fbpx
إبداع بصري
مقال شائع

محوات الحديدة: قصة الملحمة اليومية لصيادي اليمن

مقال مصور ل عبدالكريم المربوع

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

محافظة الحديدة، أحد أهم المحافظات اليمنية والتي تحتل المرتبة الثانية من حيث التعداد السكاني بعد محافظة تعز بنسبة 11٪ من إجمالي سكان الجمهورية اليمنية. ويعد ميناؤها الواقع على البحر الأحمر ثاني أكبر موانيء البلد بعد ميناء عدن الواقع على بحر العرب.

تقع عروس البحر الأحمر في الجانب الغربي لليمن حيث تتوسد البحر الأحمر بشريط ساحلي يمتد من مدينة اللحية أقصى شمال الحديدة إلى مدينة الخوخة أقصى جنوب الحديدة بطول حوالي 300 كم. وبهذا فإن الثروة السمكية في هذه المحافظة تعد أكبر وأهم الثروات القومية للجمهورية اليمينة عموما وتهامة خصوصا.

في منتصف الشريط الساحلي بين الخوخة والُّلحية تقع مدينة الحديدة عاصمة محافظة الحديدة التي تشمل ثلاث مديريات. ويعيش أغلب سكان هذه المدينة على الاصطياد كمهنة أساسية، وإذا ما زرت حي (الصبالية) الذي يقع في قلب الحديدة فإنك لن تجد منزلا واحدا يكاد يخلو من صياد .. وبالقرب من ذلك الحي غرباً، على الجهة المتاخمة للبحر الأحمر، يقع ميناء الاصطياد الأكبر والأشهر في الحديدة حيث ترسو مئات القوارب الخاصة بالصيد على شاطئه. وعلى جنبات الميناء يتمدد سوق للسمك إلى جانب الأحياء البحرية أو ما يسمى ب(الحراج) حيث البيع والشراء بالجملة. في هذا السوق أيضا يجد الزائر نقاط توزيع السمك على السوق المحلية، وفيه أيضا، تعبأ الأسماك في القوارب لتصديرها إلى الخارج.

يتحكم بسوق السمك مجموعة من كبار التجار أو من يسمون بـ(الوكلاء)، فغالبا هم أصحاب رأس المال وهم من يقومون بالمقايضة مع الصيادين حول كميات السمك المصطادة حال خروجها من القارب. ويلاحظ المرء هنالك حالة من المزاد العلني فمن يدفع أكثر يفوز بالمناقصة ويحصل على السمك ليبيعه.

تختلف حملات الصيد أو “الطلعات البحرية” فهناك طلعات يومية تشق عباب البحر صباحاً وتعود ليلاً بما قسمته لها الأرزاق وتكون على مسافات قريبة من الشاطئ أو من الجزر المجاورة.. وهناك طلعات كبيرة قد تمكث أسابيع أو شهوراً، ولهذه الطلعات قوارب كبيرة ومخصصة تكفي لحمل عشرات الصيادين مع المؤونة اللازمة للمدة التي ينوون الإبحار فيها، يتزود هؤلاء الصيادون بالوقود والغذاء وكذلك عدة الصيد وثلاجات الأسماك، يجول الصيادون في هذه الحملات أو الطلعات البعيدة ضمن مسافات بعيدة؛ فمنها ما يصل إلى شواطئ أرتيريا وأثيوبيا.

يتكون الفريق على القارب من مجموعة صيادين أغلبهم من فئة الشباب الذين لديهم القدرة الكافية على الصبر على مشقات الإبحار ومخاوفه. هذا؛  إلى جانب مهاراتهم الممتازة في السباحة ورمي (الجلبة)[ii]. ويقودهم (الناخوذة) وهو اسم يطلق على كابتن السفينة.

يحكي رواد هذه القوارب عن طلعاتهم بأنها بالرغم من متاعبها ومخاوفها، فإنها تتسم بجانبٍ من المتعة والمرح؛ فما إن تغطس الشمس في البحر أمام أعينهم ويحل الظلام وينتهي وقت العمل حتى تبدأ طقوس فريدة يتخللها الرقص وترديد أغاني وموالات خاصة بالبحارة، كذلك يمارس الصيادون مضغ القات، و يتبادلون الأحاديث والحكايات. وكل ذلك يساعدهم على تبديد وحشة الليل والبحر وقسوة الموج والرياح.

يمكث الصيادون في البحر إلى أن تنتهي مؤونتهم من الوقود والغذاء فيعودون أدراجهم إلى الميناء لتفريغ شحناتهم وبيعها وليحظوا برزقهم الذي بذلوا مقابله جهدا شاقا ومضنياً. يظهر هذا العمل المضني على ملامح الصيادين الجسدية فبشرة الصياد في العادة تكسوها السمرة وأما الشعر فقد يميل لونه نحو الشقرة، ويرجع ذلك إلى تعرض الصيادين لأشعة الشمس لفترات طويلة، ويظهر على كفوف الصيادين صلابة وشقوق واضحة نتيجة القبض المستمر على حبال الشباك.

يعد سوق السمك في الحديدة  من أهم الوجهات السياحية التي يرتادها زوار الحديدة من المدن الأخرى وبالأخص أبناء مدينة صنعاءـ  ويكثر الزوار عادة في موسم فصل الشتاء المعروف بتوافر سمك الجمبري وأنواع أخرى من الأحياء البحرية. والجدير بالذكر أن هذا النشاط السياحي يسهم بشكل ملحوظ في انتعاش حركة السوق وفي ازدياد دخل الصيادين وتجار الأسماك.


[i]  المحوات صيغة اسم مكان في اللغة. وتدل في هذا السياق على السوق الذي يباع فيه السمك. وهي مأخوذة من كلمة “حوت” السمك المعروف، وفي بعض اللهجات اليمنية، كما هي الحال في بعض لهجات المغرب العربي في شمال أفريقيا، يسمى السمك بصورة عامة ” حوت”، من باب إطلاق الخاص على العام.

[ii]   عند وصول الصيادين إلى موقع الصيد المحدد وفقا لخبرتهم في معرفة الأماكن، يرمون شباكهم في المياه ومنهم من يستخدم أسلوب ” الجَلَب” وهوعبارة عن خيط طويل معلق في طرفه رأس السنارة المثبت به الطعم لصيد الأسماك. وكلمة جَلَبة وجمعها جلب فصيحة مأخوذة من الفعل جَلب بمعنى أحضر. وتستخدم في اليمن للحيوانات التي تجلب للبيع إلى مكان البيع، كما تستخدم في عرف الصيادين للطعام الذي يجلب الأسماك.

المقال المصور:

 

 

اظهر المزيد

عبدالكريم المربوع

مصور من محافظة حجه ..ولد في مدينة الحديدة وترعرع فيها وأحبها حتى صارت موطنه. كان يحلم دائما أن يخلد الغروب وأن يكون مصورا كبيرا فزاد شغفه كل يوم في التصوير حتى اعتنق التصوير كأسلوب حياة تساعده في تذوق الجمال. يعمل كمصورا حرا في المجال الانساني مع العديد من الجهات منذ 2017 وشارك في عدة معارض محلية آخرها في معرض الكتاب في مأرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى