fbpx
المجتمع المدني
مقال شائع

نشأة وتحولات الثقافة المرئية للإغاثة: أجساد اليمنيين المتألمة في الإغاثة الرقمية

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

“كانت التوابيت مفتوحة ومسجاة فوق الأرض الجليدية. الحشود أفسحت الطريق للصحفيين بكل إجلال. كانوا يعلمون أن بدون الصحافة، سُتمحى المجزرة، وفي حينها فقط سيموت القتلى، لذا قدمت الحشود الجثث للصحفيين في أمل وغضب. مأدبة موت. طلب الصحفيون من الأهالي المكلومين الاقتراب مجدداً من القتلى لكي يظهروا معهم في إطار الكاميرا. أساهم سوف يؤرشف. في السنين القادمة، حين تصبح الحرب أسلوب حياة، سيصبح هناك الكثير من الكتب والأفلام ومعارض الصور الفوتوغرافية مادتها حداد وفقد كَشّمِير.”[1]

رغم أنه مشهد عن كشمير من رواية أدبية للكاتبة أرونداتي رُوي، إلا أنه ليس بعيداً عن الواقع. هو مشهد يصف ما أسميه “البث المباشر للألم” الذي يُنقَلُ بواسطة الكاميرا ذات المحدودية التي تجبرها أن تكون انتقائية. تخضع الكاميرا بطبيعة الحال لقيود تقنية تحد من قدرتها على التقاط كل شيء دون نقصان، فليس بيد العدسة سوى أن تتسع أو تضيق لترسم حدود إطار تم انتقائه مسبقاً ليخدم هدف التقاط الصورة بغض النظر عن إذا ما كانت فوتوغرافية أو متحركة.[2]  في اليمن، كان هناك وقت أطّرت فيه كاميرات الصحفيين أجساد اليمنيين الأحياء والأموات لتعرض نمطاً من الألم يشبه بعض الشيء المشهد المقتبس من رواية أرونداتي رُوي. كان هذا قبل ٢٠١٥، أثناء جولات حروب سابقة وأحداث قمع السلطات للمظاهرات السلمية. في حينها كان البث المباشر للألم يتضمن الحداد، ولكن الفرق هو أن إطار الكاميرا آنذاك كان يتسع كذلك للغضب العارم تجاه من تسبب بالألم الخسارة.

 في السنوات الست الماضية، اختلف الوضع كثيراً، فقد أصبح البث المباشر للألم حكراً على المحتوى المرئي الذي ينتجه قطاع الإغاثة. وما أن بدأ عصر وسائل التواصل الاجتماعي، دخل هذا المحتوى مضمار السباق من أجل الوصول لأكبر عدد ممكن من تفاعلات ومشاركات مستخدمي التطبيقات المختلفة، وهكذا أصبحت المرئيات الإغاثية أكبر من مجرد حالة آنية وإنما ثقافة فرضت نفسها بقوة على الإعلام المرئي وتحولت بذلك إلى تخصص إعلامي وفني كباقي  التخصصات الإعلامية والفنون البصرية. كما لم يعد هذا المحتوى المرئي مجرد تمثيل إعلامي للأنشطة الإغاثية، بل أصبح نشاطاً إغاثياً قائماً بذاته يطلق عليه علماء الثقافة المرئية مصطلح “الإغاثة الرقمية Digital Humanitarianism” وفي هذا المقال سأقوم بتتبع المتغيرات السياسية والتاريخية التي شكّلت نشأة وتحولات صحافة الحرب والإغاثة الرقمية خلال العقود الثلاثة الماضية كما سأتناول إنتاج واستخدام كلٍ منهما للصور الصادمة Graphic images، والتي يقصد بها الصور التي تُظهر دون تمويه وبوضوح تام تفاصيل عنفٍ بالغ الأثر أصاب جسد الشخص الذي تم التقاط صورته.

العمل الفني لوليد الورد

حروب متلفزة

في ١٩٨٥ وتحديداً على خشبة مسرح ملعب ويمبلي بلندن، وقف ديفيد بوّي ومِيك جاغر وإلتون جون ومادونا وعلى رأسهم فرقة كوين وفنانون آخرون كثر يعدون أكثر فناني الغرب شعبية حول العالم ليقدموا ٧٥ أداء موسيقي في حفل يعد من أكبر الحفلات الموسيقية في القرن العشرين والذي أطلق عليه اسم Live Aid أي “نقل مباشر للإغاثة”. الحفل أقيم بغرض جمع تبرعات لضحايا المجاعة في إثيوبيا آنذاك، ولم يكن نجاحه الساحق في جمع تبرعات بلغت قيمتها ١٢٧ مليون دولار خلال ساعاته الستة عشر هو السبب الوحيد الذي جعله الحفل الخيري الموسيقي الأشهر على الإطلاق، فبينما كان عدد الجمهور المتواجد في الملعب أكثر من ١٧٠ ألف حاضر، قُدر عدد من شاهدوا الحفل على شاشات التلفاز في بيوتهم والذي بُثّ عبر الأقمار الصناعية في ١١٠ دولة بقرابة مليار مشاهد. في فترة الاستراحة بين الوصلات الغنائية ، كانت هناك فواصل إعلانية تم إعدادها مسبقاً لتبث على شاشات الفضائيات في فترات الاستراحة بين الوصلات الغنائية في ويمبلي. ببريق يليق بالتلفاز الملون الذي أصبح يسكن معظم الأحياء حول العالم،  توالت الدعايات التي تروج لأحدث السلع الغربية في ذلك الوقت، وبنصوص بصرية وصوتية ومكتوبة معدة بعناية تخبر الدعايات  الجمهور في المنازل عن أهمية اقتنائهم لأحدث موديلات شيفروليه كامارو، وأن حياتهم لن تكتمل دون حذاء رياضي يحمل علامة نايكي أو أديداس، كما أن عطشهم لن يرتوي دون كوكتيل العصير والنبيذ البارد ذي الخلطة السرية التي طورتها شركة White Mountain الأمريكية في الثمانينات. وبين دعاية الأحذية والنبيذ المثلج، يخفت بريق الشاشة بفعل المؤثرات البصرية التي تجعل الصور تبدو وكأنها التقطت بعدسة طمرت في التراب قبل استعمالها لصنع مشاهد متفرقة من الأثيوبيات و لإثيوبيين لتظهر العظام الناتئة التي تكاد توشك على الفرار من الأجساد لولا ما تبقى من الجلد المهترئ. يرافق تلك المشاهد مقطع غنائي يدعو إلى مد العون لمن لا أمل لهم سوى تبرعات المشاهدين، ولإثبات جدوى ذلك تضاء الشاشة مجدداً لتظهر ابتسامات الإثيوبيين وهم يستلمون المساعدات الإغاثية.[3]

بعد سنوات قليلة من Live Aid ومنذ شهور التسعينات الأولى، شهد البث المباشر للألم نقلة نوعية، حيث برزت صناعة احترافية أطلق عليها عالم الثقافة المرئية نيكولاس ماردزوف اصطلاح “الحروب المتلفزة.”[4] كانت التسعينات ومطلع الألفية أيضا سنوات حرب الخليج ١٩٩٠-١٩٩١، والحرب اليوغوسلافية ١٩٩١-٢٠٠١ وحرب رواندا ١٩٩٠-١٩٩٤ والاجتياح الأمريكي لأفغانستان في ٢٠٠١ ثم للعراق في ٢٠٠٣ وهو نفس العام الذي اندلعت كذلك فيه الحرب في جنوب السودان. وفيما كانت الجيوش بجنودها وطائراتها ودباباتها  تقاتل من أجل بسط السيطرة أو الدفاع عن الأرض والموارد، انخرطت الفضائيات في عصرها الذهبي في صراع للسيطرة على صناعة أخبار تنقل “حقيقة” الحرب كما هي. وبغض النظر عن أهداف كل فضائية، اعتمدت القنوات الرسمية لأطراف الحرب والأخرى التي عرفت نفسها بالحيادية المطلقة على المرئيات الصادمة من صور فوتوغرافية أو متحركة للقتلى والجرحى كأدلة مادية تنقل الحقيقة للمشاهد، حتى أصبح الخبر غير المصحوب بهذا النوع من المرئيات بلا قيمة أو نزاهة.

 نصّب الإعلام الغربي نفسه على رأس هرم الإعلام العالمي بحكم الدعم السياسي والأكاديمي والاقتصادي والتقني الذي يقف وراءه وهو الأمر الذي مكّنه من الهيمنة على صناعة ورواية الأخبار بشكل عام، وأخبار الحروب بشكل خاص. وفي هذا الإطار نجحت المؤسسة الإعلامية الغربية في تصوير الحروب كأمراض وبائية لا تصيب سوى ” جنوب الكرة الأرضية” الذي بات وصفه اصطلاحاً بدول “العالم الثالث” بعد الحرب الباردة تعميماً يصم دول وشعوب جنوب العالم بالتخلف الفكري والاجتماعي والسياسي وتأخر النمو الاقتصادي. وفي المقابل، أصّل الخطاب الإعلامي والأكاديمي الغربي فكرة أن الحروب في الغرب أفلت بلا رجعة منذ سقوط جدار برلين في ١٩٨٩. وفي أحد الأمثلة البارزة على هذا الخطاب كان التعبير الذي استعمله الأكاديمي والصحفي الأمريكي المحافظ والبارز جورج ويل لوصف عقد التسعينات بأنه عطلة من التاريخ، فالغرب على حد تعبيره آنذاك، استقر وتجاوز احتمالية الصراعات والعنف. غير أن التسعينات كانت، في حقيقة الأمر، بعيدة كل البعد عن أن تكون “عطلة” من التاريخ في الغرب؛ بل إن ما حدث هو أن الخطاب الإعلامي والأكاديمي السائد في وقتها أحجم عن تغطية لائقة لأحداث تاريخية بالغة الأهمية مثل آخر تطورات المقاومة الإيرلندية للاستعمارالبريطاني، واحتجاجات الحركات الاجتماعية المناهضة للرأسمالية والعولمة وتسريح العمال وذوي الدخل المحدود، وحوادث القتل الممنهج والاحتجاز التعسفي للأمريكيين السود واللاتينيين والسكان الأصليين في أمريكا الشمالية وكذلك صعود الحركات النازية واليمين المتطرف في أوروبا وفقدان الملايين لفرص العمل وخدمات الضمان الاجتماعي والطبابة المجانية بعد انهيار المعسكر الشرقي وغيرها من الاضطرابات والصراعات السياسية والاقتصادية. أما حروب البلقان وما عُرف بالحروب ما بعد السوفيتية كتلك التي دارت رحاها في شمال وجنوب القوقاز وامتدت حتى أوروبا الشرقية، فقد غطاها الإعلام الغربي كأحداث متوقعة في البقاع التي كلما ابتعدت مسافتها عن أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية أصبحت أقل “غربية” وأكثر شرقية تقارب دول العالم الثالث بحروبه التي لا تنتهي.

في المناسبات الاستثنائية التي غطى فيها الإعلام السائد أحداثاً عنيفة دارت في الغرب،  كان من شبه المستحيل أن تصاحب الخبر مرئيات صادمة تظهر أجساداً دامية أو أشلاء متناثرة كتلك التي تبث بدقة عالية وعلى الدوام في البث المباشر لآلام أجساد العالم الثالث. إضافة لكل ذلك، حصرت سيميائيات الحروب المتلفزة إنسان العالم الثالث في قالبين: الأول، يظهر فيه رجالٌ مسلحون يمارسون العنف المفرط الذي يتم تصويره كسلوك وراثي فطري يحول بين بلدانهم وفرص السلم الأهلي والديمقراطية إلى أجل غير مسمى؛ أما القالب الثاني فهو قائم على التسليم بأن العالم الثالث هو “جغرافية بدائية نذرت نفسها للحروب” وبالتالي يُصنف سكانها الذين لم ينخرطوا في القتال كذوات تقبع خارج التاريخ  بلا ماضٍ ولا حاضرٍ أو مستقبل سوى واقع الحرب. في المحصلة النهائية خلفت الحروب المتلفزة ثنائية أضداد مرئية تتمثل في: مركز استعماري يتربع على عرش التحضر الذي استحق بفضله عطلة من التاريخ يقابله طرف بدائي متخلف يحيا على هامش الحضارة ومجرد من التاريخ برمته.[5]

العمل الفني لوليد الورد

هجرة إعلام الحرب إلى وسائل التواصل الاجتماعي وميلاد الإغاثة الرقمية

مع بداية طفرة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ظهرت أشكالٌ جديدة للبث المباشر للألم. ورغم اختلاف الوسائط، ورثت صناعة ورواية الخبر على هذه المواقع تركة الحروب المتلفزة التي تركت بصمة من الصعب تجاوزها. لا أود هنا أن أخوض في النقاشات المحتدمة حول ما إذا حلّت وسائل التواصل الاجتماعي كليّاً محل ما يسمى بالإعلام التقليدي المتمثل في الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة. لكن، مهما اختلفت الآراء في هذا الشأن، فإن هناك إجماعا على أن شبكات التواصل الإجتماعي أصبحت مصدراً لا يستهان به من حيث قدرتها على نقل معظم أشكال المعرفة إلى الحد الذي أرغمت فيه المحطات التلفزيونية على مواكبة هذه الطفرة الرقمية المتسارعة عبر إعادة قولبة معظم ما تبثه من برامج لتصبح قابلة للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.

يمكن القول إن حملات الإغاثة الإعلامية لم تحظ بنفس الزخم الذي حظيت به صحافة الحرب في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، إلا أن ذلك اختلف كليّاً منذ أن أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي ميلاد الإغاثة الرقمية التي ترتكز بشكل رئيسي على المرئيات. وتدريجياً احتكرت الإغاثة الرقمية اقتصاد صناعة الصور الصادمة إلى الحد الذي أجبرت فيه الفضائيات على إدراج أخبار وصور مدنيي الحروب بشكل شبه تام في سياق إغاثي بحت كون حقوق ملكيتها تتبع مصوريّ قطاع الإغاثة؛ وذلك بعد تراجع المردود المادي الذي تُدره صحافة الحرب المصورة واتجاه أفواج من مصوري الحروب المحترفين إلى سوق عمل الإغاثة الرقمية التي تقدم امتيازات مادية وفرصاً أوسع ليس فقط لعرض أعمالهم بل أيضاً لعرض تعاطفهم مع الضحايا.[6]

منذ ٢٠١١ تدفقت صور من قُتلوا وجُوّعوا في سوريا أولئك الذين ابتلعهم البحر الأبيض المتوسط أو قذفهم من جوفه شريطة أن تقطع اليابسة عليهم ما تبقى من رحلة اللجوء المميتة إلى أوروبا. صورٌ لا حصر لها تكثفت لتحكي عن الأوضاع الإنسانية المتدهورة والحاجة الماسة للمساعدات التي تتطلب تبرعات مادية تسعى حملات الإغاثة الرقمية جاهدة للمطالبة بها. ومنذ أن نشبت الحرب في اليمن وتصاعدت وتيرتها في ٢٠١٥، تصدرت صور اليمنيين بسرعة قياسية وعلى نطاق أوسع مواد حملات الإغاثة الرقمية بالشكل الذي جعلها سابقة من نوعها في تاريخ ثقافة المرئيات الخاصة بالإغاثة الرقمية.

 بلغت ثقافة الإغاثة المرئية مستوىً لا مثيل له منذ أن بدأت برفد الإغاثة الرقمية بصور عظام اليمنيين الناتئة وجلودهم الجافة من الماء والحياة. وتدريجياً خلال السنوات الست الماضية، أصبح اليمن بفضل هذه الثقافة بلداً جُرّد من أي تعريف له سوى أنه “أسوء أزمة إنسانية في العالم.” باتت صور أجساد اليمنيين المتألمة تتوالى على منصات التواصل الإجتماعي على هيئة إعلانات مدفوعة الأجر تضمن ظهورها بشكل متكرر على كل حسابات مشتركي التطبيقات المختلفة، تماماً كما هو الحال مع دعايات المنتجات الاستهلاكية. ومع مرور الأعوام الست الماضية  قلص البث الرقمي المباشر لألآم اليمنيين اهتمام متصفحي شبكة الإنترنت حول العالم بأي ماضٍ أو حاضر أو مستقبل لهذا البلد سوى ذلك الذي اختزلت ثقافة الإغاثة المرئية ماهيته في بنية تحتية مهترئة تسكن بين بقاياها أضلاع وأطراف لبشر أكثر اهتراء.

أجساد اليمنيين في الإغاثة الرقمية

قد يبدو لكثير من مصوري الفوتوغرافيا والأفلام وعمال الإغاثة وكذلك قطاع من المشاهدين أن الإغاثة الرقمية نشاطٌ يهدف إلى جعل أوضاع اليمنيين أكثر إنسانية. ولكن إذا ما نظرنا إلى الأمر من زاوية تحليلية نقدية فإننا سنجد أن ما تنتجه ثقافة الإغاثة الرقمية هو العكس تماماً. فإن الاستخدام المفرط للأجساد اليمنية المتألمة في المرئيات الإغاثية يجرد اليمنيين من إنسانيتهم في حقيقة الأمر وذلك على ثلاث مستويات رئيسية.

أولاً: ظروف تحد من ترجمة الإرادة الإنسانية إلى فعل الموافقة أو الرفض

 يُقدم الكثير من مصوري الإغاثة على التقاط صور لمستلمي المساعدات الإغاثية من البالغين والقُصّر دون الحصول على إذن مسبق منهم، وهو الأمر الذي واجه انتقادات الكثير من المراقبين الذين يرون في ذلك ممارسة غير أخلاقية أو إنسانية. ومن المنصف ذكر أن بعض المنظمات الإغاثية قامت بمراجعة إجراءاتها الأخلاقية لتقر بإلزامية الحصول على توثيق خطي أو شفهي يضمن معرفة وموافقة الأفراد المعنيين السابقة على التقاط صورهم.  قد يبدو هذا الإجراء الإلزامي للوهلة الأولى حلاً لأي مشكلة إخلاقية قد تتسبب فيها صناعة مرئيات الإغاثة، إلا أني أرى أن هذا الإجراء في سياقات مثل اليمن لا يعدو كونه مجرد سفسطة تسرح بنا بعيداً عن جذور المشكلة. إن من تأطرهم كاميرات مصوري الإغاثة هم أناس فقدوا كل شيء حرفياً. في ليلة وضحاها فقدوا أدنى درجات الدخل الذي كان رغم شحته يمكنهم من العيش بما تبقى لهم من كرامة، هم يمنيات ويمنيون تم انتزاعهم بكل شراسة وغدر من كل ما كان يمت لهم أو يمتون له بصلة، قذفت بهم الحرب بعيدا عن الأهل والجيران والأصدقاء، عن كل تلك الوجوه التي كانت ألفتها تضمد الكثير من الجراح الغائرة. كيف يمكن لمن أصبح جلّ وجوده بهذه الهشاشة أن يرفض طلباً لمن يمنحه سريراً في مشفى أو خيمة تستره من العراء، أو كيس طحين يضمن بقاءه ولو كان على حافة الحياة؟ عن أي موافقة مسبقة نتحدث ونحن نعلم جيداً أن من تلاحقهم كاميرات الإغاثة لا يملكون الشروط الموضوعية لاكتمال الموافقة؟ فالخوف من احتمالية الحرمان من المساعدات في حال رفض التصوير يجعل الرفض ترفاً لا يملك معظم مستلمي المساعدات ثمنه. ضمانات عاملي الإغاثة وأصدق وعودهم بعدم تأثر وصول المساعدات إذا ما رفض مستلموها أن تلتقط صورهم، لا يمكن لها أن تقف في وجه الخوف لدى المستهدفين من احتمالية انقطاع هذا العون الضئيل لأي سبب كان. هذا الخوف أصبح قرينهم، فحتى وإن انتهت الحرب وعادوا إلى مساكنهم وأعمالهم يوماً ما، فلن يفارقهم الخوف حتى يفارقوا هم الحياة. بالتالي لا يمكننا بتاتاً مناقشة معنى الموافقة إلا في حال كانت هناك ديناميكيات قوى متساوية وانعدام الفوارق التراتبية التي ترسم الخط الفاصل بين المانح الذي يطلب الموافقة وذلك الذي يتلقى المساعدة بحيث يتمكن هذا الأخير من الرفض بدون أن يدفع ثمناً مادياً كفقدان نصيبه في المساعدات أو ثمناً معنويا كالشعور بالامتنان أو الدّين أو الخوف. أنا لا أدّعي هنا أن كل مستلمي المساعدات مسلوبو الإرادة أو مرغمون على الجلوس أمام الكاميرات دون أي قدرة على تحمل كلفتي الرفض المعنوية والمادية، ما يهمني هنا هو لفت النظر إلى أننا لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن نتظاهر بأن حسن النوايا وصدقها كفيل بأن يمحو تراتبية القوى بين من يقف خلف العدسة والآخر الذي يقف أمامها. والأخطر من كل ما سبق هو أن يتحول طلب الموافقة الإلزامي إلى مجرد إجراء بيروقراطي آخر لا غرض منه سوى حماية المنظمات الإغاثية من الملاحقة القانونية أكثر من كونه حماية لمستلمي المساعدات.[7]

العمل الفني لوليد الورد

ثانياً: المرئيات الصادمة ومراكمة أدلة معاناة إنسان العالم الثالث

مرئيات الإغاثة هي عملية صناعة أدلة مادية للمعاناة تلعب نفس دور النسب الإحصائية بل وتحل في كثير من الأحيان محلها بحسب السياق. فيما تجرد الإحصائيات البشر من وجوههم وتجاربهم السياسية والاجتماعية الذاتية والجمعية حين تلخص كينونتهم على هيئة أرقام كمية، تقوم ثقافة الإغاثة المرئية بسحق إنسانية اليمنيات واليمنيين عبر تحويلهم إلى مواد وصفية يُستعمل فيها كل معرض من معارض الأجساد المتألمة كدليل يضاف إلى البيانات التراكمية للمعاناة والألم.[8] هل نحتاج إلى معارض لا تنتهي من الصور الصادمة التي تعري الأجساد المتألمة لإثبات تجارب المعاناة؟ أطرح هذا السؤال في ضوء ما ذكرته آنفاً في بداية المقال عن جسد الإنسان في الغرب الذي عودنا الإعلام العالمي السائد على تصديق معاناته دون أي حاجة لعرض جسده كدليل على معاناته، بل يكفي نشر خطاب أو بيان صحفي مقتضب عن حادثة فردية ليهتز العالم من أجل ضحاياها. في المقابل أنتج تصوير العالم الثالث كجغرافيا حرب لعقود طويلة تطبيعاً تاماً مع معاناة سكانه بل باتت صور رفاههم المؤقت من وقت لآخر تُغطى كاستثناء للقاعدة، ولهذا السبب أصبح العالم يحتاج إلى مراكمة مضاعفة لأدلة مادية صادمة تثبت تفاقم المعاناة في جنوب الكرة الأرضية كلما استدعى الأمر ذلك.[9]

 

ثالثاً: “انقر هنا للشراء”، “انقر هنا للتبرع”

للخوض في المستوى الثالث والأخير من تجريد الإغاثة الرقمية للبشر من إنسانيتهم، علينا أن نتمعن في قراءة نيوليبرالية المنظمات الدولية التي تلعب منذ نشأتها دوراً محورياً في اقتصاد السوق المفتوح .[10] قد يكمن في جوهر الإغاثة تعاطف حقيقي ورغبة في تخفيف المعاناة غير أن عملية تحويل التعاطف الإنساني إلى وظائف مؤسساتية قد جعل من المعاناة رأس مال قوامه الألم الذي تم إدخاله سوق المنافسة الرأسمالية بقوة. المنظمات الإغاثية اليوم باتت مجبرة على الخوض في منافسة شديدة من أجل مراكمة رأس مال الألم اللازم للفوز بمناقصات المانحين وفي هذه الحالة تصبح قيم التعاطف وسيلة وليست غاية. في هذا العصر الذهبي لوسائل التواصل الاجتماعي، تقوم مرئيات الإغاثة الصادمة مقام المؤهلات التي تحتاجها المنظمات المتنافسة لإثبات قدرتها على مراكمة رأس مال كافٍ من الألم. وفي هذا السياق تصبح صور الأجساد المتألمة سلعة يتم الإعلان عنها بغرض التأهل لتصفيات المانحين النهائية.

 في واقعنا اليوم أصبح من المستحيل تجنب الدعايات التي تظهر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي لتستعرض الشركات الرأسمالية من خلالها جودة سلعها الاستهلاكية بشكل متواصل، وعادة ما تُذيّل هذه الدعايات بخيار “انقر هنا للشراء”. وعلى نفس الشاكلة تستعرض الإغاثة الرقمية الأجساد المتألمة لإثبات جدارتها بتلقي التبرعات، وكما تقول عالمة السياسية هيذر ل. جونسون، هذه ليست مجرد مقاربة مجازية بل هو شبه تطابق، فهناك تنتهي الدعاية بـ”انقر هنا للشراء” وهنا تنتهي بـ “انقر هنا للتبرع.”[11] ولا تتوقف المقاربة في تجريد اليمنيات واليمنيين من إنسانيتهم في ثقافة الإغاثة المرئية عند هذا الحد، فوجه الشبه ليس مقتصراَ على اقتصاد العرض وحده، بل هو ممتد بطبيعة الحال إلى اقتصاد الطلب. كلنا نعلم أن فرط تكرار دعاية أي سلعة استهلاكية يجعلنا نتجاوزها تلقائياً أثناء تصفحنا لأي موقع لنستكمل بحثنا عن ما كل هو جديد ويشبع فضولنا، وعلى هذا المنوال يمكننا أن نلاحظ أن صور البشر الصادمة قد تلفت انتباهنا حين تصادفنا بضع مرات في بداية ظهورها،  إلا أنها حين تتكثف وتصبح كلها متشابهة ويُفرض علينا تكرارها صباحاً ومساءً كل يوم، ينتهي بها المطاف تماماً مثل المنتجات التجارية التي اعتادتها العين وأصبحت تتجاوزها دون تفكير؛ وذلك ببساطة  أنه لا يمكن للعين أن تُصدم بالشيء نفسه أكثر من بضع مرات وفي المحصلة تتجه العين بعيداً بحثاً عن محتوى جديد كما تتنقل من دعاية إصدار هاتف قديم إلى آخر جديد.

في عام ١٩٦٧ وقبل ظهور القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي بفترة طويلة، تنبأ الفيلسوف وصانع الأفلام غي ديبور بأن الرأسمالية الحديثة ستقوم حتماً بإنتاج ما أسماه مجتمعات “الفُرجة” أو “الاستعراض” spectacle وكأن ديبور يصف بدقة ما وصلنا إليه اليوم حين قال:

“أصل الاستعراض هو فقدان وحدة العالم والتوسع الهائل للاستعراض الحديث يعبر عن المدى الكلي لهذا الفقدان: إذ أن تجريد كل عمل نوعي والتجريد العام للإنتاج الكلي يجد ترجمة أمينة له في الاستعراض، حيث يكون نمط الوجود المتعين هو التجريد على وجه الدقة. داخل الاستعراض، يُمثّلُ جزءٌ من العالم نفسه أمام العالم، وهو أرقى منه. وما الاستعراض إلا اللغة المشتركة لهذا الانفصال. وما يربط بين المشاهدين ليس سوى ارتباط لا يقبل الانعكاس بنفس المركز الذي يُديم عزلتهم. الاستعراض يعيد توحيده بوصفه منفصلاً”.[12]

تملك الإغاثة الرقمية خاصة في فترات الحروب المطولة قوة تمكنها من أن تهيمن على مصادر المعلومة بحكم مقدراتها الاقتصادية والسياسية التي تضاعف من تهميش الروايات البديلة  في ظل ما تعانيه من شحة الموارد التي تمكنها من النشر.[13]

إن عرضي الموجز هنا لنشأة وتحولات ثقافة الإغاثة الرقمية يهدف إلى خلخلة ما تم التطبيع معه رغم كونه عنفا يتم تجاهله بحكم أنه لا يظهر على هيئة رصاص أو صواريخ في حين أنه لا يقل فداحة عن نيران الأسلحة. هذا العنف يوازي خطر الذخائر الحية على المدى البعيد خاصة حين لا يتم الاعتراف بمحدودية إطار عدسات الكاميرات والانتهاكات التي تقف خلف هذا التأطير المحدود. ولا مجال على الإطلاق لإفساح المجال أمام روايات الحرب البديلة دون أن تخضع العين التي تقف خلف عدسة الكاميرا لمراجعة حقيقية تعترف بكل هذا العنف البصري وترغم المتعاطف على طلب الإذن للتعاطف بل ترغمه على الصيغة التي يعبر بها عن تعاطفه. فقط حينها يمكن أن ترقي المرئيات لمقام متكافئ مع إرادة الشعوب السياسية ونضالاتهم التاريخية. هذا هو أدنى درجات بداية الإنصاف بعد عقود طويلة من انتهاكات التعاطف مدفوع الأجر.

 


[1] Roy, Arundhati. 2017. “The Untimely Death of Miss Jebeen the First.” In The Ministry of Utmost Happiness, 309-396. (London: Hamish Hamilton)

[2] Trinh, T. Minh-Ha. 1992. When the Moon Waxes Red: Representation, Gender and Cultural Politics. (London: Routledge)

[3]  Smith, Matt, and Helen Yanacopulos. 2004. ‘The Public Faces of Development: an Introduction’. Journal of International Development 16, No. 5: 657–64. https://doi.org/10.1002/jid.1118.

[4] Mirzoeff, Nicholas. 2002. An Introduction to Visual Culture. (London: Routledge)

[5] Ali, James, and Vultee. 2013. ‘Strike a Pose: Comparing Associated Press and UNICEF Visual Representations of the Children of Darfur’. African Conflict and Peacebuilding Review 3, No. 1:1. https://doi.org/10.2979/africonfpeacrevi.3.1.1; Keen, Suzanne. 2011. ‘Fast Tracks to Narrative Empathy: Anthropomorphism and Dehumanization in Graphic Narratives’. SubStance 40, No. 1 (January): 135–55. https://doi.org/10.1353/sub.2011.0003; Manzo, Kate. 2008. ‘Imaging Humanitarianism: NGO Identity and the Iconography of Childhood’. Antipode 40, No. 4: 632–57. https://doi.org/10.1111/j.1467-8330.2008.00627.x.

[6]  Zucconi, Francesco. 2018. ‘On the Limits of the Virtual Humanitarian Experience’. In Displacing Caravaggio: Art, Media, and Humanitarian Visual Culture, 149–75. Cham: Palgrave Macmillan.

[7] Hoefinger, Heidi. 2016. ‘Neoliberal Sexual Humanitarianism and Story-Telling: The Case of Somaly Mam’. Anti-Trafficking Review, No. 7. https://doi.org/10.14197/atr.20121774.

[8]  Bleiker, Roland, David Campbell, Emma Hutchison, and Xzarina Nicholson. 2013. ‘The Visual Dehumanisation of Refugees’. Australian Journal of Political Science 48, No. 4: 398–416. https://doi.org/10.1080/10361146.2013.840769;

 Mortensen, Mette, and Hans-Jörg Trenz. 2016. ‘Media Morality and Visual Icons in the Age of Social Media: Alan Kurdi and the Emergence of an Impromptu Public of Moral Spectatorship’. Javnost – The Public 23, No. 4: 343–62. https://doi.org/10.1080/13183222.2016.1247331.

[9] Fassin, Didier. 2012. Humanitarian Reason: A Moral History of the Present. Translated by Rachel Gomme. (Berkeley, Los Angeles and London: University of California Press).

[10] Mohanty, Chandra Talpade. ‘Imperial Democracies, Militarised Zones, Feminist Engagements’. Economic and Political Weekly, 46, No. 13 (n.d.): 76–84. Accessed 2011; Sharma, Garima, and Pratima Bansal. 2017. ‘Partners for Good: How Business and NGOs Engage the Commercial–Social Paradox’. Organization Studies 38, No. 3-4 (February): 341–64. https://doi.org/10.1177/0170840616683739.

[11]  Johnson, Heather L. 2011. ‘Click to Donate: Visual Images, Constructing Victims and Imagining the Female Refugee’. Third World Quarterly 32, No. 6: 1015–37. https://doi.org/10.1080/01436597.2011.586235.

[12] Debord, Guy. 2016. Society of the Spectacle. (Detroit, MI: Black & Red)

ديبور، غي . مجتمع الاستعراض. ترجمه إلى العربية أحمد حسان. القاهرة: دار شرقيات، ٢٠٠٠

[13] Burns, Ryan. 2014. ‘Moments of Closure in the Knowledge Politics of Digital Humanitarianism’. Geoforum 53: 51–62. https://doi.org/10.1016/j.geoforum.2014.02.002.

اظهر المزيد

نوارة حنينة

أكاديمية تهوى فوضى الحوار بين النظريات الفلسفية والتاريخ الشفهي والمؤرشف. شغف نوارة الأكبر هو سماع موسيقى الروك الكلاسيكية والتظاهر بعزف مقطوعات وهمية منفردة على غيتار كهربائي وهمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى