fbpx
تاريخ
مقال شائع

الشك والتجديد لدى النخبة الصنعانية في فترة ثلاثينيات القرن العشرين

 قراءة في مذكرات العزي السنيدار

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

     لم تنل العقود الثلاثة التي سبقت ثورة 1962 في شمال اليمن ما تستحق من البحث التاريخي والاجتماعي والفكري المعمق والشامل الذي من شأنه أن يركِّز على الدوافع والنوازع والمتغيرات التي أدت إلى بروز وعي جديد دلت عليه سير بعض النخب كما دلت عليه نصوص أدبية فصيحة و شعبية عامية مغناة وغير مغناة.[1] ولعل السبب وراء هذا الغياب البحثي هو ما شغل الباحثين من اهتمام بحدث الثورة 1962 وفاعليها وما تلى ذلك من أحداث جسام أهمها الحرب الأهلية ومراحل استقرار النظام الجمهوري وتطوره. ومع ذلك، فإنَّ المرء لن يعدم الوقوف على سرد تاريخي هنا أو دراسة تفسيرية هناك لتلك المرحلة. وهو ما يوفر للباحث مادة خام للنظر والتأمل في هذه المرحلة باعتبارها طقس العبور إلى التغيير التاريخي في بنية الدولة والمجتمع في شمال اليمن.

ستركز هذه المقالة، بصورة أساسية، على مذكرات العزي صالح السنيدار ( توفي عام 1977م)  باعتبارها وثيقة نصية تصف هذه الفترة بصورة حية ملامسة للأحداث. إن السرد البسيط  والواضح في المذكرات يدل على النزعة الواقعية  لدى المؤلف وكونه بعيدا كل البعد عن مهنة المؤرخ المحترف الذي يطمح في الحصول على مكانة فكرية أو مجد أدبي من خلال التأليف. في المذكرات جوانب من الاعترافات العفوية الشيقة ومن اللقطات الاجتماعية التي قلما تجدها في المؤلفات التاريخية التي ينتجها الأكاديميون و أشباههم. وقد ذكر السنيدار أنه اعتذر لأولاده عن تسجيل مذكراته فهو – كما يقول متواضعا- ” غير قادر على الكتابة باللغة الفصحى  و أنني عاجز عن تنميق الكلام”.[2] بهذه الروح الشفافة سجل السنيدار مذكراته في ظل إلحاح الأولاد وبعض معارفه من أهل العلم والأدب والسياسة. و من خلال هذه المذكرات سنحاول البحث عن الأسباب الواقفة وراء ما نطلق عليه نزعتي الشك والتجديد لدى النخبة الصنعانية في ذلك الوقت مستأنسين بمراجع أخرى من شأنها أن تضع هذه المذكرات في السياق العام للأحداث والتطورات خلال تلك الفترة المحددة.

ولعل من الأنسب أن نعمد أولا إلى  تحرير  المصطلحات الثلاثة الواردة في العنوان، وهي: الشك والتجديد والنخبة. نقصد بالشك حالة نفسية  تعتري الفرد ويكون خلالها غير واثق من ما يقدم له في البيئة الاجتماعية باعتباره من المسلمات التي ينبغي الايمان بها و العمل بموجب ما تقتضيه.  وهذه الحالة هي نتاج تفاعلات بين الذات، بما تنطوي عليه من استعدادات وراثية ومكتسبة، والبيئة الاجتماعية الحاضنة في مرحلة زمنية معينة. أما التجديد، في سياقنا هذا، فهو نزوع نحو الخروج من مدار المعطى الاجتماعي والثقافي المشكوك فيه والمنظور إليه بأنه نموذج حياتي غير صالح للتبني. و أما النخبة، فتحيل على طبقة اجتماعية لها مكانة واعتبار في المجتمع لعوامل مادية كالمال أو رمزية كالثقافة الدينية والسلطة السياسية و الشهرة الفنية و الأدبية. وقد حصرنا النخبة بصفة الصنعانية لا بصفة أخرى مذهبية أو جهوية نظرا لما تحمله الإضافة إلى صنعاء المدينة من معاني مكتنزة متعددة تدخل فيها الانتماءات القائمة على الهوية المذهبية الزيدية والتطبعات الاجتماعية التاريخية المرتبطة بالثقافة اليمنية القديمة والوسيطة المتراكمة في صورة دويلات ومذاهب دينية مختلفة.

وإذا ما نظرنا إلى هذه المصطلحات الثلاثة مجتمعة، الشك والتجديد والنخبة، فإننا سنرى فيها وعدا بفعل تاريخي تغييري يكون له ما بعده. وهذا ما حصل بالفعل ففترة الثلاثينيات كانت هي المرحلة الفعلية المؤسسة لحركة المعارضة التنويرية المنظمة في عهد الإمام يحيى حميد الدين 1904- 1948.[3] وحتى تتضح هذه الدعوى فإننا سنتابع حركة الفاعلين، بالأخص العزي السنيدار، خلال الزمان والمكان، وسيكون من شأن ذلك جلاء رؤى وأفعال كانت أساسا لما حدث في اليمن الشمالي من تغيرات خلال فترة الأربعينيات من القرن العشرين حتى نهاية ستينياته.

العمل الفني لأماني باحشوان

 صنعاء ثلاثينيات القرن العشرين وأبطال الحكاية

في عتبة الكتاب يضعنا معد المذكرات للنشر، علي بن عبدالله الواسعي، في جو الزمان والمكان الذي خاض فيه العزي السنيدار و زملاؤه معركتهم من أجل التنوير. فبعد أن يصف طغيان التشيع في صنعاء وكون العزي السنيدار كان معرضا لثقافة تقديس الأئمة من آل البيت كغيره من أبناء جيله يقول الواسعي عن البدايات الشكية:

” ولك أن تتصور كم ستكون دهشة العزي صالح حينما يسمع من يصف الإمام يحيى بالظلم و يعدد مثالبه، ولك أن تتصور دهشة أسرة العزي صالح من بيت السنيدار حينما عرف الحق و أصبح يعمل من أجله، وكم ستكون دهشة أهالي صنعاء من جيرانه ومعارفه، ثم كم ستكون دهشة الإمام يحيى حينما يرى رجلا قد ظهر من وسط صنعاء التي تنضح حجارة بيوتها بالتشيع أو كما قال الشهيد محمد محمود الزبيري مخاطبا الإمام يحيى:

من أين يأتيك العدو وأنت في        بلدٍ تكاد صخورها تتشيع

كم ستكون دهشة الإمام يحيى حينما يرى رجلا قد ظهر من وسط صنعاء ومن سوق البز ومن عائلة ومحيط كله يرى في الإمام ظل الله في الأرض، كم ستكون دهشته عندما يرى رجلا كهذا؟ …”.[4]

في هذا الاقتباس تتكرر كلمة الدهشة منسوبة مرة إلى العزي السنيدار ومرة إلى أسرته ومرة إلى أهل صنعاء ومرتين إلى الإمام يحيى. والواسعي يريد بذلك أن يصف مدى دلالة الخروج الفكري والعاطفي والقيمي على بيئة من هذا النوع. وهذا وصف دقيق لبيئة صنعاء في تلك الفترة والخطورة التاريخية للخطوة التي أقدم عليها جماعة من المتنورين هم أبطال سيرة العزي السنيدار. يرى الباحث الروسي فلاديمر بروب أن الأبطال في الحكايات يكونون إما أبطالا ضحايا أو أبطالا ساعين إلى فعل شيء.[5] والعزي السنيدار وأبطال قصته يجمعون الصفتين فهم فاعلون تاريخيون في تلك الفترة التي كانت خاضعة لثقافة تقليدية ممانعة للتجديد، وهم أيضا ضحايا؛ فقد وقعوا في الأسر وكيلت لهم الاتهامات بأنهم يريدون اختصار القرآن، وبأنهم يهود  درادعة وعُكَّش ( فرقتان من اليهود) وزنادقة، وكفار، ونصارى، ونواصب، ووهابية، ولا يصلون على النبي، حسب ما تورد المذكرات.[6]

والمذكرات بذلك هي رصد عفوي متدفق لملحمة بطولية خاض غمارها مجموعة من الرجال الشباب الطامحين إلى حياة أفضل. ومن أهم أبطال الملحمة إلى جانب المؤلف الحاج محمد عبدالله المحلوي الذي التقى به السنيدار وهو في سن الثلاثين وغيّر حياته بأفكاره المختلفة إلى الأبد، ثم أحمد المطاع الذي شارك تلك الحركة بفاعلية وكان له دور تنويري صحفي بسط القول حوله صاحب المذكرات.[7] هؤلاء الثلاثة وغيرهم ممن كان يحضر المجالس التي كان يبث فيها المحلوي أفكاره التجديدية والاعتراضية كانوا النواة لحركة تحررية تنويرية في ثلاثينيات القرن العشرين. و كان ينصب اهتمام حركة هؤلاء على الاعتراض على الإمام وشرعيته المستندة إلى نصوص فقهية زيدية. كما كان نقد الحركة يطال الفكر التقديسي التشيعي الطبقي بصورة عامة وينعي تخلف اليمن وانغلاقه.  بعبارة أخرى، كانوا يودون تقديم بديل كلامي سني عام مشتق من أفكار كانت موجودة لدى علماء زيدية سابقين كابن الوزير و المقبلي وابن الأمير والشوكاني وغيرهم، ونموذج سياسي و اجتماعي عصري مختلف عن النسخة السائدة آنذاك  والمكرسة من السلطة الدينية الإمامية.

والمذكرات ليست رصدا تاريخيا موضوعيا للأحداث، بل فيها توثيق للحظات من الخوف والضعف والشك والترقب. ونضرب مثلا بأحد المواقف بين السنيدار ورفيقه أحمد المطاع الذي كان، في فترة من فترات نضالهما، يراسل العزب حاكم حيس. وعند وفاة حاكم حيس خضعت مقتنياته لتفتيش أتباع الإمام. خاف السنيدار والمطاع أن تكشف الأوراق والمنشورات التي كان المطاع يبعث بها. يقول السنيدار عن تلك الحال من الترقب:

” ودامت الحالة هكذا مدة أسبوع، ونحن على أحر من الجمر، ومنتظرون السجن في أي لحظة طول النهار ونحن ننتظر حتى يأتي الليل، ولم يستقر المطاع في بيته، بل كان يصل إلي ويجلس نصف ساعة، ولا أمكث سوى نصف ساعة ثم أذهب إلى بيته لأطمئن عليه.. “.[8]

وينتهي الموقف بأن شنطة حاكم حيس تقع في يد القاضي عبدالرحمن الارياني الذي أفرغها من المنشورات السياسية وسلمها سيف الإسلام أحمد حميد الدين منقذا الناشطين السياسيين من كارثة كانت محققة.[9]

وفي المذكرات ذكر لبعض المواقف الإنسانية لأشخاص تعاطفوا مع هذه الجماعة الفكرية. من ذلك تعاطف بعض كبار موظفي الدولة مع السنيدار وزملائه ومن هؤلاء وزير الخارجية القاضي محمد راغب وعامل صنعاء السيد حسين بن علي عبدالقادر اللذين كانا يراجعان الإمام من أجل فك أسر هؤلاء المعارضين السياسيين.[10] يذكر السنيدار أيضا القاضي عبدالله العمري وخير الدين شيخ البهرة في عدن اللذين مدا يد العون والمساعدة للسنيدار وصحبه وهم في السجن.[11]  وتعرض المذكرات لحالة فقر بعض رفاق السنيدار والتعاون الأخوي بينهم وما تجلى في تلك المواقف الصعبة من كرم وشهامة في علاقة السنيدار مع محمد المحلوي الذي يعد الأب الروحي للحركة التنويرية الصنعانية في فترة الثلاثينيات. تقاسم العزي السنيدار مع المحلوي المأكل والمشرب والملبس  مما كان لديه من غلة تدرها أرض له، وظلت رابطتهما الفكرية والإنسانية قائمة على التوق إلى الحرية والخلاص من براثن الظلم حتى فارق الملحلوي الحياة مباشرة بعد خروجه من السجن وهو يعاني من الأمراض. ويذكر السنيدار موقف الطبيب الايطالي ديبوزي الإنساني في معالجته ومعالجة المحلوي بعد خروجهما من السجن؛ أولا السنيدار ثم المحلوي.  ولإعجابه بهما رفض الطبيب ديبوزي أي مقابل لقاء علاجه لهما وظل مجتهدا في العناية بهما حتى مات المحلوي بعد أن عجز الدواء عن التخفيف من آلامه.[12]

العمل الفني لأماني باحشوان

والذي يستنبط من سرد السنيدار أن محمد المحلوي كان يتميز بذكاء استثنائي نادر، وقد كان الرجل رغم بساطته صاحب مشروع تغييري وهو يعمل من أجل تحقيقه بوعي قل أن يوجد لدى من كانوا يعيشون في عصره. وكانت له أساليب سياسية في مداراة أهل عصره ومحاورتهم بطريقة حضارية مع الإصرار على إيصال رسالته المحورية في تحميل الإمام مسؤولية الوضع المتردي في البلد وفي التوق إلى بديل للموجود. [13] وكان المحلوي، إلى جانب ذلك، ذا عقل منفتح ؛ فمن جهة كانت له علاقات ببعض الشخصيات التركية التي كانت تعيش في صنعاء وكانت تحمل رفضا لدعاوى الإمام بل ولدى بعضهم شكوك في نصوص دينية أو في بعض مظاهر الفهم التاريخي للدين. وكان المحلوي يختلف معهم في ذلك.[14]  وأكثر من ذلك كان للمحلوي اطلاع على كتب الرياضيات والتاريخ والطب والدين الإسلامي وكتب الدين اليهودي. وكانت له مجالسات ومدارسات لاهوتية مع خاخام يهودي معروف بعقليته المنفتحة و بمكانته المرموقة بين اليهود والمسلمين على حد سواء،  وهو يحيى الأبيض.[15]

 يقول السنيدار عن أستاذه المحلوي: ” كان له الفضل في إخراجي من عالم الجمود إلى عالم الحرية، المجاهد الصابر الذي لقي الأمرّين في سبيل إيقاظ هذا الشعب النائم”.[16]

و ينقل السنيدار بعض أقوال المحلوي محفوفة بتقديره و إعجابه. يقول المحلوي مخاطبا صديقه السنيدار، كما ورد في المذكرات:

” النوابغ في كل العالم قليلون ومحاربون من الملوك ومن علماء الجمود وأهل الأغراض والأطماع، ولا سيما في اليمن؛ فإنَّ ملوكها عزلوها عن العالم وحتى الآن في العصر الذي يسمونه عصر النور. الاستعمار والاستبداد هما السبب في ضعف الدين ولم يبق من الدين إلا القشور. ولا تظن أن اليمن ليس بها نوابغ ولكنهم يعدون بالأصابع. وأريد أن تعرف الرجال المفكرين وهم الأحرار الذين لم يتقيدوا بمذهب، بل مذهبهم الكتاب والسنة، هذا عن العلماء، وثم مفكرون بعقول صحيحة من المشايخ والقضاة والفقهاء وقليل من التجار”.[17]

وعبارات المحلوي هذه تدل على معالم المشروع الذي كان يحمله ويبثه إلى مريديه القليلين. ويتجلى في صلب هذا المشروع إيمان المحلوي بدور من سماهم النوابغ من أبناء الشعب، فقد ناله هو شخصيا ما ناله من أذى العامة، كما تورد المذكرات. والملفت أنه لم يحصر هذه النخب في العلماء المجتهدين، بل جعلهم من كافة أطياف الطبقة العليا كالمشايخ والقضاة والتجار. وهو بذلك يؤمن بقدرة ” العقول الصحيحة” المختلفة التكوين من جهة وبأولئك الذين تخلصوا من داء التعصب المذهبي من العلماء من جهة ثانية.

عوامل التنوير وتفاعلاتها

لا بد من الإشارة إلى أن هؤلاء التنويريين الذين كان لهم هذا النشاط المميز في مدينة صنعاء خلال ثلاثينيات القرن العشرين لم يكونوا نبتا شيطانيا في صحراء؛ فوعيهم وحركتهم كانت نتيجة عدد من العوامل المتفاعلة بصورة جدلية. ومن هذه العوامل الآتي:

  • الفكر الإصلاحي الزيدي الموروث: فالمحلوي قد أشار في حديثه إلى تلميذه السنيدار بأن هناك علماء مجتهدين وغير متمذهبين، وهو يقصد بذلك علماء الاجتهاد المطلق في المذهب الزيدي كابن الأمير والحسن الجلال والشوكاني وغيرهم. وتلك أرضية تنويرية إصلاحية محلية يمكن البناء عليها بسهولة. ومن هنا ظل هذا الخط الاجتهادي محل تقدير من مفكري اليمن وعلمائه حتى الفترة المعاصرة. فبفضل هذا الخط غير المتمذهب امتدت الجسور بين مذهبي اليمن الكبيرين الشافعي والزيدي وتواصل اليمنيون في مجال علم الكلام والحديث والفقه مع غيرهم من أتباع المدارس الأخرى في أقطار عريية وإسلامية أخرى. ويضاف إلى ذلك المكوّن المعتزلي الزيدي  الذي لا يزال هو الآخر محل تقدير و فخر من مثقفي اليمن، سواء كانوا من ذوي التوجه الديني المعتدل أو العلماني، وذلك لما ينطوي عليه من مبادئ عقلانية ومن بذور صالحة لتطوير ثقافة علمية تتجاوز الخرافات التي شاعت في العصور الإسلامية المتأخرة، ولا سيما أن الاعتزال قد أصبح في العقود الأخيرة أحد ركائز حركة التجديد في الوطن العربي تصدر عنه الكتب وتعقد من أجله الندوات.
  • الفكر العربي التجديدي في النصف الأول من القرن العشرين: تحفل مذكرات العزي السنيدار بذكر كتب الإمام محمد عبده و جمال الدين الأفغاني التي أحضرها المطاع معه من عدن،[18] ومجلة المنار التي كانت مكتبة الجامع الكبير في صنعاء تملك أعدادا منها. ويأتي ذكر بعض الصحف والمجلات التي كانت تصدر في مصر وعدن.  وقد كان لأحمد المطاع الذي كان يكتب في صحيفة الشورى المصرية باسم القعيطي دور كبير في ذلك العمل الصحفي الانتقادي الموجه إلى الإمام وسياساته وسلوك أولاده.[19] وقد شك الإمام في أمره مرارا وانتقده واصفا إياه بالشيطان الرجيم.[20]  فالمطاع الضابط المتمرس كان أديبا ومتحدثا لبقا، وكان محررا للإيمان الصحيفة التي كانت السلطات المتوكلية تصدرها. ولأن التنوير جدل وتفاعل فقد كان الإمام يحيى بنفسه منخرطا في مشروع حركة الإصلاح الديني العربي، فله اتصال بأفكار محمد عبده والأفغاني وغيرهما. وهو الأمر الذي جعل أحد الباحثين يطلق على مملكته ” الإمامة السلفية”[21] في مفارقة دالة؛ فالإمام الزيدي كان له طموح في امتداد عربي إسلامي يهبه مشروعية سنية، إن صح التعبير. يأتي هذا في زمن شاعت فيه الدعوات إلى عودة الخلافة إلى جزيرة العرب، وتلك بالتحديد إحدى دعوات المصلح عبدالرحمن الكواكبي في كتابه “أم القرى” حيث دعا إلى إقامة   خليفة قرشي مركزه مكة.[22]  ومن شأن ذلك الخليفة أن يكون بديلا للعثمانيين الذين فسد حكمهم وتفتت.
  • الاتصال بالخارج عبر بعض النخب: اتصلت بعض النخب بالخارج عن طريق القراءة  في الصحف التي كانت تصل إلى صنعاء، ورأت أن التغيير أصبح حتميا، فهناك عصر جديد يشهد تطورات وتغيرات هائلة.[23]  يضاف إلى ذلك اتصال بعض النخب بأسطنبول. وكذلك من خلال البعثة التي عادت من العراق عامي 1937 و 1938.[24]  وقبل ذلك كله، الاتصال بعدن التي كانت بعض صحفها وخصوصا “فتاة الجزيرة” بإدارة محمد علي لقمان تدعم حركة التنويريين في صنعاء، و إلى عدن لجأ  العزي السنيدار كغيره من الأحرار بعد فشل ثورة 1948 و بعد أن قضى سنوات سبعا من عمره في سجن حجة وناله ما ناله من التنكيل والترهيب. وظل السنيدار داعما بالمال والقول والعمل لزملاء النضال، ولم يعد من عدن إلى صنعاء إلا بعد النصر الذي حققته ثورة 26 سبتمبر  1962م.
العمل الفني لأماني باحشوان

خاتمة

حاولت في هذا العرض المختصر لمذكرات العزي السنيدار أن أركِّز فقط على معالم نزعة الشك في السائد الموروث وفي المسلّم به من الأفكار التي تحميها السلطة  المتوكلية التي كانت ذات صبغة دينية ودنيوية. استطاع السنيدار وزملاؤه لاسيما أستاذه المحلوي و صديقه المطاع أن يحركوا مياها راكدة وأن ينفخوا بقوة في نار ستشب ولن تنطفي أبدا؛ إنها نار الجدل الفكري والسياسي بين تيارين في اليمن لا يزالان يصطرعان حتى اليوم. وهذان التياران لهما من المعالم  ما كان موجودا قبل السنيدار والمحلوي وزملائهما ولهما من الآثار ما ظل موجودا بعدهم. بيد أن حركة ثلاثينيات القرن العشرين في صنعاء كانت ذات أهمية خاصة نظرا لتفاعلها مع التيارات العصرية في القرن العشرين التي انطلقت تساءل القديم وتتطلع بكل شغف إلى الجديد من جهة، ولتركيزها، من جهة أخرى، على تسمية الأمور بأسمائها دون مواربة. لقد كان أبطال مذكرات السنيدار جريئين في نقد شخص الإمام بصورة صريحة وفي نقد الموروث الديني، وخصوصا الأحاديث والسير، وفي مواجهة مجتمعهم الذي نالهم منه العناء الشديد كاللعن والشتم والقطيعة. كانت مجالسهم تزخر بالنقاش الديني والفكري والاجتماعي الذي يزيل السحر والقداسة عن الشخصيات الزيدية المبجلة وخطابها الديني وسلوكها الاجتماعي، وهو ما جعل حياة العقول تتحرك لتنتج جيلا قادما يكون شكه أكبر، ونقده أمرَّ، وطلبه للتجديد أكثر حماسة. إن مذكراتِ السنيدار، التاجر المفكر الذي ارتضى أن يكون خياطا بسيطا يكفل عائلته ورفاقه، تمنح القارئ صورة واضحة عن تلك الفترة ليس على مستوى الفعل السياسي فحسب، بل على مستوى لغة المجتمع، وتحيزاته، وميوله، وتململاته، وعقيدة عامته، ونقاشات خاصته، ونزعات الشك والتجديد لدى النخب المتطلعة من أبنائه.


 [1]  يرى عبدالله البردوني، على سبيل المثال، أن ما سماه فن  الدودحيات، وهي أغاني ذات بعد جنسي وعاطفي شاعت نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين، لها مضامين نقدية ضد الطبقة الميسورة والحاكمة. انظر عبدالله البردوني، فنون الأدب الشعبي في اليمن، الطبعة الخامسة، دار البارودي، بيروت، 1998، ص 311 وما بعدها.

[2]  العزي صالح السنيدار، الطريق إلى الحرية، وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004، ص1.

[3]  أحمد قائد الصايدي، حركة المعارضة اليمنية في عهد الإمام يحيى حميد بن محمد حميد الدين، مركز الدراسات والبحوث، صنعاء، ط2، 2004 ص 53.

   [4] العزي صالح السنيدار، الطريق إلى الحرية، الصفحة د.

[5] Propp, Vladimir. Morphology of the Folktale. Vol. 9. University of Texas Press, 2003, p.39.

[6]  العزي صالح السنيدار، الطريق إلى الحرية، ص46 و ص 49 وص 50

[7]  اقتصرنا على ذكر هؤلاء الثلاثة مع أن المذكرات تذكر شخصيات أخرى كالقاضي علي الشماحي و و عبدالله العزب و شخصيات من آل السنيدار كعلي محمد السنيدار وعبدالله حسن السنيدار و آل السياغي كأولاد أحمد عبده السياغي و آل الأكوع  القاضي محمد الأكوع والقاضي الشاب حينها إسماعيل بن علي الأكوع وغيرهم. وتشير المذكرات بعد ذلك إلى تطور الحركة واتصالها بشخصيات في إب وتعز مثل محمد أحمد النعمان  وغيره ممن شاركوا بحماسة في  إطار هذه الحركة. انظر العزي السنيدار، الطريق إلى الحرية، ص 66 وغيرها مواضع كثيرة من الكتاب.

[8]  نفسه، ص 109.

[9]  نفسه، ص110.

[10]  نفسه، ص 51.

[11] نفسه، ص48.

[12]  نفسه، ص43.

 [13]  نفسه، ص64.

[14]  نفسه، ص 14.

[15]  نفسه، ص 60 – 61.

[16]  نفسه، ص 60.

[17] نفسه، ص 60.

[18]  نفسه، ص61.

[19]  نفسه، ص69.

[20]  نفسه، ص67 و ص 68.

[21] Willis, John M. “The Salafī Imāmate: Moral Reform and Anti-Imperialism in the Mutawakkilite Kingdom.” Journal of Arabian Studies 8.1 (2018): 47-65.

[22]  عبدالرحمن الكواكبي، أم القرى: مؤتمر النهضة الإسلامية الأول، دراسة وتحقيق: محمد طحان، الأوائل للنشر والتوزيع والخدمات الطباعية، سوريا، 2000، ص 198-200.

[23]  يورد العزي السنيدار قوائم  أسماء شخصيات كان لها دور في النشاط السياسي والاجتماعي في عهد الإمام يحيى. ويذكرهم تحت عنوان ” المفكرون من رجال القرن الرابع عشر الهجري في اليمن”. وهذه الشخصيات تنتمي إلى صنعاء و إب و ذمار، وهم في الغالب من طبقات القضاة والمشايخ والتجار كالقضاة من آل الارياني والسياغي و آل الأكوع والقاضي عبدالله العيزري والحكيم المعروف الشيخ حسن الدعيس والقاضي محمد صبرة والد عبدالسلام صبرة وغيرهم. انظر العزي صالح السنيدار، الطريق إلى الحرية، ص 78- 83.

[24]  أحمد قائد الصايدي، حركة المعارضة اليمنية في عهد الإمام يحيى بن محمد حميد الدين، ص 56.

اظهر المزيد

عبدالسلام الربيدي

كاتب وباحث يمني. حاصل على الدكتوراه من جامعة بون الألمانية في مجال الدراسات الإسلامية. وهو محرر النسخة العربية من مجلة المدنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى