fbpx
إبداع بصري
مقال شائع

التحدث إلى المرآة: مقال مصور لرحمن طه

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

“لا نتحدث حين نتحدث إلا إلى مِرآة”

سبأ الصليحي

في هذا المقال التصويري الممتع يقدم لنا رحمن طه تجربته الشيقة مع الكاميرا والمرآة. يقول رحمن: ” منذ أربع سنوات وعبر ثلاث قارات وأنا أعمل على هذا المشروع. ألتقط الصور محاولا التحديق إلى الداخل مستخدما مرآة وكاميرا”.

نظرًا لأننا معتادون كثيرًا على النظر إلى المرآة –  وليس إلى صور فوتوغرافية لنا – فإن الصور التي نلتقطها لأنفسنا بكاميرا الهاتف دائمًا ما تبدو لنا غريبة عنا. يورد قاموس راندوم هاوس في تعريفه للصورة الذاتية أنها “الفكرة أو المفهوم أو الصورة الذهنية لدى الشخص عن نفسه”. سترى في المرآة صورة لك معكوسة وقد أصبح اليمين يساراً واليسار يمينا، إلا أنك ستبقى أنت أنت؛ فالمرآة تعكس كل الألوان مما يفسر عكسها للصور المقابلة لها، رغم أن صورنا في المرآة ماهي إلا انعكاس لنا وليست الحقيقة. مع ذلك تبدو صورنا المعكوسة في المرآة أجمل من تلك الملتقطة بالكاميرا. وقد يرجع ذلك إلى ثقتنا بأن صورنا المعكوسة في المرايا ليست من أجل أن نريها أحدا؛ ولذلك فنحن لا نحتاج إلى أن نحرص على أخذ وضعية معينة أو أن نبتسم بطريقة رسمية وكأننا نأخذ صورة للبطاقة الشخصية أو لجواز السفر.

لكن ماذا عن تلك الصور التي نلتقطها بكاميرا الهاتف لانعكاسنا بالمرآة؟ هل سيكون لنا منها نفس الموقف؟ يعرّف قاموس أكسفورد صورة السيلفي “selfie” بأنها أية صورة التقطها شخص ما لنفسه. بمعنى أنك لا تستعين بأي شخصٍ آخر لالتقاط صورٍ لك. ومن هنا جاءت التسمية الإنجليزية “سيلفي” بمعنى “ذاتي” المشتقة من “Self” التي تعني الذات أو النفس. فعند التقاطها يستخدم المرء يده والكاميرا لا أكثر. وعادة ما يتم استخدام هاتف ذكي أو كاميرات صغيرة الحجم خاصة بالسيلفي ومشاركة الصور عبر وسائل التواصل الاجتماعية.

ماذا عن مشاعرنا وما نحس به لحظة التقاطنا لصورنا الشخصية هل يمكن للمرأة وكاميرا الهاتف عكسها؟  هل يمكن للمرآة أو كاميرا الهاتف إظهارنا من الداخل ؟ كانت المياه هي أقدم مرآة عرفها الإنسان ورأى فيها انعكاس صورته، وكان لكل شخص على حدة ردة فعل مختلفة عند رؤية صورته للمرة الأولى على سطح الماء، بين غضب وفرح، أو استغراب وفضول، وعشق ذاتي كما حدث في حالة نرسيس في الأسطورة اليونانية، الذي أصبح رمزا لمن يحب ذاته ويصاب بداء النرجسية. من حرص الإنسان على رؤية ذاته اخترع المرآة من قطع الحجر المصقول قبل 6000 سنة في تركيا، ثم طورها إنسان بلاد الرافدين إلى مرآة نحاسية قبل 4000عام، وتلا هؤلاء تطويرات مصرية وصينية حتى قيل إن بلاد الفينيقيين ” لبنان” اليوم قد طورت المرايا الزجاجية ليتبعها آخرون في ذلك.

 ويحكى أن من أعضاء القبائل البدائية القديمة من لم يكن يملك القدرة على التفريق بين الصورة المنعكسة على الماء وروح الإنسان الحقيقية. ولذلك كانوا يتجنبون النظر إلى الماء ورؤية انعكاس صورهم عليه خوفاً من أن تقوم التماسيح أو الجنيات بالتهام صورهم المنعكسة  فتسلب منهم أرواحهم. وفي العصور الوسطى كان الاعتقاد الراسخ حول المرايا بأنها  الطريق الوحيد الذي يمكن لأرواح الموتى أن تسلكه قادمة من العالم الآخر لذلك كانوا يدفنون المرايا مع أصحابها الموتى.

تظهر المرآة في تراث المتصوفة للدلالة على القلب والسريرة؛ فمرآة قلب التائه تكون مجلى للأكوان، أما مرآة قلب العارف فلا تحجبها الأكوان عن المكوّن. وفي أدب المنامات، تأتي المرأة للدلالة على القلب وقد تكون دالة على الخيال والغرور بحسب تفسير ابن سيرين. ولارتباطها بالنظر والفكر والشعور واختلاط الحقيقة بالزيف جاءت كلمة “مِرآة” في العربية، وهي اسم آلة، مشتقة من الفعل رأى المرتبط بالرؤية البصرية، وبالرأي الفكري، وبالرؤية النفسية أو الخيالية الحلمية. كما ترتبط المرآة اشتقاقيا بالمفهوم الأخلاقي السلبي “الرياء” الذي فيه تظهر الأفعال الفاضلة للذات مقصودة للانعكاس لدى الآخر وليس لمحض الفعل الفاضل في ذاته.

ترتبط المرآة عند عالم النفس الفرنسي جاك لاكان بالمراحل الأولى من حياة الطفل حين يبدأ بعد الشهر السادس في تلمس الطريق إلى ذاته وإلى الآخر، بل يعتبرها لاكان مصاحبة لتكوين ذاتية الإنسان؛ لاسيما النظام التصوري للإنسان الذي يرتبط به الإدراك والوعي واللاوعي. ويرتبط التحديق إلى المرآة، في بعض مناهج علم النفس الحديث، بالتوهمات حول الجسد وبالمنظورات التي تحدد موقع الأنا المحدِّقة بالنسبة للجسد المرأي من شعور بامتلاك الجسد أو بالتباعد عنه. أما في الشِّعر، فقد ارتبطت المرآة بالذات وبالآخر، وبالجسد، وبالتحول، وبالرؤية، وبالحلم، وبالوهم، وبالإدراك وغير ذلك من المعاني.

 

المقال المصور: التحدث إلى المرآة

 

 

اظهر المزيد

رحمن طه

مصوّر يمني مستقل ومشتغل بالفنون البصرية والإدارة الثقافية. يعمل ويقيم في المملكة المتحدة. يمتهن رحمن التصوير الفوتوغرافي منذ 10 أعوام، وقد عرضت أعماله في المتحف الوطني بصنعاء والمتحف البريطاني بلندن والبيت العربي بمدريد. شارك في معارض مشتركة في مدن مختلفة: تعز، وبيروت وكوبنهاجن وديترويت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى