إبداع بصريثقافة
مقال شائع

“تسجيلات الكوماني”، أكبر مخزون للتراث الشعري الشعبي في العالم العربي

تقترب الثقافة الشعبية من هموم الناس وأفراحهم؛ من الأحداث اليومية لهم. ولذلك فتأثيرها في بعض المجتمعات قد يفوق الثقافة النخبوية. وقد اهتمت الدراسات الانثروبولجية والسوسيولوجية بالتراث الإنساني سواء كان التراث المادي أو الشفهي. وكان في الشعر الشعبي مجال خصب في دراسة المجتمعات سواء البدائية أو الحديثة. فمن خلال الشعر الشعبي يتمكن الباحثون من الكشف عن استجابة الناس لمشاكل الحياة وكيفية التعامل معها.

للشعر الشعبي مكانة كبيرة لدى كل الشعوب. وكلما اقتربت الشعوب من البداوة ازداد تمسكها بالشعر الشعبي. وله مكانة كبيرة لدى اليمني في كل مدنه وقراه. فقد عاش الشعر الشعبي مع الإنسان اليمني في أفراحه وأحزانه، فالأنواع الشعرية الشعبية (القصيدة[1]، والزامل[2]، والحال[3]والبالة[4]والرزفة[5]) وغيرها من أصناف الشعر الشعبي كانت رفيقة الإنسان في كل تفاصيله اليومية. ارتبط الشعر الشعبي بالموسيقى منذ القدم فكان يؤدى على هيئة ألحان ولو بدون آلات موسيقية كالزامل والبالة والحال.

عادة ما يكون الشعر الشعبي شفاهياً، لذلك نادراً ما يُدون ويحفظ. فنجد صعوبة في تحديد أقدم القصائد الشعبية بعكس القصائد الفصيحة، رغم أن القصائد الشعبية ضاربة في القدم. فمثلاً اشتهرت غزالة المقدشية (تـ: ق19) في القرن التاسع عشر في منطقة ذمار وعلى الرغم من أن هناك مئات الشعراء من معاصريها، لكن لم يصل من القرن التاسع عشر في ذمار غيرها. والغالب في الشعر الشعبي يذهب طي النسيان؛ لأن التدوين لا يهتم به. وفي دول كثيرة بدأ الاهتمام بالشعر الشعبي وبتدوين بعضه سواء كان مكتوباً أو صوتياً منذ النصف الثاني من القرن العشرين ولكن بشكل ضئيل.

ومن حسن حظنا في اليمن أن كياناً ثقافياً صغيراً كان له دور عظيم في الحفاظ على التراث الشعري الشعبي. فقد حفظت تسجيلات الكوماني على مدى أكثر من 40 سنة عشرات آلاف القصائد الشعبية من الضياع. فقامت بدور لم تقم به وزارة الثقافة في اليمن، بل ولا حتى أي جهة في الجزيرة العربية.

الصورة بإذن من علي المحنش

بدأت الفكرة لدى أحمد صلاح الكوماني (تـ 1991) ومعه أخوه عبد الله في منتصف السبعينيات بتسجيل القصائد الشعبية على هيئة أغان وتسويقها لدى المغتربين اليمنيين في المملكة العربية السعودية. أسس الأخوان استريو تسجيل بسيط في السعودية يؤدي هذه المهمة. لكن أحمد الكوماني عاد بعد سنتين إلى اليمن وتحديداً إلى ذمار وأسس استريو صغيرا بدأ فيه بتسجيل عشرات القصائد لشعراء شعبيين وأطلق على الاستيريو اسم “مجلس الفن والشعراء” مع استمرار توزيع إنتاجهم من الشعر الشعبي اليمني في المملكة حتى الآن. وكانت افتتاحية كل شرائط الكاسيت تبدأ بـ “مرحباً بكم في مجلس الفن والشعراء”. لاقت شرائط الكاسيت استحساناً كبيراً لدى عامة الناس وبدأت طلبات القصائد تتكاثر عليهم وبدأ الشعراء أنفسهم يأتون إليهم لإعطائهم القصائد لتلحينها وغنائها. ووصل ضغط العمل لدرجة عدم مقدرتهم على تلحين وتسجيل كل القصائد فبدأ الشعراء أنفسهم بتسليم مقابل مادي لهم لتسجيل أغانيهم. في البداية لم يكن الموضوع ربحياً بقدر ما كان حباً في الشعر. لكن نظراً للإقبال الشديد من الشعراء بدأ الكوماني العمل بمقابل مع استمرار العمل بدون مقابل للشعراء الكبار مثل محمد ناصر صبر (تـ 1992) وعبد العزيز القعشمي،وأحمد سعد قمهد، ومحمد ناصر المنتصر ومحمد احمد المقدشي (تـ 2014) ومحمد حسين الهروجي (تـ 2007) والشاعر حسين العبال. وكانت قصائد الشاعر محمد ناصر صبر هي الأكثر رواجاً من بداية التأسيس إلى بداية الألفية. كما لم ينس الكوماني الاشتغال على قصائد شعراء حملوا قضايا الوطن مثل علي ناصر القردعي (تـ 1948) وصالح سحلول (تـ 2014) وأحمد عبد ربه العواضي (تـ 1973).

الصورة بإذن من علي المحنش

كان دور أحمد صلاح الكوماني هو التلحين والعزف على العود وكان أخوه عبد الله يصاحبه بالإيقاع. أحدث أحمد صلاح وأخوه ثورة ثقافية شعبية بتحويل القصائد والزوامل إلى أغانٍ بالعود والطبلة فقط. وحافظ الاثنان على هذا النهج ولم يدخلا آلات موسيقية حديثة في أغانيهما. وانتقل هذا الأسلوب من الشعراء والمغنيين الأوائل في تسجيلات الكوماني إلى الجيل الجديد من المغنيين. وحالياً يقود الدفة في تسجيلات الكوماني أبناء احمد صلاح الكوماني بقيادة محمد أحمد صلاح “أبو هشام” الذي يقوم بالعزف على العود، برفقه إخوانه الذين يتولى كل واحد منهم مهمة يقوم بها.

حافظ الكوماني على التراث الشعري على هيئة أغان ذات ألحان خاصة وبصمة خاصة به ولكن لم يقتصر حفاظه على القصيدة الشعبية بالغناء فقط؛ فهناك قصائد عدة لشعراء شعبيين كانت بأصواتهم قام استيريو الكوماني بتوثيقها وتوزيعها محلياً. فقد كان لدى الكوماني ثلاثة طرق لحفظ وتسويق القصيدة: إما تلحينها بمصاحبة العود والطار[6]، أو بالطار فقط، أو تكون “لِسْنِيّة” أي باللسان فقط دون مصاحبة أي أدوات موسيقية. وكان الشعراء في البداية يسجلون قصائدهم بأصواتهم غنائيا ولكن حالياً هناك عدة ملحنين ولو كان الشاعر يريد التسجيل بصوته إلى الآن فبإمكانه ذلك.

في تسجيلات الكوماني لا يطلقون على المؤدي للأغاني صفة مغني بل صفة “ملحن” والأغاني يطلقون عليها صفة “لِحْن” لأنهم يرفضون تسمية ما يقومون به أغانٍ للاختلاف بين الأغنية الحمينية الراقصة الأقرب إلى المدنية وبين أغنية الشعر الشعبي التي تبتعد عن الإيقاع الراقص وتقترب من الريف والمواطن الريفي. تعامل أحمد صلاح الكوماني وأخوه عبد الله مع العديد من الشعراء الشعبيين لغناء “تلحين وتأدية” القصائد الشعبية. كان أول ملحن هو الشاعر حسين المعصبي (تـ 2018) وتلاه الشاعر عبد العزيز القعشمي(تـ1997)الذي شكل ثنائياً مهما ولفترة طويلة مع أحمد صلاح الكوماني وكان له دور في إبراز هذا اللون الشعبي. وتعاقب العديد من الملحنين على تأدية هذه الأغان مثل أحمد حسين الشنبلي، وصالح مقبل السوادي، ورضوان المقدشي وعبد الإله الميثالي وأحمد يوسف النصيري. وحالياً لديهم أسماء شابة، مثل أبو مهران، وأبو خلود، أبو شهاب، وأبو عامر، وأبو شمس، وأبو عبد العزيز، وأبو عقيل القفيلي.

ساهمت عدد من القصائد في حل عدة مشاكل كالحروب القبلية أو قضايا الثأر سواء في المديريات المحيطة بذمار أو في محافظات أخرى، فتم نشر قصائد مغناة عنها شاركت في تهدئة النفوس وفي حل المشاكل. وكان أحمد الكوماني قديماً ومحمد ابنه حالياً يرفضون رفضا قطعياً تسجيل أي قصائد تشارك في تأجيج الحرب. وقد تعددت مواضيع قصائدهم بتعدد تفاصيل حياة اليمنيين، وكانت أشهر قصائدهم في نهاية السبعينيات هي قصيدة شعبية للشاعر عبد العزيز القعشمي رثى فيها الرئيس الحمدي وعلى إثرها سجن الشاعر القعشمي وأحمد صلاح الكوماني.

كان هناك قصائد خاصة بالمفقودين الذين اختفوا في الغربة فكانت قصيدة واحدة مغناة كفيلة بأن تجوب الخليج بين المغتربين حتى تصل القصيدة إلى المفقود فيعود ليتواصل بأهله. كما حدثت مساجلات شعرية على هيئة ألغاز، وفيها يأتي شاعر بلغز في قصيدة فيتنافس الشعراء في حل اللغز وقول الحل في قصيدة بنفس الوزن والقافية. وكان لهذا اللون متابعون كثر.

الصورة بإذن من علي المحنش

أما بعض القصائد فكانت مساجلات شعرية بين شعراء من مناطق مختلفة فأصبح لهذه القصائد متابعون ومترقبون لرد هذا الشاعر أو ذاك. وفي حالة المساجلات كان الكوماني يحرص على نسخ القصيدتين في نفس الكاسيت فيباع أكثر.

كما اشتهر لديهم قصائد يكتبها شعراء مسجونين يشرحون مشاكلهم وآلامهم، وكان يتم التعاطف مع أغلب قضاياهم والكثير منها تم حلها، كقضية ثأر أو دين، أو اعتداء.

تنوعت المناطق التي يتم التسجيل لشعرائها ولكنها شملت أغلب مناطق شمال وشرق اليمن، وإلى الآن يتم تسجيل قصائد من عمران والمحويت وحجة وغيرها يومياً. بل ويؤكد محمد الكوماني أن التوزيع في المدن الأخرى أحياناً ما يكون أكثر من التوزيع في ذمار.

بالنسبة للقصيدة النسائية الشعبية فقد كان لها مكانة مهمة لدى الكوماني فقد اشتهرت قصائد لشاعرات بعضهن معروفات وبعضهن مجهولات، منهن من تشتكي من رفض والدها تزويجها لحبيبها، او امرأة تنوح شوقا على زوجها المغترب، أو أم ثكلى، وبالطبع كان لهذه القصائد صدى واسع لدى الجمهور المتتبع للفن الشعبي. غير أن هؤلاء النسوة لم يقمن بتسجيل القصائد بأصواتهن. وكان الكوماني هو النافذة الوحيدة للمرأة الريفية للتعبير عن قضاياها. ومن أشهرهن الشاعرة عتيقة البردوني والشاعرة مليون العنسي والشاعرة هلا الصماد والشاعرة هند البردوني. وهناك شاعرات كثيرات لجأن إلى استخدام الكنية فقط أو اسم مستعار، مثل أم عبد الله وأم هاني، بنت الجامعة، بنت الريف، أو زوجة المغترب. وكلهن شاعرات لهن قصائد عديدة وتظل هويتهن مجهولة لا يعرفها إلا الكوماني. وهناك الشاعرة المجهولة وهي أي شاعرة تأتي بقصيدة لها موضوع محدد ولا تُعرف أبداً.

أما موسيقياً فقد سألنا الموسيقار الأستاذ فؤاد الشرجبي عن موسيقى القصائد الشعبية فأكد أن الكوماني ومن عمل معه قد قدموا: “مجموعة من الألحان الصنعانية والشعبية من عدة ألوان غنائية يمنية ولكن كل ما يقدمونه من أغاني يصبغون عليها طابعهم الخاص في مزيج جميل وفريد في الأداء، فهم (يشبهون الكل ولا يشبههم أحد)، ومعظم ألحان أغانيهم هي ألحان شعبية يتم تركيب القصائد على وزنها وهناك ألحان لهم ولكنها مستوحاة أو مقتبسة بتصرف من ألحان أغاني شعبية يمنية”.

الصورة بإذن من علي المحنش

وبالنسبة لعازف العود محمد الكوماني “أبو هشام”، أضاف الشرجبي بأن: “له تكنيكه الخاص في الترييش[7]وكذلك دوزانه الخاص بالأوتار بما يتناسب مع طبقة الغناء عند أبو مهران الذي يغني معظم أغانيه بطبقات عالية وبإجادة مميزة توحي بخبرة وتمكن وحب حقيقي لما يقدمه من غناء”.

ويصرَ الكوماني على استخدام العود والإيقاع فقط وعدم إدخال آلات موسيقية حديثة حتى لا ينساق إلى الأغنية الحمينية، فهو وزملاؤه يريدون الاستمرار في الحفاظ على الشعر الشعبي فقط. ويحرصون على ألا يكون اللحن راقصاً.

أثثت تسجيلات الكوماني الذاكرة الجماعية للجيل الحالي وللأجيال المقبلة بصور ذهنية عن المجتمع وكل همومه بقصائد وبأغان شعبية ستظل محفوظة في المخيلة العامة لعدة أجيال. فالكوماني هو الذاكرة الصوتية لنا جميعا، مثله مثل النقوش السبئية، نقش صوتي لن ينمحي من ثقافتنا، نقش صوتي كُتبت فيه مشاكلنا، وأحزاننا وأفراحنا، وتفاصيل حياتنا. هذه التفاصيل التي تموت في أغلب الثقافات، ستضل خالدة مع هذه التسجيلات.

تغطي قصائد الكوماني مساحة واسعة من القضايا اليومية البسيطة التي قد يتغافل عنها الباحثون الآن ولكنها ستصبح بالتأكيد مرجعاً مهماً للباحثين في المستقبل. فمن خلال هذه القصائد يستطيع الانثروبولوجيون والاثنوغرافيون العثور على صورة نقية للناس في اليمن منذ منتصف القرن العشرين إلى يومنا هذا. فقضايا الشعر الشعبي تمثل الحالة التي كان يعيشها الناس في هذا الزمان أو ذاك. كما تمكنهم من رسم صورة تفصيلية عن مجتمعنا من خلال كل القضايا التي طرحتها تسجيلات الكوماني، “الثأر، وضع المرأة وقضاياها، والغربة، والطبقات الاجتماعية، والزواج، والزراعة، والهجرة، والزواج المبكر، والسجون، … إلخ” كما يمكن اكتشاف ثقافة المجتمع وعاداته ومعتقداته وفنونه وأشكاله التعبيرية وأعرافه من خلال تلك القصائد المغناة… إلخ.

الصورة بإذن من علي المحنش

يحتفظ الكوماني في أرشيفه بأكثر من 50 ألف كاسيت. وفي كل كاسيت من خمس إلى سبع قصائد. أي حوالي 300 ألف قصيدة شعبية قيلت منذ السبعينيات حتى كتابة هذه المقالة. وما زال آل الكوماني يعملون على تحويل القصائد الشعبية إلى أغانٍ وحفظها صوتياً في أضخم سجل للثقافة الشعبية في العالم العربي.

 كانت تسجيلات الكوماني تتم في شرائط كاسيت حتى عام 2004 وهو العام الذي بدأ فيه بالتسجيل مباشرة في أقراص مضغوطة و من خلال وسائط الكمبيوتر. أي أن ما قبل 2004 كان مودع في شرائط كاسيت محفوظة في أرشيفه. وهذا يعني أن هذه الثروة الهائلة من التراث الشعبي بحاجة إلى الحفاظ عليها لأن عمر شرائط الكاسيت الافتراضي قصير وقد تتآكل هذه الشرائط، فتضيع هذه الثروة إلى الأبد. ويتوجب الإسراع بتحويل الكاسيتات إلى وسائط رقمية قبل فوات الأوان. ونحتاج إلى مشروع حقيقي تتبناه جهة رسمية لرقمنتها وإنزالها في موقع خاص بالشعر اليمني أو الاحتفاظ بها في مراكز بحثية ليتسنى لأي باحث التزود بها. المشروع ليس بالسهل ويحتاج لسنوات ولفريق عمل ضخم ولكنه ليس بالمستحيل.

ــــــــــــ

[1]– القصيدة: هي القصيدة الشعبية غير المقيدة بعدد الأبيات وتتناول كل المواضيع الاجتماعية.

[2]– الزامل:  نوع شعري مناسباتي، كالأفراح أو حالات التحكيم بين القبائل. وعادة ما يكون من بيتين شعريين فقط. ويشترط فيه أن يكون جماعيا في الإلقاء. وتسمى في بعض مناطق اليمن بالمراجيز والشاعر مترجز.

[3]– الحال أو الحول: هو نفس القصيدة الشعبية من حيث عدم التقيد بعدد الأبيات بيد أنه يكون بشكل ارتجالي وعادة ما يكون مناسباتي.

[4]– البالة: أبيات شعرية مناسباتية ولكنها تتميز بأنها عادة ما تكون بين شاعرين على شكل سجال.

[5]– الرزفة: هي أبيات شعرية عادة ما تكون بين فريقين يتواجهان ويؤديان الشعر مع رقصة خفيفة تتناسب مع لحن قصائد الرزفات وعادة ما تكون في الأفراح.

[6]الطار: أحد أنواع الطبول.

[7]الترييش: استخدام ريشة العود.

الصورة بإذن من الكاتب

 

 

بشير زندال، أستاذ الترجمة والأدب الفرنسي المساعد في جامعة ذمار. مترجم وقاص وصدر له العديد من الإصدارات في مجال الترجمة والأدب.

English (الإنجليزية) : هذا المنشور متوفر أيضا باللغة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق