات غير مهمة وفي أكثر الأحوال “تسامحًا” نقاشات مؤجلة. في كلام آخر هذه الرؤية البدائية للصراع المحتدم في اليمن تعادي العقل والتاريخ؛ كل شيء حينها يمكن تفسيره بثنائيات أزليّة تشكّل عادةً أخصب تربة للبارانويا الجماعيّة وجنون المؤامرة والديماجوجيا.

الصورة من wikimedia, public domain

الشكل الثاني متصل بالأول ولكن قطره أكبر، وهو استخدام معاداة الجمهوريين لنظام الإمامة رؤيةً وموقفًا من التاريخ برمته. النتيجة الموضوعيّة لهذا الفهم هي الخروج من الحاضر والمستقبل تمامًا، واختراع معارك يصعب على المرء حتى وصفها بالأيديولوجيّة بسبب طابعها الغوغائي.

في إطار هذا الفهم، لا يصبح بحث أسباب وسياق ما وصلنا إليه قابعًا في تاريخنا المعاصر –ومن ضمنه ثورة سبتمبر- والإشكالات الهيكلية في بناء الدولة اليمنية الحديثة وأنماط الإنتاج الاقتصادي وسوسيولوجيا المثقفين والمجتمع الحزبي والتركيبة الاجتماعية وتفتت الهوية وتفاعلات الإقليم وعلاقات الجغرافيا بالتنمية والريف بالمدينة، بل تصبح العلة كامنة في سردية بسيطة: العلة هي “قُريش” وما اقترفته من “هدم مقصود للحضارة اليمنية القديمة”، وما ثورة سبتمبر إلا فعل بطولي خلاصي أنهى هزيمة مريرة عمرها ألف عام.هذا الفهم لسبتمبر يستنزف الحاضر في معارك فقيرة المضمون وخطيرة الأثر بسبب طابعها التحريضي، وبلا قيمة لبناء الجمهورية “الآن”. وهو يظهر نجاح الحوثيّة في فرض منطقها على حيز النقاش السياسي؛ فعقيدتها التي يأخذ فيها “العرق” مكانة مركزيّة انتصرت عند خصومها الرجعيين، مع فارق كبير بالطبع بين سلطة أمر واقع تمارس العنصرية بالعنف وحلقات ضيقة من الديماجوجيين في شبكات التواصل الاجتماعي. علاوة على ذلك، يمتد أثر هذا الاستحضار إلى الفهم الموضوعي للماضي فيضرب سياجًا شائكًا حوله، فيحجم أصحاب الرأي العقلاني والنظر العلمي عن الاقتراب من الماضي مخافة وصمهم بالخيانة و “عدم الأصالة” وغيرها من التهم التي يسهل على الشعبوية إطلاقها. في مناخ مماثل، يصعب على مثقف أو باحث أن يقول إن هذه الأفكار اصلاً تظهر جهلاً غير بسيط بتاريخ اليمن وانهزامًا أيديولوجيًا أمام ادعاءات الإمامة بأنها قدر اليمنيين، ويصعب عليه أكثر القول إن ثورة سبتمبر مفصلية في التاريخ الحديث ولكنها قطعًا ليست رفعًا لظلم القرون أو ثأرًا لقوميّة لا وجود لها!

بناءًا على هذه “الرؤية”، ظهرت أصوات عالية –ولكنها ضعيفة الوزن اجتماعيًا وسياسيًا لأسباب موضوعية- تحاول إحياء “قوميّة” يمنيّة مفترضة سابقة للغزو “القُرشي”. ومن ضمن ذلك إحياء كتابة المسند والأسماء والألقاب السبئية والحميرية القديمة وما إلى ذلك. اليمن بطبيعة الحال ليست أول من عرف هذه الأصوات عربيًا؛ فقد عرفت مصر النزعة الفرعونية ولبنانُ الفينيقيةَ ..إلخ؛ فهي من أعراض فشل الدولة العربيّة في بناء هوية وطنيّة/قُطريّة تتصل بالهوية بالقوميّة. بطبيعة الحال هذه “الأفكار” لا تصل لمرتبة المشاريع بعد، ومحكوم عليها بالفشل لأسباب كثيرة قد نناقشها في مناسبة أخرى، رغم انتشارها في حلقات ضيقة تشمل أحيانًا بعض الكتاب والصحفيين. فشل هذا الفريق “النخبوي” –وهو نخبوي الموقع لا الموقف والأسلوب- في التفريق بين الدور المتحفي للتاريخ القديم في بناء الهوية، وبين كيفية بناء وترميز الهوية الحديثة، يلحق ضررًا بأي نقاش لتجاوز الواقع وإنقاذ وجود اليمن كدولة، بالإضافة إلى تناقض أساسي يقع أصحابه فيه: يمكن لتيارات سياسية تقول إنها تنطلق من مبادئ جمهورية سبتمبر وتنتسب تاريخيًا إليها أن تكوّن مواقف سلبية من أيديولوجيا القومية العربيّة أو الناصرية كأيديولوجيا وليس كمواقف عروبية، ولكن موقف جمع الانتساب إلى جمهورية سبتمبر مع معاداة للعروبة يوقع أصحابه في تناقض مع استنتاج تاريخي من ثورة 62 والحرب بين الملكيين والجمهوريين وهو حيوية الدور القومي العربي، والذي يمكن مناقشته ونقده وتحليله ولكن لا يمكن –في حالة ثورة سبتمبر- إنكاره.

الصورة مأخوذة من موقع المؤرشف حسين العمري http://alamree.net/alboum-sanaa_9.htm

ثم نصل أخيرًا إلى أحدث توظيف رجعي لسبتمبر –على ما في العبارة السابقة من غرابة تفجر السخرية والأسى- وهو معاداة ثورة فبراير 2011، ويتزعم هذا الفريق بطبيعة الحال حزب المؤتمر الشعبي العام. كان الخطاب المؤتمري قد همّش الحديث عن “الجمهوريّة” منذ تحالف علي صالح، رئيسه السابق، مع الحوثيين، وركز هجومه على فبراير باستحضار سبتمبر والمقارنة بين نتائج و”نجاحات” سبتمبر و”فشل” وغوغائية فبراير، ثم وظف سبتمبر في تحشيد القواعد الشعبية خلف علي صالح ضد السعوديّة منذ 2015 ولكن مع تهميش لسبتمبر نفسه كثورة ضد حكم طائفي-عرقي، مراعاة للحلفاء الجدد. وعمومًا يبدو أن توظيف صالح وحزبه لثورة سبتمبر هو الأكثر براغماتية ونقاءً من أي قيم أو مبادئ حتى لو كانت رجعيّة، باستثناء مبدأ واحد وهو خدمة مصالح النظام وثارات رئيسه. هذا التلاعب بالفكرة الجمهوريّة واستخدامها في التنقل الذي لا يعرف حدودًا بين المواقف والسياسات المتناقضة في ظرف ثلاث سنوات (التحالف مع الحوثيين ومساعدتهم على اجتياح المدن اليمنية لدعوة للانتفاض ضدهم، التحشيد ضد السعودية/التحالف مع السعودية) كان الشرخ الأول والأضخم –منذ حصار السبعين يومًا عام 1967-  للإجماع الوطني التاريخي على المبدأ الجمهوري، والذي كان بدوره عاملًا –لا يُذكر عادة- من العوامل التي أجهزت على قوة صالح الاجتماعية؛ لا يمكن لطرف أن يتلاعب بالعمود الوحيد الذي يرفع خيمة المجال العام اليمني منذ عقود وهو الجمهورية بأشد تعريفاتها مرونة (التعريف السالب) بهذه اللا مبالاة المتطرفة ويتوقّع أن تتبقى له مصداقية أو وزن شعبي.

على كل حال، وبالعودة لاستعمال ذكرى سبتمبر لمهاجمة فبراير، لا حاجة للاستفاضة في شرح التجهيل الممنهج في المقارنات المؤتمرية بين الثورتين؛ تاريخ ثورة سبتمبر كان أكثر صراعية وعنفًا وملحمية من الصورة المؤتمرية السطحية عنها.. كانت حدثًا إنسانيًا كبيرًا فيه تناقضات وأخطاء وخطايا، وليست فريق الأخيار ضد فريق الأشرار.

منذ بدأت حدة الصراع المكتوم بين علي صالح والحركة الحوثيّة تزداد نهاية صيف 2017، عاد المؤتمر ليبعث “الجمهوريّة” من جديد في خطابه في محاولة متأخرة للتحشيد ضد الحوثيين، والمقصود عمليًا “جمهورية صالح” التي تريد شظايا حزب المؤتمر اليوم استعادتها. جمهوريّة صالح لم تكن طائفيّة ولكنها شرخت المجتمع بالمناطقية والتحالفات الجهويّة، خطابها العام إسلامي محافظ مع تلبرل متهور اقتصاديًا منذ منتصف التسعينيات، وفيها منافذ للترقي الاجتماعي وتحصيل الحقوق عبر قنوات الفساد داخل الحزب ومؤسسات النظام والعلاقات الاجتماعية، كما يمكن فيها للرئيس أن يوظف أبناءه وأقاربه في كل مفاصل الدولة العسكرية والاقتصادية بشكل تخجل منه الأنظمة الملكية_ دون أن يراودها الخجل حين تصف نفسها بأنها “جمهوريّة” أو حين تحتفل بذاتها.

حسم الحوثيون الصراع مع صالح في غضون يومين، وتخلى البعث المؤتمري لسبتمبر بعد مقتل صالح في ديسمبر 2017 عن التحشيد ضد السعودية بسبب تغير التحالفات، ولكنه استمر حتى يومنا هذا في التركيز على غرضين: الغرض الأول الذي فشل فيه فشلًا ذريعًا وهو التحشيد ضد الحوثيين، والثاني، وهو الغرض الثابت منذ عشرة أعوام، العداء المثابر لثورة فبراير.

ما العمل؟

الصورة مأخوذة من موقع المؤرشف حسين العمري http://alamree.net/alboum-sanaa_8.htm

لتجاوز “أحلام الرجوع”، يمكن تقرير تمييزين يعينان على فهم دور ثورة 62 في اليمن “الآن” و”هنا”:

الأول أن ثورة سبتمبر اقتحام عنيف لمرحلة التحديث بأفق أخلاقي رحب، أما معاداة الثورة للإمامة وبيت حميد الدين فكانت، من منظار تاريخي، أمرًا ثانويًا، رغم الحرب الأهلية الضروس في الستينيات وكل ندوب الذاكرة؛ لو أن عائلة قبلية-فلاحيّة حشدت الناس وانتفضت على الإمام البدر في 26 سبتمبر 1962 ثم حكمت وأبقت على الدولة السلطانية بمنطقها ورعيّتها وتقسيماتها الطبقية_  لما عنى هذا التاريخ شيئًا ذا بال لليمن والذاكرة الشعبية.

الثاني أن الثورة الحديثة لا معنى لها بدون بُعد المستقبل، وهذا مما يميزها من الانتفاضة والاحتجاج وبقية أشكال الرفض الجماعي في المجال العام. وبالتالي فأي استحضار واعٍ لسبتمبر بدون الانشغال بسؤال مستقبل اليمن هو –في أحسن الأحوال- زيارة لمقبرة: نأخذ منها عظة وعبرة، وربما تهيج الذكرى والأسماء على شواهد القبور في نفوسنا شيئًا من الحنين، ولكنها لا تعني شيئًا للمستقبل.

من هذين المنطلقين، يتوجب على مجتمع المثقفين والطلائع المسيسة الشابة الإجابة على سؤال  أساسي: ما هي “الجمهورية” التي نتحدث عنها أو كيف يجب أن تكون؟

مداخلة كاتب المقال بخصوص هذا السؤال تتلخص في أن الاستحضار المتنور والفاعل لسبتمبر غير ممكن بدون ثورة فبراير؛ فالأخيرة هي الإجابة الأضخم والمُعمّدة شعبيًا على سؤال الجمهوريّة: جمهورية ديمقراطية مستقرة وموحدة تعترف بالمواطن وحقوقه السياسية والاجتماعية وحرياته المختلفة، ويبقى على القوى السياسية والمدنية الالتزام بركائز الإجابة العامّة ثم مقاربتها عبر برامج وطنية تأسيسية (مثل وثيقة الحوار الوطني) وعبر برامجها الأيديولوجية الحزبيّة الخاصة (ليبرالية، إسلامية، يسارية،..إلخ)، مع إدراك للواقع الذي فرضته الحرب الزبون التي تدور رحاها في البلاد منذ ست سنوات.

التغافل عن أفق فبراير وقوف في عام 1962 وليس استلهامًا له، وعلينا الإدراك –رغم كل هذا الدمار- بأن استلهام سبتمبر يفترض به أولًا المساهمة في تجاوز الحوثيّة وليس فقط التحشيد ضدها.

الصورة بإذن من حمزة شيبان

ثورة فبراير هي الثورة الوحيدة التي شملت اليمن الموحد، وهذا يفتح نقاشًا يُهمل عادة عند استحضار سبتمبر وهو مكان الجنوب فيه. إذا كنا نتحدث عن “الجمهوريّة اليمنيّة” فعلينا دائمًا التذكير بحقيقتين: الأولى هي دور الجنوب في ثورة سبتمبر سواء مشاركة الأفراد أو دور عدن كمنصة للنضال ضد الإمامة في النصف الأول من القرن العشرين، والثانية، والأهم، هي أن ثورة 14 أكتوبر 1963 كانت في المقام الأول كفاحًا مسلحًا ضد الاستعمار البريطاني، والذي كان رسميًا في عدن، ولكنها أيضًا خلقت جمهوريّة خلقًا من مجموعة سلطنات ومحميات. تاريخيًا، كانت ثورة سبتمبر حدثًا ضخمًا من حيث ارتداداته الإقليمية وريادته اليمنيّة، ولكنها اندلعت في دولة سلطانيّة مركزيّة وُحّدت في عهد الإمامة، أما ثورة أكتوبر فلم تحزعلى هذا الامتياز التاريخي واحتاجت إلى أن تكافح الاستعمار ثم توحد سلطنات ومحميات –بطابع سلطاني يقارب نظيره في المملكة المتوكلية-  قارب عددها العشرين بالقوة ثم تخلق منها دولة حديثة كانت مساحتها تقارب ضعفي مساحة الجمهورية في الشمال، وهذا بالتأكيد أضخم عملية توحيد وبناء لدولة في التاريخ العربي المعاصر.

إذًا، وفي سياق إحياء ذكرى الجمهوريّة، يجب ألا ننسى أن التجربة الجمهوريّة في الشطر الجنوبي كانت مثل التجربة في الشطر الشمالي محاولة جريئة ومؤلمة للتحديث وتجاوز زمن الإمبراطوريات ببناء دولة حديثة، كما أن منح جمهوريّة الستينيات أفقَ ثورة فبراير يستطيع المساهمة في تجاوز القوى الانفصالية المتطرفة، وليس التحشيد ضدها فحسب.

مما يبعث الأمل مؤخرًا اضطلاع مجموعات شابة صغيرة العدد بمهمة تنويرية  محترمة هي نشر الفهم التاريخي لثورة سبتمبر وبناء الدولة عبر توفير مئات الكتب والمذكرات والدراسات عن الموضوع على شبكة الإنترنت مجانًا أو في المعارض الصغيرة التي يقيمها الشباب في الأحياء السكنية رغم الحرب والظروف الصعبة، وكذلك عبر عقد نقاشات تخص التاريخ اليمني في قنوات اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي عمومًا. علينا ألا نستهين بهذه الجهود، ولنتذكر أن  بذور جمهورية سبتمبر الأولى كانت في جيل بدأ نضاله بالتعليم في المدارس وتوزيع الكتب وتهريب الصحف لمجموعات صغيرة من الأفراد، كما أن الفهم النقدي والمركّب لتاريخنا عبر القراءة والنقاش والجدل مفتتح للتغيير، وهذا درس مستخلص من تاريخ النضال السياسي في كثير من بقع العالم، ولكن أفضل صياغاته كانت على لسان زعيم ثوري في أقصى الشرق، القائد الصيني سن ياتسِن، حين قال ببلاغة يحسده عليها الشعراء: ما أصعب الفهم، وما أسهل العمل!

اظهر المزيد

أيمن نبيل

كاتب يمني مقيم في ألمانيا يكتب في عدة صحف ومجلات يمنية وعربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى