fbpx
تاريخرأي
مقال شائع

عن أسطورة انهيار السَّد العظيم في مأرب

كناية أدبية عميقة عن انهيار حضارة ودولة

انهيار سَدّ مأرب، في الزمن الغابر، هو حدث رمزي يمكن أن يُستخدَم للإشارة إلى لحظة فارقة دخلت فيها الحضارة اليمنية مرحلة مأساوية من التدهور والإنحطاط. 

وهذا يعني بالضرورة أنه لم يكن لانهيار السَّد تأثير مباشر بالنسبة للنتائج التاريخية الضخمة التي جاءت بعد الحادثة أو نُسِبَتْ إليها. الحادثة رمزية والعواقب المنسوبة إليها رمزية هي الأخرى. 

وهكذا، فإن تفسير المتاعب التي لحقت باليمنيين، بالإحالة إلى تلك الحادثة، وهو خطأ معرفي وقع فيه كثير من المؤرخين والكتَّاب، يجب ألا يتعدى كونه نوعا من الانتماء الرمزي إلى الكارثة التي ظلت في الذاكرة تمارس مفعولاً توحيدياً على المستوى النفسي طوال العصور التالية لوقوعها.

أن تكون يمنياً هو أن تَنتَسِب بشكل رمزي إلى الكارثة المتمثلة في انهيار السَّد. أما في الواقع فلا شيء يمكنه إثبات أن الأضرار المباشرة الناجمة عن انهيار السَّد قد لحقت بجميع اليمنيين في جميع المناطق على مستوى جنوب شبه الجزيرة العربية. ليس من المعقول تخيّل هذا من الأساس. لا يمكن لحدث كهذا أن يفسِّر فعلياً انهيار حضارة كبيرة، ونزوح أصحابها جماعياً إلى شتى بقاع الأرض.

بدلاً من ذلك، علينا أن نلتمس في أسطورة “السَّد” كناية أدبية عن المُتَّحَد السياسي في اليمن القديم، ومن ثم فـ”انهيار السَّد” يصبح كناية عن انهيار المُتَّحَد السياسي، تلك الحالة التي يختصرها القول المأثور: “تفرَّقتْ أيدي سبأ”. 

العمل الفني للينا العمودي

إليكم ما كتبه عن سد مأرب الباحث الروسي ميخائيل بيوتروفسكي (في كتابه “اليمن قبل الإسلام”، ص281): “تقدَّر المساحة التي كان يرويها سد مأرب والسدود المجاورة له (سد جفينة وغيره) بـ 10 آلاف هكتار أي ما يقل عن 0,2% من مساحة الأراضي المزروعة في اليمن (المساحة الاجمالية للأراضي الصالحة للزراعة في اليمن تعادل 5 ملايين هكتار)”. – [يجب التنويه إلى أن اليمن الذي يقصده المؤلِّف في سياق الأرقام عن مساحةً الأرض المزروعة، يقتصر على الشطر الشمالي من اليمن الذي كان يسمى قبل 1990 الجمهورية العربية اليمنية، فالطبعة الأولى من الترجمة العربية للكتاب صدرت عام 1987، أي قبل توحيد اليمن بثلاث سنوات].

يمكن الاعتماد على المعطيات التي أوردها بيوتروفسكي للتقليل من حجم الآثار الاجتماعية والسياسية التي تحيلها الأسطورة في العادة إلى واقعة انهيار سد مأرب، (سنعرف بعد قليل أن لدينا أكثر من واقعة انهيار للسدّ بدلاً من واقعة واحدة). يستنتج الكاتب الروسي من تلك الإحصاءات كيف أن سد مأرب كان مجرد منشأة ريّ محلية فقط “ولم يؤلف أساساً لمنظومة ريّ في [كامل] جنوب الجزيرة العربية، كما كانت تعتبره الأسطورة القروسطية القديمة”. 

“السَّد” في اللغة كلمة تشير إلى الحاجز الذي يصد المياه ويمنعها من التدفق لكي تجتمع وتُستَخزَن. وفي التاريخ السياسي والاجتماعي، من المغري أن نجعل من السَّد تعبيراً مجازياً يدل على الاجتماع السياسي الذي يتحقق من خلال الدولة التي هي في أبسط صورها انتقال يمرّ بواسطته المجتمع من اللاشكل إلى الشكل مثلما يتخذ الماء شكله في السَّد الذي يحتويه.

أمّا “سَدّ مأرب” في الواقع الحيّ فهو ذلك الحاجز المشيَّد على وادي أذنة بين مأزمي الجبلين البلق الشمالي والبلق الأوسط، و”جبال البلق هي سلسلة من الجبال تؤلف الحاجز الأخير للمرتفعات الشرقية قبل أن تلتقي بالصحراء”.

السَّد = العَرِم = الجدار.

العَرِم أو العريم هو السَّد بلغة النقوش اليمنية القديمة والجمع أعرام.

ويطلق في النقوش، بحسب يوسف محمد عبدالله، لفظ “العرم” على سد مأرب، ويُكتفَى بأداة التعريف التي تلحق الكلمة في الآخر ودون إضافة “عرمن”.

وسدّ مأرب “في شكله المتطور الذي يعود تاريخه حسب المعلومات المتوفرة إلى الألف الأول قبل الميلاد؛ ليس سوى محصلة لتجربة حضارية طويلة ورائدة”، (يوسف محمد عبدالله، “سد مأرب”، مجلة الإكليل، عدد أكتوبر 1985).

العمل الفني للينا العمودي

ويضيف يوسف محمد عبدالله: “وبمقدار ما كان تعميره رمزاً لازدهار حضارة اليمن القديم، صار تفجّره ذكرى انهيار تلك الحضارة. وكانت حادثة تفجره الأخير قريبة العهد من فجر الإسلام، وتناقل الناس أخبار الحادثة الكبيرة وبقيت عالقة في أذهانهم، كما ارتبطت بهجرة أهل اليمن وتفرقهم في الأمصار، قبل الاسلام وبعده حتى صارت جزءا من موروثهم وذكريات ماضيهم، وتتجدد دوما بالحنين وتعزز بالفخار”.

بعد ذلك، تطرَّقَ المؤرخ يوسف محمد عبدالله إلى القصص التي نسجها اليمنيون حول انهيار السد “وكيف امتزجت الحقيقة بالخيال واختلط مع تقادم العهد صوت التاريخ بصداه”. ويذكر في هذا الصدد حكاية الفأر التي تقول “إن فأراً كبيراً ذا أسنان ومخالب حديدية قرضت حوائط السد الحجرية حتى تداعت المباني وأهلكت الزرع”. 

وتابع قائلاً: “وكان أهل سبأ قد علموا من كتبهم ونبوءاتهم أن سدهم كان قدره الهدم بواسطة فأر اسمه الخلد، ولذلك وضعوا قطة على كل فتحة بين حجرين وعندما حان القضاء أتى فأر لونه أحمر إلى إحدى هذه القطط وهاجمها وعندما تراجعت القطة دخل الفأر في الفتحة وحفر فيها ولما نزلت السيول وجدت شرخاً تسربت منه المياه، فتداعى السد، وغمرت المياه الأراضي وملأت مساكن القوم بالتراب”.

بالطبع، من المهم معرفة أن تاريخ اليمن القديم -تاريخ اليمن قبل الإسلام- يكاد يتكثَّف في تاريخ مملكة سبأ التي من المرجَّح أنه تحقَّق في ظلها المخطَّط التوحيدي الأول لما يُعرف حالياً بـ”اليمن”. إنّ “تاريخ سبأ هو تاريخ الحضارة اليمنية في فجرها ازدهارها وأفولها. وسد مأرب في أرض سبأ هو رمز تلك الحضارة نشأ معها وصاحب أوج نفوذها وواكب فترات ضعفها وقوتها، وشهد لحظات انهيارها وانهار على إثرها”، (يوسف عبدالله، مصدر سابق).

و(سبأ)، عند النسَّابة، هو شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وهو أبو حمير وكهلان “ومنهما تسلسلت أنساب اليمنيين جميعاً”. و”سبأ” نفسه، وفقاً لـ يوسف محمد عبدالله، هو الذي بنى سد مأرب “وكان العقب والذكر والملك من بعده لولديه كهلان وحمير”.

ورغم “أن آخر دولة في اليمن قبل الإسلام هي حمير، إلا أن ملوكها كانوا يحرصون على أن يجعلوا من الاسم “سبأ” متصدراً لألقابهم الملكية، فكان الواحد منهم يُلقَّب بـ”ملك سبأ وذو ريدان”. وذو ريدان هم حِمْيَر في وقت لاحق. وفي مراحل متطورة من الدولة الحميرية كان الملك يُلقَّب بـ “ملك سبأ وحمير وحضرموت ويمنت وأعرابهم في الطود وتهامة”.

 

العمل الفني للينا العمودي

لم يتصدّع السَّد مرة واحدة، بل عددا غير محدَّد من المرَّات. إلا أن ما بقي عالقاً في الذاكرة هو التصدّع الذي سبق ظهور الإسلام، “فقد كان تفجّراً خارقاً للعادة، كانت كارثة كبيرة أتت على معظم بنيان السَّد وجرفت أكثر منشئآت الري وقضت على أسس تشغيل السَّد…”، (يوسف عبدالله، مصدر سابق).

كان السَّد يتصدّع وينهار لأسباب كثيرة مثل السيول والفيضانات والزلازل، ولكن المهم هو التصدع بسبب الإهمال الناجم عن ضعف الدولة السبئية، الضعف السياسي الذي بلغ ذروته نتيجة تحول طرق التجارة من البر إلى البحر، وهو ما أدى تدريجياً إلى صعود مركز سياسي جديد من المرتفعات الجنوبية الغربية في ظفار بقيادة من سيعرفون فيما بعد بالحميريين.

بحسب المعلومات الواردة في مقالة يوسف محمد عبدالله، فإن مساحة (بحيرة) السد قديماً كانت تقدر بحوالي 8 كيلو متر مربع، وسعتها الإجمالية حوالي 55 مليون متر مكعب. وكان السَّد عرضة للامتلاء بالطمي والترسُّبات، وهو ما يؤدي بعد عشرات السنين إلى تكسر جدار السَّد تحت ضغط الترسبات في بطنه. ونقل يوسف محمد عبدالله تقديرات من وصفهم بالعلماء أن انكسار السَّد بسبب الترسُّبات الخشنة يمكن أن يحدث كل قرن مرة “ومما قد يؤيد هذا الاستنتاج ما جاء في النقوش اليمنية القديمة التي تذكر تصدع سد مأرب في الفترات المتأخرة ثلاث مرات، وتؤرخ لذلك مباشرة أو بطريقة غير مباشرة بالتقويم الحميري، وليس من قبيل الصدفة أن يكون الفرق بين كل تصدع وآخر حوالي قرن”.

إنّ ما يَصْدُق على السَّد العظيم من دورات التصدّع والخراب في التاريخ اليمني القديم، هو أكثر صدقاً على دولة اليمنيين التي تتداعى كل مرة في زمن أقصر من زمن بقاء السَّد قائماً متماسكاً أمام ضغط الترسُّبات أو تخريب القوارض كما تقول أسطورة “الخلد” أو الفأر وفقاً لما هو شائع لدى عامة الناس.

نستخلص -إلى جانب كل ما سبق- أننا نحن اليمنيون في حين أننا نمتلك قصة رمزيّة غرائبية عن الإنهيار والتهدُّم، فإننا نفتقر إلى قصة ملحمية مشابهة لكن عن البدايات العظيمة في تكوين الأمم. لا نملك سِفراً لـ”التكوين”، نملك سِفراً لـ”الفناء”. 

فتِّشوا، لن تجدوا حتى قصة درامية واحدة تخلِّد لحظة إقامة السَّد لأوّل مرّة، فالخلود من نصيب لحظة الانهيار!

اظهر المزيد

محمد العلائي

صحفي وباحث ومؤرخ يمني، مؤلف كتاب "الجمهورية الفانية..مذكرة حول الانهيار والحرب في اليمن" الصادر هذا العام 2021، عن دار الفارابي بيروت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى