مجتمع
أخر الأخبار

التعصب الديني في اليمن: الكفاح من أجل الحرية الدينية

الدين مفهوم معقّد، وله تعاريف متنوعة ومختلفة. غير أن تعدده وتنوع تفسيراته المختلفة لا ينبغي أن يكونا مبررِّين ومشرِّعين للتحامل على الآخر المختلف أو التحيز ضده أو امتهانه. ومع الأسف، فإن هذا هو الحال في اليمن اليوم. لقد أصبح الحكم على الآخرين وإساءة معاملتهم بسبب انتمائهم أو تمسكهم بدين معين أو طائفة معينة بمثابة الأمر الطبيعي. هذا؛ على الرغم من أن حرية الدين والتدين حق مكفول في الدستور والقانون اليمنيين. ووفقًا للدستور اليمني، فإن الإسلام هو دين الدولة في اليمن، إلا أن هناك عددا من الديانات الأخرى التي تمارسها الأقليات: مثل اليهودية، والمسيحية، والبهائية.

الصورة بإذن من أنور الصبري

الدين البهائي من الأديان التي تمارسها أقلية في اليمن. وصلت البهائية إلى الشواطئ اليمنية في القرن التاسع عشر واستمرت في الازدهار بحذر بين أتباعها. مؤخرا أضحى وجود هذه الأقلية محسوسًا ومعروفا؛ وذلك عندما ظهرت حملات ومبادرات لتحرير أفرادها من الاضطهاد الاجتماعي الذي يطالهم في مختلف المجالات من جهة، ومن اضطهاد أولئك الذين يمسكون بمقاليد الحكم والنفوذ في الوقت الراهن من جهة أخرى.

أثناء إعداد أطروحتي الدراسية  كنت أجري مقابلة مع صديقة لي، و من حديثها أدركت عبء ما تتحمله على كاهلها من صعوبات فقط لكونها بهائية. صدمت من مستوى التمييز الذي يمكن أن نمارسه، نحن اليمنيين، ضد بعضنا البعض. صديقتي عضوة ناشطة في المجتمع المدني وحريصة على إحداث تغيير إيجابي في المجتمع اليمني بشكل خاص وفي العالم الأوسع بشكل عام. كانت عضوة ناشطة في منظمة غير حكومية تهدف إلى تحسين معيشة الشباب وتزويدهم بالأدوات الحياتية الضرورية والمناسبة من أجل تحقيق نهوض في مستقبلهم. كان لدى المنظمة التي تنتمي إليها العديد من الأنشطة المجتمعية الهادفة إلى تمكين الشباب. وقد تمكنت بالفعل من إحداث فرق في حياة هؤلاء الشباب.

الصورة بإذن من حمزة شيبان

 غير أن الوضع تغير مباشرة بعداندلاع الحرب، ولم تلبث جهود  الناشطين، ومنهم صديقتي، حتى تحطمت على صخرة الواقع. بدأ الأمر بتهديدات تطالب النشطاء البهائيين بوقف نشاطاتهم. وعندما قوبلت هذه التهديدات بالتجاهل، اقتحمت الميليشيا إحدى الورشات في عام ٢٠١٦ واعتقلت الجميع. حينها تم استجواب صديقتي في بيتها وفي غرفة نوم في مكان غير معلوم، وهو أسلوب تخويف متعمد يستخدم ضد النساء بشكل خاص. وقيل لها إنها إذا أرادت أن يطلق سراحها، فإن عليها توقيع وثيقة تفيد بأنها لن تمارس مثل هذه الأنشطة مرة أخرى. عندما رفضت التوقيع هددت المليشيا عائلتها، حتى انتهى الأمر بتوقيع عائلتها للوثيقة نيابة عنها.

تفرض عادات المجتمع اليمني وتقاليده معاملة المرأة باحترام وصيانتها من أن تتعرض لأي أذى. وهو أمر مشروط باتباعها العادات والتقاليد الاجتماعية في جملتها وأن يظل وجودها غير مرئي في المجتمع. من خلال استجواب صديقتي الناشطة في غرفة نوم في مكان مجهول!، أظهرت الميليشيا جبروتها، واستطاعت إثارة الخوف من خلال هذا العنف المادي والرمزي مع ما يحمله من نتائج وخيمة محتملة. فالخوف يظل أداة قوية، خاصة في الصراعات.

علاوة على ذلك، كان لانتمائها للأقلية البهائية في اليمن أثر واضح في طريقة معاملتها.  وهي إن كانت، افتراضا، تعيش في ظل مجتمع يساوي بين جميع أفراده، فلن يكون لإيمانها أية علاقة بنظرة المجتمع إليها أو تعامله معها؛ إلا أن الحال تغير في اليمن منذ فترة طويلة لأسباب اجتماعية وسياسية مختلفة. ما تعتقده قد يحدد في بعض الأحيان بقاءك ورخاءك أو العكس. باختصار، إن الانتماء الديني إلى من هم في السلطة يمكن أن يعود عليك بالنفع وأن تنعم بسببه بالحماية. في ظل هذه الظروف، لن تسلم الديانات والطوائف والأقليات من الاضطهاد والإساءة.

اليمن تتكون من مختلف المعتقدات والأديان التي ساهمت في ثرائها الثقافي وينبغي على المجتمع الحفاظ على هذا الثراء بكل الوسائل، إلا أن ذلك يظل بعيدا عن الواقع اليوم. نشأنا في مجتمعات تعتقد بأن “الآخر” على خطأ، بل إن من المقبول والمرحب به في بعض الحالات، الإساءة إليه. ولذلك، عندما بدأ البهائيون في الظهور في المجتمع، رغبة في الاندماج، قابلهم المجتمع برد فعل سلبي، تحول بعد ذلك إلى هجوم حاد على “الكفرة”، كما كان يطلق عليهم.

الصورة بإذن من أنور الصبري

يتم التعامل مع الأقليات الدينية في اليمن بشكل سياسي بالدرجة الأولى. وقد أثبت التاريخ أن دمج الدين بالسياسة عمل غير حكيم وأن من شأنه أن يقيد شكل الدولة ويحد من حرية وكرامة مواطنيها. ومع ذلك، نجد أنفسنا اليوم تحت حكم وتعبئة حفنة من القادة وعلماء الدين المزعومين الذين يشعلون مشاعر المواطنين من خلال العاطفة الدينية. في كل يوم نسمع قصص الاعتقالات والاختطافات التي تطال من يمارسون حقهم في حرية الدين والضمير. وحري بنا، نحن معشر الصامتين، أن نفكر في أنه من المحتمل في يوم من الأيام أن يمارس هذا العنف ضد أي منا؛ حتى ضد أولئك الأغلبية.

قصة صديقتي ليست سوى مثال على اضطهاد الأقليات في اليمن بسبب معتقداتهم. إنه لأمر مروع حقًا أن نرى هذا الدمار الذي يمكن أن تتسبب به الكراهية تجاه بعض الديانات في المجتمع. وما يزيد الأمر سوءا، أن هناك من يمارس هذه الكراهية في حين يتعرض هو أيضا للكراهية. إذا نظرنا إلى الإسلاموفوبيا اليوم، نجد أنها ظاهرة منتشرة على نطاق واسع ويعاني منها الملايين في جميع أنحاء العالم. ولكن تظل أبرز أنواع الكراهية في مجتمعاتنا تلك التي يمارسها أولئك الذين يدعون الإسلام وهم لا يدركون معنى التسامحومعنى أن هذه الأقليات قديمة في مجتمعاتنا.

التعصب الديني ليس مفهوما جديدا في المجتمع اليمني، لكن ما يثير القلق هو أنه أصبح يحظى بقاعدة شرعية. عندما يتعلق الأمر بالتسامح، فلا حاجة لانتظار أي تدخل خارجي. إن التسامح والاعتراف والتعارف عمل مجتمعي إنساني فطري وتلقائي مفروغ منه. الحرية الدينية هي حق طبيعي يجب أن يتمتع به كل فرد. ونحن، كمواطنين، في حاجة ماسة للتسامح بيننا. إذا لم نتمكن من العيش في سلام مع بعضنا البعض، فكيف نتوقع من الآخرين أن يقبلونا وأن يتسامحوا معنا؟!

 

 

 

سارة جمال، ناشطة في حقوق الحيوان، وهي تقيم حاليًا في نيروبي، كينيا. سارة حاصلة على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة الولايات المتحدة الدولية في نيروبي. بدأت مؤخراً نشاطها في مختلف المبادرات لتحسين حياة الحيوانات الضالة في الشوارع كالقطط في كل من كينيا واليمن. تؤمن سارة بحق الحرية والعيش والتعايش بين جميع مكونات وكائنات الحياة.

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق