fbpx
أدب

راهب المخا: الأدب يجدد “الحلم الأمريكي”

English (الإنجليزية): هذا المقال متوفر أيضاً باللغة

الكتاب وموضوعه

“راهب المخا” كتاب صدر في نسخته الإنجليزية عام 2018، وهو من تأليف “ديف إيقرز- Dave Eggers”،  كاتب ومحرر وناشر أمريكي ولد سنة 1970م.  وقد ترجمه إلى العربية المترجم والشاعر اليمني “عبد الوهاب المقالح” فيما يقارب (450) صفحة من القطع المتوسط في الطبعة العربية الأولى التي صدرت عام 2019م عن دار مدارك للنشر بالرياض.

الكتاب موصوف في غلافه بأنه رواية. غير أن قارئ هذا النص يجد أنه عمل أدبي يزاوج بين السيرة الغيرية وبين ما أسماه “لوكاتش” برواية التكوّن والتمرّس([1])؛ لأنه يسرد، فنياً، كيفية نجاح شخصية أمريكية يمنية حقيقية في عالم المال وهو” مختار الخنشلي” ويأتي على ذكر حلمه الشخصي بخصوص النجاح وتغيير صورة بلده. غير أنّ الكتاب يحمل أيضا رؤية المؤلف وعلاقته بالشخصية المكتوب عنها، مع إحالات المؤلف على الوضع الأمريكي بما يؤهله لحمل بعض ملامح السيرة الذاتية. إذن فهو خليط من السيرة الغيرية والسيرة الذاتية. ومن هنا نجد تعقد الرؤية التي في الكتاب، وذلك هو موضوع مقالنا.

 ونحن نذهب إلى أن الكتاب، في لب رؤيته، يعبر عن مرحلة من مراحل التحولات التي يفرضها النظام العالمي الجديد بكل ما فيه من توترات بين الشرق والغرب، وبين المال والأخلاق، وبين الماضي والحاضر؛ وبكل ما فيه من سعي إلى إعادة صياغة هويات الشعوب، وجرها خطوة خطوة إلى البوتقة الرأسمالية قوية الصهر؛ وبكل ما فيه من جد في تغيير الصور النمطية عن الأنا والآخر، والهامش والمركز، والعلم والعمل والإيمان، والغنى والفقر؛ وما فيه من روح التخطيط والفظاظة المادية. 

 قصة راهب المخا

يسرد العمل قصة كفاح حقيقية لشاب أمريكي يمني اسمه “مختار الخنشلي”، استطاع أن يخرج من أسوأ وأفقر حي في “تندرلوين” بـ “كاليفورنيا”، ويحقق لنفسه نجاحاً بتكوين ثروة طائلة من وراء تجارة البن اليمني وإيصاله إلى أعلى تصنيف في الجودة والسعر العالميين، ولكن ذلك لم يكن ليتحقق لولا طموحه ومغامراته التي كادت أن تودي به أكثر من مرة.

لقد قاده شظف العيش إلى العمل صغيراً في موقف للسيارات، ثم إلى بائع في معرض لها، وانتقل، بعدها، إلى محل لبيع الأحذية والملابس ومحل آخر لبيع الفاكهة، ثم عمل في محطة بترول، وانتهى به الأمر إلى بواب لمبنى كبير يجاور تمثالاً لشخص يجمع بين الملامح اليمنية والإثيوبية وهو يشرب القهوة.

العمل الفني لأماني باحشوان

هذا التمثال كان بمثابة الشرارة التي ألهمته فكرة تحقيق حلمه الذي ضحى من أجله بدراسته الجامعية؛ لأنه تفرغ، كلياً، له، ودرس وتمرن في مقاهٍ ومعاهد لتصنيف جودة البن إلى أن أصبح مصنفاً عالمياً في جودته، وخبيراً بتاريخه وتجارته وأنواعه وأصنافه وطرق صناعته وتحميصه، وعارفاً ببلدان زراعته وطرق قطفه وتجفيفه وفصل نواته عن قشره، ومميزاً لطبقات النواة، ومتفنناً في معرفة ما يُحسِّن جودته وما يتلف حباته.

لم يكتف “مختار” بما تقدم، ولكنه سعى إلى التعرف على طرق تجارة البن وأسعاره وأهم شركات تصديره وبيعه، كما تعرف على أهم المقاهي الأمريكية والعالمية التي تفننت في صناعته وتنويع نكهاته. كل ذلك لم يتحقق له إلا من خلال حرصه الشديد على حضور ندوات ومؤتمرات ومهرجانات مختلفة حول العالم كان البن مركز اهتمامها.

         بعد وصول مختار إلى اليمن عام (2015م)، سعى إلى الحصول على عينات كثيرة للبن استطاع جمعها من مختلف مناطق اليمن المشهورة بزراعته، ثم عاد بها إلى أمريكا؛ ليفحصها ويكتشف نسب جودتها. وعلى ضوء نتائج الفحص، عاد مجدداً إلى اليمن وعمل على استيراد أطنان كثيرة من البن ذي الجودة العالية التي تحقق له أرباحاً طائلة وتعيد لليمن مجده وسمعته في إنتاجه وتصديره.

لقد نجح، في ذلك، نجاحاً كبيراً وتحقق له حلمه، إلا أن هذا النجاح صحبته مخاطر كثيرة وكبيرة تعرض لها في صنعاء وعدن ويريم والمخا وجيبوتي وأثيوبيا ومطارات أمريكا. هذه المخاطر، جعلته يؤمن بضرورة إحلال السلام في بلده- اليمن؛ لأن الحرب الأهلية الدائرة بين الحوثيين و الحكومة الشرعية وغيرهما من القوى السياسية والمذهبية والقبلية والمتغذية بالتدخلات الإقليمية والدولية، أذاقته الويلات مع كل اليمنيين الذين ما زالت رحاها تطحنهم إلى اليوم؛ الأمر الذي حمله على أن يطلق نداءه لكل اليمنيين عبر قميصه الذي كتب عليه: أن “انتجوا البن لا الحرب” (15)، وحمله، أيضاً، على أن يجمع في حلمه وفي قصته بين غايته العملية التجارية تجاه نفسه وغايته الأخلاقية تجاه بلده- اليمن الذي يأمل أن تتغير صورته في أذهان الأمريكان والغرب من خلال ما قدمه ويقدمه وسيقدمه هو وغيره عنه.

نبيذ الإسلام

“راهب المخا” عنوان يوحي برؤية مسيحية تُستشف من كلمة “راهب”. ويبدو أن بطل الرواية الحقيقي استشعر ذلك، فاقترح أن يُستبدل العنوان في الترجمة العربية بـ “شيخ المخا”، ولكن المترجم اقترح بقاء كلمة “راهب”؛ لأن كلمة “شيخ” لا تحمل الأبعاد الدلالية التي أرادها المؤلف “إيقرز” من وراء  كلمة “راهب”(454)؛ فيا ترى، ما الذي أراداه من وراء إبقاء هذه الكلمة؟

إذا كانت الرهبنة تعني فيما تعنيه الانعزال عن الناس والانقطاع لعبادة الله، فإنها في التصور المسيحي لا تنفك عن طقس شرب النبيذ الذي كان حاضراً في العشاء الأخير للمسيح، وأصبح، بعد ذلك، رمزاً لدمائه. وأما في الإسلام، فقد ارتبطت الرهبنة بالتصوف، وكان من أعلام التصوف الإسلامي “علي بن عمر الشاذلي” الذي عاش في “المخا” واستعان في التصبر على انقطاعه لله وعبادته وأداء طقوس التعبد له بـ”البن” الذي خمره وتناوله بالطريقة التي نعرفها اليوم، وكأنه، بذلك، استبدل بطقس النبيذ المسيحي نبيذاً معادلاً هو “البن” الذي اقترح المؤلف تسميته، وفق ما عرف عنه في رؤية الآخر المسيحي، بـ”نبيذ الإسلام”(103). بذلك نكون قد عرفنا أن “الشاذلي” هو أول من اخترع طريقة لاستعمال البن، والصوفي الوحيد الذي عرف بـ “راهب المخا”(92، 383، 385، 452)؛ فهل قصد العنوان الإحالة إليه؟

لا شك أن “ديف إيقرز” لم يقصد الإشارة إلى ذلك، وإنما قصد إسقاط تلك الدلالات لتنطبق على بطل الرواية “مختار الخنشلي”(111-112) الذي انقطع، بصورة كلية، لخدمة البن اليمني وإيصاله إلى أن يكون سلعة عالمية ذات جودة عالية وأسعار غالية تنافس في الأسواق العالمية أنفس السلع والمنتجات. كما أنه استعان بتاريخ مدينة “المخا” ومينائها الذي يعد موقعاً أساسياً لتصدير كل البن اليمني إلى أسواق العالم البعيدة، ولأن البن ارتبط بالمخا، فقد صار كل منهما مرادفاً للآخر(92-93).

بناء على ما تقدم، تكون كلمة “راهب” قد انتقلت، بدلالاتها، من الانقطاع لعبادة الله في الترهبن المسيحي إلى الانقطاع لعبادته في التصوف الإسلامي ثم إلى الانقطاع للعمل والإخلاص له في التصور الرأسمالي الذي يبجل قيمة العمل.

العمل الفني لأماني باحشوان

صراع المنظورات المتناقضة

حلم مختار والحلم الرأسمالي الأمريكي

         يؤكد المؤلف، في المقدمة، أنه كان حريصاً، في الرواية، على نقل ما يعكس طريقة مختار الخنشلي في رؤية العالم التي تخالف رؤيته هو(15-16). ولتعزيز هذا التصور لدى القارئ، وجدناه يؤكد في الصفحة التي عنونها بـ “ملاحظة عن الكتاب” أن دوره اقتصر على رصد الأحداث ونقل الحوارات كما عاشها ورواها “مختار” والحاضرون، وأن تدخلاته انحصرت في تنشيط ذاكرة “مختار” وفي تحديد التواريخ أو سجلها أو في تغيير بعض الأسماء ونقل نص الحوارات ونبرتها بدقة إلى الإنجليزية بمساعدة “مختار”(9). ولكن، هل هذا كاف؛ لإقناعنا بأننا أمام رؤية “مختار” وليس أمام رؤية المؤلف- الراوي ؟

         نجد المؤلف يؤكد أن غاية “مختار” المزاوِجة بين طموحه الذاتي العملي التجاري وبين التزامه الأخلاقي تجاه بلده- اليمن، وينقل أن مختار قد أعرب في أحد اللقاءات “عن عزمه وجديته في إحياء سمعة البن اليمني وإعادته إلى مكانته في سوق البن المتميز، وأمله في خلق تعاون دولي، وتقديم أفكار جديدة عن اليمن إلى العالم، اليمن الآخر البعيد عن القاعدة وعن طائرات الدرونز”(121).

إذا سلمنا بأن تلك هي غاية “مختار”، فإننا نجد المؤلف– الراوي يكشف عن غاياته هو نفسه من وراء كتابته لقصة “مختار” وتقديمها للقارئ الأمريكي من خلال بثه لرؤى تخدم أمريكا البلد والأمة والشعب والفرد والنظام العالمي الإنساني، وتشف عن أزمة اجتماعية وسياسية واقتصادية وهوياتية يستشرف قرب وبالها على أمريكا إن لم يُعمل على معالجتها وتداركها قبل فوات الأوان، كما تشي بأزمة يمر بها “الحلم الأمريكي”([2]) وتؤكد على ضرورة إحيائه وتجديده والترويج لصورته المغايرة للحلم القديم الذي فقد بريقه الجاذب بالأمس والكاذب اليوم.

إن هذا الترويج يمكن أن يحدث أثره من خلال حكاية قصص النجاح الجديدة للمهاجرين أو المجنسين الأمريكيين الذين فتقوا مسار التجسير الاستثماري الرأسمالي بين بلدانهم الأصلية المنتمين إليها وبين أمريكا التي أصبحوا يشعرون بانتمائهم إليها أيضاً؛ فهذا المسار هو الكفيل بإعادة تحقيق “الحلم الأمريكي” من خارج أمريكا بعد أن كان لا يتحقق إلا فيها وبعد الهجرة إليها.

فقصة “مختار”، من وجهة نظر المؤلف- الراوي، هي:

 “قصة عن الحلم الأمريكي الحي المتجدد والذي هو عرضة للتهديد الشديد (…)، عن اليأس في مدينة بالغة الثراء، عن العائلات التي تعيش هناك وتناضل؛ كي تعيش بأمان وكرامة. إنها قصة عن الغالبية الغريبة من اليمنيين المتاجرين بالمشروبات الكحولية في (كاليفورنيا)، وعن التاريخ غير المتوقع لليمنيين في (السنترال فالي)، وعن كيف للتجارة المباشرة أن تغير حياة الفلاحين (…). إنها حكاية عن أمريكيين -مثل (مختار الخنشلي) الأمريكي الجنسية- يستطيعون الحفاظ على روابط متينة ببلدان أجدادهم، والذين -من خلال المثابرة والعمل الجاد- يشيدون جسوراً لا غنى عنها بين البلدان المتقدمة والبلدان السائرة في طريق التقدم، بين أمم تنتج وأمم تستهلك. وهي حكاية عن كيف أن بناة الجسور هؤلاء يدمجون بشكل رائع وجريء سبب كينونة هذه الأمة والفرصة الملحة لمكانتها والترحيب الذي لا يفتر بها. وهي حكاية عن كيف أننا حين ننسى (…)، فإننا ننسى أنفسنا كشعب متحد منصهر ليس بالتوازن والجبن والخوف، بل بالوفرة المهولة اللامعقولة، بالمشروع العالمي في السلم الإنساني، بالإرث السليم المشروع للسعي الحثيث نحو الأمام …إلخ”(16-17).

هذه الغايات المختلفة، رغم تقاطعها الظاهري، تجعلنا نظن أننا أمام رؤيتين متصارعتين، وليس أمام رؤية “مختار” التي أعلن المؤلف- الراوي عن تقديمه لها، ولكن التعمق في نص الرواية أكثر، سيقلب الطاولة رأساً على عقب؛ لأننا سنكتشف أن رؤية المؤلف- الراوي، هي التي وجهت العمل ككل.

فإذا كنا قد لمسنا، من خلال بعض ما استشهدنا به سابقاً، انتصاره لقيم الرأسمالية التي تقف وراءها فلسفة الواجب والفلسفة النفعية- البرجماتية الـمُقدِّسة لثقافة العمل والكسب والتخطيط له، فإننا نجد، في النص وفي العناوين وفي بعض تعليقاته وتوصيفاته واختراقاته لوعي البطل، توجيهاً نحو هذه الرؤية التي تحمل الرواية على أن تأخذ طابعاً تعليمياً ووظيفة إغوائية وتروجية وتحفيزية وكأنها دليل أدبي إرشادي للنجاح.

إن هاجس العمل وكسب المال والتعاطي معه بالتبرعات أو القرض أو الاستدانة أو التقسيط أو التوفير…إلخ، وهوس وضع الخطط ودراسات الجدوى، واكتساب المهارات الذهنية والكلامية والحواسية؛ من أجل البيع والشراء ومعرفة الزبائن وكيفية استعادة ما خصم لهم(60-65)، وكذلك تنمية المعلومات والخبرات وتعلم الدروس والالتزام بأخلاقيات العمل وأدبياته وتعلمها وممارستها(31)، ظلت ممتدة طوال فصول الرواية؛ لتعلم القارئ قيماً مادية جديدة تسهم في زيادة الربح وتعمل على صناعة الحياة، كما تعلمه كيف يصبح “رجل أعمال” ناجحاً لا حالماً.

وللتمثيل على ذلك، نجده يجعل البطل لا يرى البن ولا يتحدث عنه إلا “كوقود للإنتاجية العالمية الهائلة، ويتحدث عن سلعة السبعين مليار دولار”(13)، ونجده يقدم لنا علاقته المادية بصديقته “ميريام” التي اشترت له حقيبة عملية ظانة أنها ستحفزه على تحقيق حلمه(20)، وبالحقيبة والنقود والكمبيوتر والبدلة “شعر بأنه شخص عملي له هدف يسعى لتحقيقه”(21)، كما وجدناه يقدم لنا خيبة أمل جده في أن يصبح حفيده إماماً أو محامياً؛ لأن حفيده بدا “يرى نفسه في قالب جده (حمود)، إنساناً مستثمراً يحب الحركة والنشاط”(53)، ويقدم لنا تقبل “مختار” لكسر ثقافة أجداده التي لا تسمح له أن يعمل بواباً(25، 84)، ولكن الحاجة إلى المال لم تجعله يتقبل ذلك فقط، وإنما جعلته يستسيغ الترحاب بكلاب الساكنين وأن يقول لها: “أهلاً”(28)، ووجدناه، أيضاً، يركز على استخفاف صديقه “غسان” بحديثه عن قصة راهب المخا الحقيقي، وعلى توجيهه له نحو ثقافة العمل من خلال نقله لكلامه بالحرف: “انس الراهب، انس الأمر كله …لا لزوم للرهبان. ركز على البن. ركز على العمل. تعال لنفكر فيها. عليك أن تصنع خياراً. هل أنت رجل أعمال أم أنك مجرد ناشط؟ عليك الآن، على الأقل، أن تختار هذا أو ذاك”(112).

العمل الفني لأماني باحشوان

أما ما هو متعلق بفكرة وضع الخطط ودراسات الجدوى وتعلم المهارات، فيكفي أن نشير إلى الفصول التي تحمل عناوينها لفظ: “خطة” أو”التدريبات” أو “تصنيف” وغيرها. ونجد في متن الفصول بعض الجمل ذات الدلالة: “ولكنها خطة عليه أن يشتغل وفقاً لها”(21)، وكـ: “أراد والداه أن يعرفا أن لديه خطة ما”؛ لأن ترك العمل لا بد أن يكون بعد التخطيط لعمل بديل(69) وكشكره وامتنانه لمن ساعده على “تحديث خطته يوماً بعد يوم دون كلل أو ملل، خطته في أن يصير مورد بن. وأخذ يرسم خطته على الورق (…). بدأ خطته بما يسمى جدول: SWOT…إلخ”(97).

الرؤية المادية مقابل الرؤية الإنسانية الإيمانية

لعل مصداقية توجيه الرواية نحو رؤية المؤلف- الراوي ووفق مقتضيات ثقافته ومتطلبات السوق والقارئ الأمريكي، تتأكد لنا من خلال رؤية “مختار” الإنسانية والإيمانية المناقضة للرؤية المتقدمة. فقد كشف لنا المؤلف- الراوي في المقدمة، عن رؤية مختار الإنسانية المتسمة بالرحمة وبالنزعة الغيرية تجاه أهل موطنه بعيدا عن حسابات الربح والخسارة وفظاظة الكسب: “يبطئ في حديثه حين يتحدث عما سببه لأصدقائه ولأسرته من قلق وذعر حين علق في اليمن إبان القصف. كانت عيناه تغرورقان بالدموع، فيتوقف عن الحديث، ويحدق في صور التلفون لوهلة قبل أن يستعيد رباطة جأشه ويواصل الحديث”(13).

أما الجانب الإيماني الديني لدى مختار، والذي يناقض الاتجاه التخطيطي الرأسمالي القائم على اتقان المهارات التي يتطلبها السوق، فيظهر بوضوح في الحوار الذي أجرته معه “إقبال عبيد” أثناء تكريمه في الكويت وألحق بالرواية(443-455)، يقول مختار في مواضع مختلفة من الحوار:

“حين أعود إلى الوراء أجد حكمة الله… وانتهى بي هذا التوكل والثقة بالله إلى ما وصلت إليه اليوم… شغف الإنسان وتهوره في مغامرة لا يعرف عنها شيئاً يمنحه نوعاً من تقدير الذات والإيمان بالله لما خطه له من أقدار… لم تكن لدي خطة مدروسة وواضحة، لكنني كنت مؤمناً بنفسي…منذ أن بدأت رحلتي والله ييسر لي طريقي…لا بد أن يؤمن الإنسان بشيء، إن الإيمان يأخذ الإنسان إلى أي مكان. التوكل على الله سبحانه وتعالى والإيمان بأنني سأجد منفذاً سيخرجني… لم أجد قوة تضاهي قوة الإيمان. وهكذا أجد نفسي أجدد إيماني بالثقة والتوكل دوماً على الله. كنت مؤمناً بأن الله الذي خلقني لن يتركني، والله الذي خلقني لن يخذلني، والله الذي توكلت عليه سينجيني…إلخ”.

إن مقارنة خطاب “مختار” في الرواية بخطابه في الحوار وصورته في المقال، تكشف بما لا يدع مجالاً للشك، أننا أمام لغتين وصوتين ورؤيتين مختلفتين إن لم أقل متناقضتين، وهذا يؤكد لنا أن المؤلف- الراوي، روى لنا قصة “مختار الخنشلي” الحقيقة، ولكنه ألبسها وسرب عبرها رؤيته هو للعالم وليس رؤية “مختار”، وأن ما أكد عليه من حرص على نقل رؤية “مختار”، ليس إلا تقنية إقناعية لإخفاء ما قام به من تدخلات فنية سرب عبرها ما يراه من أجل تحقيق أهداف أيديولوجية.


[1])  يراجع كتاب: أحمد اليبوري، دينامية النص الروائي، ص.35-36.

[2]) “الحلم الأمريكي” مصطلح أطلق على سياسة الاستقطاب للأيدي العاملة من خارج أمريكا؛ ففي سبيله بُسطت الأماني للراغبين في تحقيق الحرية والمساواة والعدالة وتكوين ثروات كبيرة من خلال الربح السريع في وقت وجيز، ولكن الكثيرين تبددت أمانيهم في تحقيق هذا الحلم الذي تحول إلى رعب يهدد أمريكا.

اظهر المزيد

محمد الكميم

كاتب وناقد و أكاديمي. يعمل محمد الكميم محاضراً في كلية الآداب جامعة صنعاء. حصل على الماجستير في مجال السيميائيات من قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة صنعاء عام 2009م. وحصل على الدكتوراه في مجال تحليل الخطاب من جامعة محمد الخامس بالرباط عام 2013م. نشر الكميم عدداً من المقالات والأبحاث في مجلات وصحف محلية وعربية. وله كتابان تحت الطبع هما: “الشِّعر والشَّعر: سيميائية الجسد في نصوص أندلسية”، و”خطاب المختارات الشعرية: مقاربة للمتعاليات النصية في نماذج أندلسية”. وهو عضو في اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى