النوع الاجتماعي والمجتمع المدنيقصة قصيرة

ريم

كان الصبية يلعبون كرة القدم في الحي قبل الغداء بأقدام حافية. الغبار يكسوهم والشمس تلفح بحرارتها أجسادهم التي تكاد تقرع أبواب البلوغ. لا شدة القيظ ولا قطرات العرق كفيلة بأن تثنيهم عن إنهاء المباراة، فهذه هي لحظة التعادل التي بمجرد أن تُكسر سيتقرر أي الفريقين سيدفع قيمة الساعات الطويلة التي سيقضونها في مقهى إنترنت الحي خلال عطلة نهاية الأسبوع. حكيم هو أصغر الصبية سناً، صغر سنه كان دائماً يدفعه لبذل جهد مضاعف لإثبات وجوده كي لا يبدو وكأنه مجرد امتداد لابن عمه كنان الذي يكبره، كباقي صبية الحي، بعامين كاملين. ظلت عينا حكيم تنتقلان بثبات مع الكرة، لم يتشتت بصره رغم مراوحة الكرة بين أقدام اللاعبين هنا وهناك، هذا الصفة جعلت منه حارس مرمى ممتاز لا يفارقه التركيز رغم دفعة الأدرينالين التي تجتاح الجميع إبان لحظات خفة اعتراض الفريق الخصم للكرة.

تراقصت قدما حكيم برشاقة على إيقاع المباراة وبالتوازي مع ملاحقة عينيه للكرة حتى لفتت انتباهه إلى شيء ما في نافذة منزله، وخلال ثوانٍ قليلة تحول بصره من الالتصاق بحركة الكرة ليلتحق بباقي حواسه التي اجتمعت في جسده الذي توقف عن الحركة تماماً وانتصب في جمود تام لا يقاطعه سوى محاولته صد أشعة الشمس القادمة من نفس اتجاه النافذة. جاء صوت لاعبي فريقه عالياً وهم ينادونه ليعيد بصره نحو الكرة القادمة باتجاهه. وعبر قفزة سريعة نحو اليمين، تمكن من احتضان الكرة بين ذراعيه ووسط صدره.  وهو يقف في الاتجاه المقابل للاعبين حدث نفسه سراً عن سهولة صد الكرة هذه المرة.  ركل الكرة بكل ما يملك من قوة صوب السماء مما أغضب الصبية وشوشهم وجعلهم يصرخون وهم يتدافعون لنيل الكرة حتى أن بعضهم قاموا بدفعه بقوة عن طريقهم وحينها ركض حكيم بأقصى سرعة إلى منزله مستغلاً تشتت الصبية الذي تمنى أن يستمر لوقت كافٍ.

قدميه الحافيتين كانتا غضتين وهما تقطعان الطريق المشتعلة بالحرارة والصخور المتناثرة. ورغم ذلك لم يختر حكيم الطريق السهلة المعبدة كونها أطول قليلاً. وهكذا ركض نحو المبنى ذي الطوابق الأربعة بلونه البني ونوافذه المحاطة بأحجار سوداء التي تميزه عن الفيلتين الفارهتين اللتين يتوسطهما. حين وصل إلى الطابق الأخير، دفع الباب وأدخل معه كل الأوساخ التي اصطحبها معه من الشارع إلى داخل المنزل.

“مالك!” بادرته أمه بدهشة وهي ترتب وريقات القات بدقة فائقة لتجف على المنشفة حتى ما بعد الغذاء. تجاوز حكيم والدته وقطع حجرة المعيشة وهو يسألها: “وين ريم؟” وحين مشى على طول الديوان، سمع صوت الماء في مرحاض الحمام المجاور للديوان الذي كانت تنظفه ريم. استدار وركل الباب الحمام وهو يصرخ: “أخرجي الآن!”. عاودت أمه سؤاله مجدداً ولكنها دفعت كتفه قليلاً ما ضاعف ركله للباب وحدة صوته وهو يصرخ في وجه ريم من وراء الباب: “أقسم بالله لأكسر يدك لو تفعلي كذا مرة ثانية”. هنا كان أبواه يقفان معاً عند مدخل الحمام.

“يا ابني اهداً، أيش فعلت؟” سأله أبوه بينما فتحت ريم الباب وهي في حالة ذهول من الذي سمعته وراء الباب.

“مالك؟” سألته ريم وهي تنظر إلى عينيه مباشرة رغم طولها الذي يفوق طوله بحكم أنها تكبره بست سنوات، وحين دفعته عن طريقها، باشرها بالركل واللكم والصراخ بتهديدات غير مفهومة.

أحكم أبوه قبضته على ياقة قميص حكيم وشده إلى الخلف وهو يصرخ فيه: “سألتك أيش في، أنا واقف قدامك وأنت تقل بأدبك هكذا؟!”

في تلك اللحظة كانت حكيم يقاتل من أجل حصار الدموع التي هربت بضع قطرات منها على خديه المتسخين بالغبار مخلفة علامات تشبه تلك التي يخلفها مجرى الماء حين يمر بطريق ترابية. ومع تسلل الدموع من محبسها، انفجر هو بدوره يشرح لأبيه كيف أنه رأى ريم وهي تطل نصف عارية أثناء تنظيفها لنوافذ الديوان: “شفتها من وسط الشارع، كيف لو باقي العيال شافوها!”. أنهى هذا المقطع بصوت أكثر حدة وارتفاع من ذلك الذي بدأ به إجابته.

أدار الأب وجهه ليواجه ريم بتعابير صارمة أبرزها حاجب مرفوع دون الآخر: “كيف كنتِ تنظفي الطاقة؟” أجابت ريم بملامح مصعوقة وصوت متلعثم: “زي ما أنا وأمي دائماً ننظفها”، كانت تأمل أن إدراج أمها في الإجابة سيخفف من وطأة ما يحدث. “دائماً نجلس في الطرف ونخرج يد واحدة ونمسح الطاقة من خارج”.

“وأنتِ لابسة كذا؟”، رد الأب على ريم وهو يشير لفستانها بأكمامه الملفوفة حتى المرفق. “أيوه بس كنت لابسة جوانتي أمي الطويل ولافة شعري بالمقرمة” أجابته ريم هذه المرة بثقة أكبر وتشديد على ذكر أمها، إلا أن حكيم قاطعها بصوت مرتفع: “كذابة!”.

“بس! قوم غسل وبدل ثيابك” رد الأب على حكيم بحزم والتفت إلى ريم: “وأنتِ كوني انتبهي، مش معقول إن حكيم جاء يجري عشان ولاشي”.

أومأت ريم برأسها لأبيها ثم نظرت بازدراء لأخيها الذي كان ما يزال عاقداً حاجبيه ومكوراً قبضتيه إلى جانبه. استهلكت كل ما في جعبتها من طاقة كي لا تنهار باكية. لم تكن أول مرة، لكن في كل مرة كانت تنتهي وحيدة في جانب الخطأ أو في أفضل الأحيان تساوى به في الخطأ. الثابت أنه لا يلام أبداً. كبرياؤها لم يسمح لها بأن تفقد رباطة جأشها في تلك اللحظة وأعانها على أن تنظر إليه بأكبر قدر ممكن من البرود.

سحبت الأم ابنها باتجاه غرفته بعد أن طلبت من ريم أن تكمل مهمة تجفيف وريقات القات بدلاً منها كي تتمكن هي من إنهاء إعداد الغداء. ردت ريم التي لا تزال غاضبة بـ “حاضر” واتجهت إلى حجرة المعيشة حيث تنتظرها الأغصان المبللة لتلتحق بتلك التي بدأت تجف في قلب المنشفة المفروشة على الأرض. وفيما كانت شمس الظهيرة القادمة من الخارج تتسلل من وراء حجب النافذة نحو ذراعي ريم الممدودتين فوق المنشفة، دخل أبوها وجلس على فرش الديوان الأزرق والتقط جهاز التحكم وبدأ في التجول دون تركيز من قناة تلفزيونية لأخرى حتى استدار نحو ريم مخاطباً إياها بهدوء تتخلله الصرامة: “لما تكون يدك ممدودة هكذا, الأكمام بترتفع ويدك تتكشف، المفروض إنك تفهمي، قدك كبيرة في عمر زواج”.

أدارت ريم ظهرها لشاشة التلفزيون ليقابل وجهها وجه أبيها وردت: “ما كانتش الأكمام هكذا أول، كانت يدي مغطاية بالجوانتي وإحنا في الطابق الرابع. بعدين المفروض ما يصيحش فوقي ويضربني هكذا! قد عمري ١٦ سنة!”.

“والله ما يهم حتى لو قد عمرك ٣٠ سنة. أنا أقولك كوني انتبهي وأنتِ تنظفي الطاقة. الحمدلله حكيم شافك مش مجد، كان با يضربك صدق وأنا قد أنا كبير ما عاد أقدر أوقفه. ليش تستفزيه دائماَ؟ شوفي، أنا بأتكلم مع حكيم، لكن أنتِ كمان كوني انتبهي”.

راحت تنظر ريم إلى الأغصان المصفوفة على المنشفة الزرقاء الباهتة وتقلب بأصابعها الوريقات بلونيها الأخضر والأحمر القاتمين وتتحسس ملمسها الناعم. هي تعرف أن لا مجال للرد على أبيها أكثر. ربما لحظ ارتجاف ذقنها وتورم عينيها وهي مستمرة في تجفيف الأغصان المبتلة. وربما لم يلحظ. في كلا الحالتين استمر في مشاهدة التلفزيون دون أن ينبس أي منهما بأي كلمة أخرى.

كانت ريم الطفلة الوسطى بين مجد الذي يكبرها بخمس سنوات وحكيم الأصغر منها بست سنوات. ثلاثتهم كانوا حصيلة من تبقى بعد محاولات إنجاب تخللتها إسقاطات أربعة وولادة طفل ميت. مجد الذي يتابع بإصرار عامه الثاني في دراسة الصيدلة بجامعة صنعاء، كان قد تزوج في بداية العام. أن يصبح صيدلانياً كأبيه هو حلمه منذ عرف نفسه، حتى قبل أن تمتلك الأسرة صيدليتهم. زوجة جميلة، دراسة جامعية، وظيفة مضمونة بانتظاره وفوق كل هذا كان محبوباً من الجميع بابتسامته الساحرة ولسانه العذب. وحدها ريم كانت تعرف مجد قبل أن يصبح محبوباً؛ كانت تعرف جانبه المحتد الغاضب الذي خف تدريجياً في السنين الماضية ولكن دون أن ينسيها ما كان.

لم تستطع ريم التخلص من الحنق الذي اجتاحها لفكرة أنها تواجه صراخ أحد إخوتها مجدداً، بل إنه هذه المرة، ولسخرية القدر، حدث كل ذلك بجانب الحمام ذاته. بمجرد إدراكها لكل ذلك، خاطبت نفسها بنصف مزحة: “أكيد إن في جن ساكن في هذا الحمام!”.

يومها أتمت ريم ربيعها الثاني عشر. وبعد أشهر من التوسل، وافق أبوها على إقامة حفل عيد ميلاد رغم أنهم نادراً ما كانوا يحتفلون بأعياد الميلاد. كل ما أرادته ريم يومها هو أن تتزين كأمها والفتيات الأكبر سناً اللاتي كن يذهبن إلى الحفلات حيث تراقب هي بريق مجوهراتهن وفساتينهن المنسابة ونقوش الحناء التي تكسي أيديهن.

اشترى والدها كعكة عيدها من المخبز. أما أمها فقد تفننت في إعداد البيتزا والفطائر وكعكة ريم المفضلة ذات اللون الأصفر.  زادت الأم أن دعت كل قريباتها وأطفالهن ونساء الحي وبناتهن. وقضت دنيا، ابنة العم التي كانت أصغر قليلاً من مجد، الليلة التي سبقت العيد في منزل ريم التي خاطبتها وكلها أمل في خبرة ابنة العم التي تكبرها: “دنيا: بكرة أشتي تفعلي لي مكياج وتسريحة، تمام؟”.

عمل فني بواسطة مها العُمري

“بلا هبالة، عاد أنتِ صغيرة” تجاهلت دنيا طلب ريم وواصلت كي حجابها الأسود وكل تركيزها منصب على بقع المكياج التي لطخت الحجاب دون أن تنجح محاولات الغسيل في إزالتها.

واصلت ريم بإصرار: “أمي قالت عادي!”

احلفي!

والله! اسأليها بكرة! حتى نقدر نفعل من مكياجها، أشتي أكون حلوة مثلك!

أنتِ حلوة وما تحتاجيش مكياج، لكن ممكن أفعلك شوية. يلا نامي الآن.

تعالت خفقات قلب ريم, و لكنها كذبة صغيرة. صحيح أن أمها وافقت على أن تسرح دنيا شعرها و تساعدها في وضع قليل من الكحل في طرف عينها، لكنها أكدت على أن هذا فقط هو المسموح. لا مجوهرات أو أحمر شفاه أو عطر مركز. إلا أن ريم كانت واثقة أن أمها لن تغضب كثيراً إذا رأتها جميلة وسعيدة خاصة أمام الجميع.

أخذت ترقب دنيا وهي تتحضر للنوم. عينان عسليتان، بشرة فاتحة وشعر بني جميل. ريم التي لم تر غزالاً من قبل، كانت دائماً تسمع من حولها يصفون الجميلات بالغزلان. دنيا كانت تبدو وتمشي كالغزلان. قبل أن تخلد للنوم، حدثت نفسها: “أيش دراها دنيا.. أصلاً هي ما تحتاج مكياج عشان تبان حلوة.”

أرادت ريم أن تتأكد من أن دنيا لن تكثر من الأسئلة مع أمها في اليوم التالي وهكذا التصقت بها كظلها، وبين إعداد الإفطار والغداء نسيت دنيا الموضوع كلياً. أنهى الأب ومجد غداءهما في الثانية ظهراً وأخذا حزم القات لمقيل اليوم وغادرا المنزل.

كعكة ريم كانت في البراد وصديقاتها كن في الطريق. أما هي فهرعت إلى حجرة أمها وخصلات شعرها المغسول تبلل روبها المنزلي وأخذت علبة المكياج وقارورة العطر من حجرة أمها مستغلة الوقت الذي ستقضيه أمها في الاستحمام ثم ذهبت إلى حجرتها وطلبت من دنيا أن تسرح لها شعرها قبل أن يصل الضيوف.

جففت دنيا شعر ابنة عمها الطويل الناعم ذا السواد الفاحم ثم رفعته مخلفة خصلات مموجة متدلية على كتفها وحين أدركت ريم أن وقت المكياج حان، أشارت إلى علبة بودرة الوجه في صندوق أمها وقالت: “هذا أول”

ما تحتاجي هذا.

لو سمحتِ! رجاااااااااءً!

لا! عاد أنتِ صغيرة. شوية كحل وأحمر خدود وملمع شفايف خفيف وبس.

يعني مافيش ألوان فوق عيني؟ ولا لماع في شعري؟!!!

كل هذا خالف توقعات ريم. أما دنيا فردت ضاحكة: “أنتِ مش عروسة. أنتِ بنت. بعدين أنتِ محظوظة إنك حلوة وما تحتاجي هذا كله أصلاً”.

خلاص مش محتاجة لك! ممكن أفعل مكياجي وحدي!

أنتِ حرة. عاده أحسن ريحتيني.

وبينما ذهبت دنيا لأخذ فستانها من حجرة عمتها، بدأت ريم دون أن تعرف تحديداً كيف تبدأ بالألوان المختلفة في علبة الظلال. سمعت دنيا صوتاً خلف باب البيت.  ولأن مجد يعرف أن ابنة عمه في البيت، دق الباب عوضاً عن الدخول مباشرة كالمعتاد.

“بس لحظة” ردت دنيا وهي تلتقط رداء الصلاة البنفسجي الواسع الذي غطت نفسها به قبل أن تفتح الباب لمجد الذي بدا بثوبه اليمني الأبيض وشاله السكري الفاتح المستقر على كتفيه. نظر مجد إلى الأرض وألقى السلام. أما هي فلم تقل شيئاً واتجهت بخطوات سريعة إلى حجرة ريم التي خرجت من غرفتها لتجد أخاها واقفاً يتفحصها بعينيه. أشار مجد إلى وجهها وسألها: “أيش هذا كله؟”.

وقفت ريم في صمت تفكر بالإجابة. كان وجهها فاقع البياض من أثر البودرة، أما عيناها فكانتا ملطختين بالظلال الخضراء والزرقاء التي تخللتها كتل من الماسكارا على رموشها في محاولة من ريم أن تقلد ما رأته في صور عرس ابنة الجيران. على شفتيها المدورتين الصغيرتين أحمر شفاه فاقع الحمرة موزع بشكل غير متسق كالمادة اللامعة التي رشتها على شعرها. رد فعل دنيا لأول وهلة كان الضحك على تجربة ريم الأولى والمحرجة مع المكياج، ولكنها كتمت ضحكتها بعد أن رأت وجه مجد وأدركت أن ريم على وشك الوقوع في مأزق.

حاولت دنيا أن تقول لمجد أن الذنب ذنبها أن سمحت لريم اللعب بالمكياج وأنها ستغسله فوراً: “صح يا ريم؟” سألت دنيا ابنة عمها وهي تغطي وجهها الذي زينته هي أيضاً بعض الشيء. كبرياء ريم استحوذ عليها قبل أن تدرك أنه كان بإمكانها أن تسمع مجد ما أراد أن يسمع، إلا أن المنطق قد لا يكون له الأولوية عند ابنة الاثني عشر ربيعاً: “لا ما أشتيش أغسل وجهي. هو عاجبني هكذا”. رد مجد بكثير من الجهد لكتم غضبه: “تمزحي، صح؟ شكلك زي بنات الشارع. إغسلي وجهك قدامي الآن وممنوع تلعبي بوجهك هكذا مرة ثانية”.

واصلت دنيا محاولاتها لاحتواء المشهد بين من كان صديق طفولتها وابنة عمها الصغرى: “أكيد الان تغسل وجهها وأصلاً ما ينفعش تستقبل الضيوف هكذا”، إلا أن دموع ريم بدأت في التجمع في عينيها لتفر أثقلها نحو خديها. “الآن!”، صرخ مجد هذه المرة بصوت صعق جسد ريم الضئيل، إلا أنها ردت عليه مجدداً: “أنت أيش دخلك. هذه حاجات نسوان. أنت أيش دخلك؟ أنت أصلاً ما تستعمل مكياج وهذا عيد ميلادي أنا”. ربما لو رأت ريم ما فعلته دموعها لمكياجها حتى هذه اللحظة لما كانت رأت نفعاً في استمرار الشجار.

مد مجد ذراعه ليشد ريم من شعرها و هو يصرخ: “والله لأوريك! مش عشان سمحنالك تفعلي عيد ميلاد زي الأجانب تقومي تعملي زيهم!” استمر مجد في شد ريم من شعرها وسط صراخها إلى الحمام الذي كان ما يزال ممتلئاً ببخار الماء الساخن الذي استعملته أمه قبل أن يصل إلى المنزل.

هرعت الأم صوب أصوات الصراخ ووجه ابنة العم الشاحب من الخوف: “أيش في! ليش ريم تصيح؟” سألت الأم الجميع وهي تحتضن حكيم، ابن الستة أعوام وقتها، الذي ارتجف بدوره خوفاً.

كانت ريم تصرخ وتحاول دفع مجد دون جدوى ودون أن تتمكن من الخلاص من قبضته الأقوى منها. أما هو فأخذ يرش الماء على وجهها وهو يحكم قبضته على شعرها بحذر كي لا يؤذيها بشكل أكبر. بيد واحدة استطاع أن يتحكم برأسها الصغير وأن يديره أينما شاء. بدأ الماء يغطي كليهما وهو يرشه لا ليغسل وجهها وإنما ليلقنها الدرس. بيده اليسرى، سحب شاله من على كتفه متجاهلاً ضربات أمه على ظهره ومحاولاتها سحبهما من الحمام، ثم مسح وجه ريم بعنف مخلف بقعاً ملونة على ثوبه الأبيض الطويل.

في تلك اللحظة كانت ريم غارقة في الألم والرعب. كتل الماسكارا المختلطة بالصابون أشعرتها بالعمى.  سلبت عضلات ذراعه جسدها من أي قدرة على الحركة وأفقدت ساقيها توازنهما تماماً. استمر مجد في سحب ريم من شعرها ولكن هذه المرة من الحمام باتجاه حجرتها حيث رماها على سريرها الذي رأى صندوق المكياج بألوانه ملقى عليه. ريم التي استقر وجهها في منتصف السرير كانت تناضل لتنهض حين ركضت أمها نحوها لمساعدتها. حمل مجد صندوق المكياج ورماه من النافذة إلى الشارع دون أن يفكر باحتمالية ارتطامه بسيارة أبيه. السيارة نجت، إلا أن الأب ركض صوب المنزل على إثر أدوات التجميل المتطايرة وأصوات الصراخ والبكاء.

عمل فني بواسطة مها العُمري

“ما تجيبي هذه الزبالة معك للبيت مرة ثانية!” صرخ مجد في وجه دنيا التي تمتمت: “مش حقي…” لم يهتم مجد لجوابها وخرج من الحجرة ليرى أباه يجري صوبه من الردهة وهو يصرخ: “أيش في! أيش حصل؟”

“بنتك تحسب إنها تقدر تلبس وتتكلم زي بنات الشوارع”، رد مجد بصوت عالٍ نسبيا بحيث لا يقل أدبه مع أبيه وفي نفس الوقت ليثبت جدية الوضع له. جالت عينا الأب في أرجاء الغرفة محاولاً أن يفهم ما حدث.  كانت ريم تبكي بين ذراعي أمها ودنيا تقف متخشبة كخزانة الملابس التي تقف بجانبها ومجد في المنتصف بملامح غاضبة وثقة أقل.

“ما تمد يدك عليها مرة ثانية، سمعت؟ سمعتني؟” صرخ الأب عالياً وتابع: “عاد أنا رجال البيت، لما أختك تفعل حاجة غلط تجي تكلمني أنا، وأنا أعلمها الأدب، مش أنت! من تحسب نفسك!” هز مجد رأسه بحنق وخرج وهو ينظر للأرض.

“بس بكاء! ثاني مرة لما أخوك يقول شي، تفعليه! فهمتِ؟ أيش ما يقول، تفعلي! احترمي فرق العمر بينكم، أنا لو أموت أخوك هو ولي أمرك لما تتزوجي وبعدها زوجك ولي أمرك” هكذا صرخ الأب قبل أن يغادر ويطلب من مجد مصاحبته للسيارة.

لم تشعر ريم في حياتها بمثل هذا العجز. تم التلويح بها كسجادة بالية وغُسلت كما تُغسل الحيوانات. حاولت أمها مواساتها بتذكيرها أنها لطالما حذرتها من لسانها الذي سيوقعها في المتاعب وأنها عنيدة لا تستمع للنصيحة. بعد ساعة وصل الضيوف. كانت ريم هادئة؛ مكتئبة طيلة الأمسية. دينا قضت كل وقتها في محاولات للترفيه عن الجميع. أمها كانت المضيفة المتفانية كعادتها.

كانت هذه أول وآخر مرة تطلب فيها ريم الاحتفال بعيد ميلادها. رغم أنها ومجد أصبحا صديقين الآن ورغم محاولاته لتعويضها بالهدايا ومصروف الجيب من وقت آخر وأخذها للأماكن التي تود زيارتها، إلا أن جزءا منها لم يسامحه على ما فعله قط. لم تستطع مسامحته كلياً حتى وهي ترقص وتغني ليلة زفافه هو ودينا.

تجمعت الأسرة في حجرة المعيشة حول السفرة البلاستيكية الزرقاء المفروشة على الأرض والمطعمة بأحجام مختلفة من الآنية والأصناف التي يتوسطها الطبق الرئيسي “العصيد” بكومته المعجونة والمجوفة لتحتضن مرقة الدجاج المشبعة بالدسم والبهارات. على يمين وشمال العصيد توزعت صحون السلطة والسحاوق والحلبة والشفوت والأرز الأصفر المطبوخ مع اللحم. جلست ريم بين أبيها ودنيا بركبة واحدة مطوية وأخرى تسند ذراعها. حكيم كان لا يزال عابساً ويتمنى في سره أن يذكر أحدهم حادثة اليوم على الغذاء. مجد الذي لا يعرف ما حدث قبل الغداء سأل حكيم: “خسرتوا المباراة، ها؟” شعرت ريم بخواء يجتاح بطنها. أطلق العنان حكيم لنفسه ورد على مجد: “أيوه خسرنا مش لأننا ما نعرفش نفوز بس لأن ريم يتخايل لها إنها رجال” قاطعه أبوه: “حكيم. قلت يكفي. لما أختك تفعل حاجة غلط اتكلم معي أنا أو قع رجال وأنت تكلمها. أيش استفدت من الصياح والبكاء زي النسوان؟!”

رد حكيم: “ما يكفيش إن العيال في الحارة يضحكوا علي؟ عيال الحارة يشوفوا وجهها مع إنه قده وقت تتلثم! عادها كمان قالت لخواتهم إنها تشتي توقع مهندسة!”

“مش منطق أبداً، أيش فيها لو يشوفوا وجهها؟ البنت عادها في المدرسة، لما قده وقت تتلثم” واصل الأب رده على حكيم: “بعدين إتفقنا إنها تدرس صيدلة وتشتغل في الصيدلية حقنا”، واصل مجد حيث انتهى أبوه: “أو تدرس أدب انكليزي مثل دنيا. صح دنيا الآن حامل ولازم تجلس في البيت بعد الولادة بس على الأقل تعرف انكليزي أحسن مني وتقدر تدرس عيالنا”.

ريم تعلم جيداً أن دنيا لطالما رغبت في أن تصبح طبيبة، إلا أن مجد تمكن من إقناعها. هي أيضاً تعرف جيداً أن أباها سيغضب إذا ما ناقشت مجدداً رغبتها في أن تصبح مهندسة؛ فرأيه دائماً كان أن النساء لا يجب أن يصبحن مهندسات. يمكن للنساء متابعة التخصصات المسموحة لهن والمحصورة في الطب والتعليم. الجميع أخبرها نفس الشيء.

“لا تتتدخلش” قالتها لحكيم وأيضاً بشكل غير مباشر لمجد وهي تسكب المزيد من السحاوق على جهة أبيها من صحن العصيد. كانت تشتعل غيضاً من كونهم يتحدثون عنها وكأنها غير موجودة.

“مسكين الذي يتزوجك” قال حكيم قبل أن تتدخل الأم وتقاطعه: “بس ولا كلمة أنتوا الاثنين! ريم نشفتِ القات حق مجد؟” أومأت ريم برأسها وشعرت بضيق غريب لفكرة أنها قريباً ستكون أيضاً مسؤولة عن تجفيف قات حكيم أيضاً.

الصورة بإذن من الكاتبة

 

 

 

معالي جميل مهنتها التعليم و شغفها الكتابة.

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق