fbpx
النساء والنوع الاجتماعي
مقال شائع

المرأة مختلفاً: ما الذي تحمله كتب التراث العربي من صور سلبية عن المرأة؟ (1-3)

نستعرض في هذا المقال المكوّن من ثلاث حلقات الكيفية التي جرى بها رسم حدود للمرأة في كتب التراث العربي الإسلامي بوصفها آخر مختلفاً ترتبط به سمات سلبية جوهرية. وهدف هذه المقاربة هو تفكيك هذه الظاهرة وتلمس جذورها. ولعل في ذلك ما يسهم، مع جهود فكرية أخرى، تصب في هذا الاتجاه النقدي، في تأسيس قاعدة جديدة للوصول إلى صيغة اجتماعية في السياق العربي تكون أكثر اعتدالاً ونضجاً وإنسانية ومساواة.

فكرة الآخر قديمة قدم الوجود الإنساني

      أتى على الإنسان حين من الدهر، وهو يلحظ الآخر بعين الريبة، وينظر إليه بقدر غير قليل من الزراية وسوء الظن، دون أن يراه امتداداً له، وعنصراً مكملاً لوجوده.

ولم يكن العربي في ذلك استثناءً في الطبيعة، أو بِدعاً في أصل الخلقة؛ لذا ظهرت في التاريخ العربي قصة العرب والعجم، والسادة والموالي، والأبيض والأسود، والقرشي والأنصاري، والبصري والكوفي، والعدناني والقحطاني، والرجل والمرأة، والفقيه والصوفي، والجبري والقدري، وصاحب الشريعة وصاحب الحقيقة؛ وأهل الظاهر وأهل الباطن، وذوي النقل وذوي الرأي والعقل… إلخ.

 كان مما توصل إليه علم النفس الحديث أن الإنسان أول ما يدركه ويميزه هو الآخر؛ ومن خلال هذا الآخر الذي يتفاعل معه ويتصل به، يدرك الإنسان نفسه، ويتعرف على ذاته.

ألم يجعل الله سبحانه نفس الآخر بمثابة نفسك، فقال في كتابه: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم)؛ أي يقتل بعضكم بعضاً، ونَّزل دمَ الآخر بمنزلة دمك، فقال: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم)؛ أي لا يسفك بعضكم دم بعض، ولا يخرج بعضكم بعضاً من الديار، وقال: (َولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)؛ أي لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق([1]).

للأسف، فقد نظر العربي القديم كغيره من أصحاب الإثنيات والثقافات الأخرى دون استثناء للآخر بثنائية قاتلة، وفي أحسن أحواله كان ينظر إليه بتراتبية مجحفة وجائرة، ولطالما اعتبر نفسه والآخر أضداداً لا يفتأ بعضها ينفي البعض الآخر، إن لم يزله؛ لذا سنرى في هذا الفكر كيف وضعت هذه الثنائيات في مقابل بعضها البعض.

لقد شاءت سنن التاريخ أن يعيش الإنسان هذه الطفولية المعرفية ويمر بها في أدوار حياته التي عاشها وعاشها أسلافه من قبله. غير أن الإمكانية قد أصبحت متاحة أمام الإنسان العربي في هذا العصر في أن يترقى في فكره، وأن ينفض عنه غبار الأوهام التي دان بها دهراً طويلاً؛ لا سيما بعد ثورة العلم والرقي الإنساني اللذين حدثا في محيطه، وأن يسعى جاهداً في أن يضع عنه هذه الآصار التي قيدته زمناً، وجنت على روحه وحالت دون سمو تفكيره.

لم تكن المرأة وحدها كآخر مختلف عن الرجل في الفكر العربي والإسلامي من تعرضت للظلم أو الأحكام الجاهزة والمسبقة، وإنما كل ما هو مختلف لقي حظه من التبخيس والظلم.

وإذا كانت وثيقة حقوق الإنسان- وهي الوثيقة التي حفظت لجميع بني البشر حقوقهم دون تمييز، بغض النظر عن جنسياتهم أو أعراقهم أو لون بشرتهم أو أصلهم، وقد احتفى بها العالم المتمدن- ينظر إليها المفكر روجيه جارودي كوثيقة ذكورية، فكيف الحال بمناهجنا الدراسية، وأساليب وأنماط حياتنا وتفكيرنا وأمثالنا ولغتنا التي نتحدث بها بشكل يومي والتي تضج بالتفرقة والظلم والنظرة الدونية إلى المرأة.

العمل الفني لوليد الورد

وهذا ما يضعنا في مرمى المراجعة الدائمة إزاء معتقداتنا وأفكارنا وكل ما يحيط بنا؛ علنا ننهض ونواصل السير بسلام نحو غد أكثر مساواة واحترام وتفاهم.

نفي للشراكة: السلطة واللغة

وقبل أن نشرع في الحديث عن وضع المرأة في البنية الأساسية المكونة للفكر العربي والإسلامي نجد من الضروري أن نستهل الحديث بأمرين:

 أولاً: إن السلطة في الإسلام حتى في أحسن عصورها قامت على الأحدية، أو أنها حُسم أمرها بالشوكة والعصبية بحسب تعبير ابن خلدون، وهي كما لوحظ لا تقبل بالشراكة واستيعاب الآخر، وكان مما ورثته السلطة من جملة ما ورثته اللغة التي كانت أداة طيعة بيدها لإحكام سيطرتها على الواقع اليومي.

وإذا كانت السلطة السياسية (أي سلطة) تحمل مشروعاً تاريخياً ما، فإن هذا المشروع يبدو للعقل مهما كانت طاقته الاستيعابية وفي اللحظة الآنية منطقياً، وأن اللغة التي تمتلكها وتسعى إلى تمريرها تبدو له منطقية بما تحمله من مساحيق بيانية وبلاغية إلا أنها قد تحمل معها أوهاماً وأباطيل، وقد عبر عن ذلك آرنست كاسيرر حين قال: “إن اللغة تبدو بلا شك منطقية وعقلية، ولكنها من جهة أخرى مصدر أوهام وأباطيل”([2]).

الأمر الثاني: هو أن المعنيين بالشأن اللغوي يقولون: إنه لا يمكن أن تكون للغة وظيفة واحدة وهي نقل المعلومات فقط؛ إن الأمر يتعلق بقواعد لعبة أكبر تمتزج بالوجود اليومي بشكل واسع، فالأقوال التي ننتجها في حياتنا اليومية لها جانبان: جانب لغوي وجانب فعلي؛ إنها أقوال وأفعال، أو هي أقوال يمتزج فيها القول بالفعل، ومن هنا العنوان الدال والمعبر لكتاب أوستين: “عندما يكون الكلام فعلاً” أو “عندما نقول؛ فإننا نفعل”([3]).

لذلك لا يمكن اعتبار الإخبار ونقل المعلومات هو الوظيفة الوحيدة والأساسية للغة فحسب، فليست اللغة مجرد شفرة Code؛ إننا نستعمل اللغة لإنجاز أفعال عديدة؛ ولتغيير الواقع أو تغيير علاقاتنا معه، وللتأثير في الغير وفي الأشياء، ومن هنا سلطتها وسلطانها وقوة كلماتها([4]).

وفي سياق علاقة السلطة بين الذكر والأنثى كانت اللغة هي الأداة التي استخدمت في الخطابات المتعددة لغرض ترسيم الاختلافات، وفرض الهيمنة، والواحدية المطلقة، وتشريع الطاعة وما يتفرع عنها من مقتضيات عملية تتعلق بالتبعية للذكر ونحر السمات الشخصية الفردية لدى الأنثى.


 ([1]) انظر: جامع البيان في تأويل القرآن، لمحمد بن جرير الطبري، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420هـ، جزء 2، ص300؛ والجامع لأحكام القرآن، تفسير القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة الطبعة الثانية، 1384هـ / 1964، جزء2، ص 338.

 ([2]) اللغة والدين وسلطة الدولة: الدولة الإسلامية نموذجاً، عبد الغني أبو العزم، 235-236. نشر في مجلة المناهل – مجلة فصلية تصدرها وزارة الثقافة والاتصال المغربية، السنة 25، عدد 62-63- صفر، 1422- ماي 2001.

 ([3]) سلطة الكلام وقوة الكلمات، أبو بكر العزاوي، ص136. نشر في مجلة المناهل (المصدر السابق ذكره).

 ([4]) المصدر السابق، ص141.

اظهر المزيد

وضاح عبدالباري طاهر

باحث مختص في التاريخ الثقافي اليمني. صدرت له أربعة كتب: "ضحايا المؤرخين: ابن خلدون وابن عبيد الله السقاف أنموذجاً" 2007، "رحلة في كتاب ومؤلف"، "العلماء والاستبداد"2010، و"قراءات في التراث والتسامح" 2017. ولوضاح مقالات منشورة في منصات وصحف مختلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى